(مقال) فارسا النضال القومي الكوردي.. أسعد آغا الهركي ويدالله الفيلي

(مقال) فارسا النضال القومي الكوردي.. أسعد آغا الهركي ويدالله الفيلي أسعد آغا الهركي (يمين) ويدالله الفيلي
2026-10-28T08:44:03+00:00

فؤاد روند

أجبرني نبأ الوعكة الصحية التي ألمت بمحمد آغا، نجل أسعد آغا الهركي، على الإسراع في كتابة هذه السطور.  وأعود بذاكرتي الى عام 2017 وأثناء إجراء إحدى مقابلاتي من اجل تدوين التاريخ الشفاهي للحزب الديمقراطي الكوردستاني وكانت مع المناضل عبد الكريم مراد المعروف بـ"يدالله الفيلي" (1934-2022)، في منزله بمدينة أربيل، وفي ختام المقابلة أبدى الفيلي رغبته ان یجري مقابلة مع أنجال أسعد فتاح آغا الهركي.

وقد أدى انشغالي بمهام وواجبات عديدة الى تأخري في تلبية تلك الرغبة، وتبلور لدي تساؤل، ما طبيعة هذا اللقاء الذي أراده مع عائلة تتزعم عشيرة الهركي؟!. في عام 2020 وأثناء مقابلتي مع یدالله‌ الفیلي، قال: كان كريم الفيلي المعروف بكريم مكنزي وأبو جاسم، الذي كان صاحب اكبر مكتبة لبيع الكتب المؤلفة باللغة الانجليزية في مدينة بغداد: ان هذه المكتبة كانت مكانا للقاءات السرية ليدالله الفيلي مع قسم من تنظيمات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ولذلك أصبح للموضوع أهمية تاريخية.  

وجدير بالذكر، إن المكتبة تأسست عام 1920 على يد الكونت مكنزي (1880-1928) في مدينة بغداد، وكان معظم روادها من طلبة واساتذة الكليات والجامعات العراقية الذين يدرسون باللغة الانجليزية، لغاية اغلاقها من قبل حكومة البعث في العراق.

 كانت المكتبة ملتقى الشخصيات الكوردية والعربية والأوربية البارزة، مثل أرشد العمري (1888-1978)، وطلعت الشيباني (1917- 1992)، ورفعت الجادرجي (1926-2020)، ونهاد التكرلي، وعبدالمجيد الونداوي وعبد الملك نوري (1921- 1998)، حتى أن  جبرا ابراهيم جبرا (1919-1994) ذكر اسم المكتبة في رواية (صيادون في شارع ضيق) وكذلك فعل دزموند ستيوارت (1924- 1981) في رواية (انجليزي غير مرغوب فيه)، وكذلك فعلت أغاثا كريستي (1890-1976) في رواية "جاءوا إلى بغداد"، كما ارتاد المكتبة العديد من الشخصيات الكوردية. 

في أواخر عام 1964 تعرف يدالله الفيلي على أسعد آغا الهركي الابن البكر لفتاح آغا الهركي رئيس عشيرة الهركية في مكتبة مكنزي بوساطة صاحبها كريم مكنزي (كريم الفيلي) بعد أن اشترى المكتبة من الكونت مكنزي وعرف فيما بعد بكريم مكنزي. فقال لأسعد آغا الهركي من دون مقدمات: هذا يدالله الفيلي عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، على الرغم من اسعد آغا كان في الظاهر من المسلحين التابعين للحكومة العراقية وله عدد من الحمايات من المسلحين، وهنا تعهد أسعد آغا الهركي ليدالله الفيلي بتقديم المساعدة في حدود أربيل والموصل وشرق كوردستان.

في تشرین الثاني لعام 1965 توجه يدالله الفيلي من بغداد الى أربيل للمشاركة في اجتماع مهم لقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بالقطار (حينها كانت سكك الحديد ممددة وفعالة، ولاحقا في زمن سلطة البعث في العراق تم إيقافها نهائيا)، وفي بيت خياط عقراوي عضو في البارتي التقى بعبد الرحمن كومشيني العضو العامل للفرع الثاني للبارتي، وابلغه الأخير بان المدينة محاصرة بأكملها والخروج منها صعب، وان الجيش العراقي في حالة تأهب قصوى. 

