لغتنا الكوردية ولهجتنا الفيلية هويتنا
عباس عبد شاهين
تعد اللغة جزءاً أساسياً لا ينفصل عن الهوية الثقافية لأي مجتمع في العالم فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل اليومي بل ذاكرة تحمل التاريخ ومرآة تعكس الانتماء وجسر يربط الماضي بالحاضر والمستقبل ومن هذا المنطلق تكتسب اللغة الكوردية ولا سيما اللهجة الفيلية أهمية مضاعفة لدى الكورد الفيليين بوصفها أحد أبرز مكونات هويتهم القومية والمذهبية والاجتماعية ورمزاً لصمودهم في وجه محاولات الطمس والإقصاء، وعبر التاريخ الحديث واجه الكورد الفيليون تحديات قاسية في الحفاظ على لغتهم الأم نتيجة سياسات قمعية ممنهجة مارستها الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة في العراق وعلى رأسها النظام البعثي المجرم فقد تعرض الكورد الفيليون لعمليات تهجير قسري واسعة وإسقاط للجنسية ومصادرة للأموال فضلاً عن محاولات مدروسة لسلخهم عن هويتهم القومية والمذهبية وكانت اللغة أحد أبرز الأهداف إذ جرى تهميش الكوردية وإقصاؤها من الفضاء العام ما أدى تدريجياً إلى تراجع استخدامها داخل العديد من الأسر الفيلية واليوم يمكن ملاحظة أن عدداً غير قليل من الكورد الفيليين في العراق لم يعد يتحدث اللغة الكوردية بطلاقة أو لا يشعر بالراحة في استخدامها خصوصاً بين الأجيال الشابة التي نشأت في بيئات لغوية بعيدة عن لغتها الأم وهذا الواقع المؤلم لا يعكس ضعفاً في اللغة ذاتها بقدر ما يعكس تراكمات تاريخية من القمع والتهميش وغياب السياسات الداعمة للتنوع اللغوي والثقافي.
وفي هذا السياق تبرز المبادرات المجتمعية والثقافية كخطوة مهمة لمواجهة خطر اندثار اللغة ومن النماذج اللافتة ما نظمته قبل أيام جمعية النساء الكورد في مدينة ديار بكر (آمد) بشمال كوردستان تركيا من مسابقة فريدة بعنوان الأمهات الناطقات بالكوردية حيث هدفت هذه المبادرة إلى ترسيخ لغة الأم وحمايتها من خلال التركيز على الدور المحوري للمرأة بوصفها الحاضنة الأولى للغة داخل الأسرة وقد اعتمدت المسابقة آلية تفاعلية مبتكرة حيث قامت الأمهات بتصوير مقاطع فيديوية قصيرة وهن يتحدثن أو يقرأن مع أطفالهن باللغة الكوردية وجرى لاحقاً تقييم المشاركات وتكريم الفائزات بجوائز تحفيزية في احتفالية بهيجة شهدت حضوراً واسعاً للعائلات وقد عبروا عن فخرهم بلغتهم مستشهدين بمقولات تراثية تؤكد أن اللغة هي جلد الروح في إشارة عميقة إلى ارتباط الإنسان بلغته بوصفها جزءاً من كيانه.
إن مثل هذه المبادرات تمثل نموذجاً يحتذى به وتؤكد أن الحفاظ على اللغة يبدأ من داخل البيت ومن المهد تحديداً ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتنظيم فعاليات مشابهة مخصصة للكورد الفيليين ولا سيما في بغداد والمناطق التي يتواجدون فيها الكورد الفيليين بهدف توعية العائلات بأهمية إحياء اللغة الكوردية ولهجتها الفيلية في الحياة اليومية وجعلها لغة التخاطب الأولى مع الأطفال ومن المؤسف حقاً أن نرى الكثير من العائلات الفيلية تتحدث بلغات أخرى داخل المنزل وخارجه بينما تبتعد لغتها الأم عن وجدان الأجيال الجديدة أو لا تفهم أصلاً من قبل المتلقي وإن هذا الواقع يستدعي وقفة جادة تقوم على تعزيز الوعي الجماعي وإيجاد حلول عملية للحفاظ على اللهجة الفيلية وإحيائها باعتبار ذلك مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق الأفراد وحدهم بل تشمل المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية وإن أقل ما يمكن للكورد الفيليين القيام به اليوم هو تعليم أطفالهم اللغة الكوردية منذ الصغر داخل البيت بوصفه الحاضنة الأولى للهوية كما تبرز أهمية فتح مدارس أو مراكز محلية تعنى بتعليم اللهجة الفيلية إلى جانب إطلاق دورات تعليمية عبر الإنترنت او بشكل حضوري تواكب العصر وتصل إلى أكبر عدد ممكن وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحة وهي ان اللغة هي هويتنا واللغة الكوردية جميلة وعريقة بجانب اللغات الأخرى وتستحق أن تبقى حية وإذا فقدنا لغتنا ولهجتنا بالتحديد فقد فقدنا جزءاً جوهرياً من أنفسنا وتاريخنا فالحفاظ عليها ليس خياراً ثقافياً فحسب بل واجب أخلاقي وتاريخي تجاه الأجيال القادمة.