فبعث يدالله الفيلي رسالة الى أسعد آغا الهركي عن طريق ذلك الخياط وطلب فيها المساعدة. فتعهد الآغا بتنفيذ طلبه، ومن اجل ذلك قام عبدالرحمن كومشيني وعلي كمال بزیارة مقر اقامة أسعد آغا الهركي و منها قام الوفد بزيارة فتاح آغا الهركي في منزله، وحينها كان رئيس عشيرة الهركية يمر بعارض صحي، ونقلا شفاها عن يدالله الفيلي تحيات الملا مصطفى بارزاني (1903-1979) الى الآغا. فيغتبط الآغا الكبير بهذه الزيارة وأمر قوة من أتباعه بمرافقة يدالله الفيلي الى المناطق المحررة. 

وقامت سيارتا جيب مليئتان بالمسلحين الهركيين، بنقل يدالله الفيلي وعبدالرحمن كومشيني الى جبل بيرمام، وتمت هذه المهمة الخطيرة بمرافقة محمد آغا نجل أسعد آغا الهركي (لحد كتابة هذه السطور مازال محمد آغا الهركي على قيد الحياة، وهو والد جيا الهركي العضو الاحتياط في قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني)، لكي يقوم بمعالجة أية مشكلة قد تحدث.

وأنا التقيت شخصيا في دار الدكتور آراس حسو ميرخان (عضو قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني) في عام 2020 مع محمد آغا الهركي، فرويت له هذه الذكرى، وكان يصغي الي مبتسما ويؤكد صحتها، وكان ابنه جيا حاضرا في الجلسة، وقال محمد آغا: ان جدي وأبي أمراني انه يتوجب ان يصل يدالله الفيلي سالما الى المناطق المحررة حتى لو كلف ذلك حياتنا، وكانت الأوضاع حساسة ويستعد الجيش العراقي للقيام بهجوم عسكري كبير على جبل سفين، وقد وضع أسعد آغا تفاصيل خطة الهجوم امام يدالله الفيلي ليقوم بإبلاغ قيادة الثورة الكوردية بهذه الخطة. وعلى اثر ذلك تعاملت قوات البيشمركة بقيادة رشيد حاجي بدریا عبدالله المعروف بملازم رشيد السندي (1931- 2024) مع الموقف بمنتهى الحساسية.

وفي ختام لقائي مع محمد آغا، أبدى استعداده لاستقبال يدالله الفيلي، وكان سعيد بوجود أناس لازالوا يتذكرون تضحيات عائلته في الأوقات الصعبة. 

وبعد هذا اللقاء التقيت يد الله الفيلي فحدثته عن استعداد محمد آغا الهركي للقائه، وهو شقيق المهندس محمود آغا الهركي رئیس عشیرة الهركیة. فقال يدالله الفيلي: ان علاقتنا نحن الفيليون في بغداد في بداية السبعينيات مع أسرة اسعد آغا الهركي كانت قوية جدا، خصوصا قيامنا بحث التجار الفيليين في سوق الشورجة، على شراء منتوجات الرعايا الهركيين وخصوصا منتج الجبن. وخلال عامي 1974 – 1975 كنا أنا واسعد آغا الهركي نتزاور فيما بيننا ويستشير بعضنا بعضا، ومع الأسف كان آخر لقاء مع أخي في النضال الكوردي اسعد آغا الهركي في عام 1976 في شارع الرشيد في بغداد. وشعرت يومها بان أسعد آغا الهركي كان قلقا من إحتمال تسميمه بسبب مشاركته الفاعلة في ثورة أيلول وانكشاف تواصله السري خلال الفترة من 1961-1970 من قبل الأجهزة الأمنية العراقية. وفي نهاية المطاف، اتضح ان مخاوف الرجل كانت في محلها، فقد قامت السلطات البعثية بتسميم وقتل هذا الرجل النبیل. وهو كان الضحية الاولى، وبعده المهندس شوكت احمد عزيز، المعروف بشوكت العقراوي (1927-1980)، القیادي السابق في البارتي حيث تم اغتياله عن طريق دس السم اليه من قبل السلطات البعثية العراقية في مدينة بغداد.

وتوقف يدالله الفيلي هنيهة واختار الصمت للحظات، وبعد ذلك قال: أنا ابن بغداد وعرفت اسعد آغا الهركي في بغداد، لقد دفعني نبله وكرمه الى أن أحب أربيل بشكل أكبر وأتمنى ان ادفن في هذه المدينة بعد وفاتي، وبالفعل كان الأمر كذلك حيث كان مثواه الأخير في مقبرة كسنزان في مدينة أربيل. وتحول نضالهم القومي الكوردي الى أسطورة من الوفاء ودوّن صفحة خالدة في سيرة التاريخ المعاصر.

ترجمة: شفق نيوز

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon