ظاهرة "نصف الحق".. وجه عصري للإبادة الجماعية للكورد الفيليين
كريم حسن فيلي/ بينما يحيي الكورد الفيليون الذكرى السادسة والأربعين لبدء الإبادة الجماعية بحقهم، يبرز صراع جديد داخل أروقة البيروقراطية العراقية لا يقل خطورة عن التغييب القسري والتهجير، هذا الصراع يدور بين مفهومين: "الحق الكامل" بوصفه استحقاقا ماليا وقانونيا وأخلاقيا للتعويض، و"نصف الحق" بوصفه نموذجا مستحدثا للضريبة السياسية والإدارية.
منذ سنوات، وفي ملف التعويضات، برزت ظاهرة اشتراط مافيات الدوائر وبعض "أشباه المحامين" (الذين هم في الحقيقة سماسرة وشركاء في اكبر ظاهرة غير مشروعة وجريمة مالية) الحصول على 50% من المستحقات المالية أو العقارات والأراضي.. هذا الفعل ليس مجرد فساد إداري، بل هو جريمة مالية كبرى وتغيير لفلسفة العدالة وتحويلها إلى تجارة دنيئة.
حين يقول موظفون حكوميون أو وكلاؤهم للضحية: "امنحنا نصف ممتلكاتك لنضمن لك النصف الآخر"، فإنهم يحولون وظيفة الدولة من "حام للحقوق" إلى "شريك في أموال المظلومين"؛ هذا السلوك هو امتداد لعقلية عام 1980، لكن الجريمة هنا ترتدي ثوبا جديدا دون أن ينال مرتكبوها أي عقاب حتى الآن.
إن قبول بعض الضحايا بمبدأ "نصف الحق" ناتج عن ضغوط المعيشة واليأس من المنظومة، لكنه مسار خاطئ؛ فبذلك أنت لا تمنح نصف حقك للمافيا فحسب، بل تمنح "شرعية" لفكرة أن حقك ليس ملكا لك بل عليك شراؤه.. وبموجب هذا النموذج، فإن نصف الرأسمال الذي كان يفترض أن يعود للبنية التحتية الاقتصادية للكورد الفيليين، يذهب إلى جيوب مافيات من خارج المكون، مما يبقي الفيليين في حالة تبعية وضعف مالي دائمين.
إن المطالبة بـ "الحق الكامل" هي معركة لإثبات الهوية؛ فعندما نصرّ نحن الكورد الفيليين على استرداد حقوقنا بنسبة 100%، فإننا نرسل رسالة سياسية للحكومة مفادها: نحن لسنا مواطنين من الدرجة الثانية، ولن ندفع لكم ضريبة كوننا ضحايا مرة أخرى.
إن تبريرات "الواقعية" و"جزء من الحق أفضل من لا شيء"، بالإضافة إلى تفشي الفساد في مستويات عليا، هي ما يمهد الطريق لنموذج "نصف الحق"، وهو ما يوجه طعنة كبرى لكرامة البلاد التاريخية.
فالطبقة الجديدة من الفاسدين والسماسرة الذين ابتكروا نظام "نصف الحق" تعتاش اليوم على جسد الإبادة الجماعية للفيليين وأمثالهم، حيث تحولت إجراءات تنفيذ قوانين التعويض إلى فرص لثراء المافيات.. وإذا لم يتم إيقاف هذا المسار، فكيف للمتضرر الفيلي أن يؤمن بـ"دولة القانون" بينما لا يجد سبيلا لاستعادة حقوقه إلا عبر صفقات "المناصفة"؟!
إن هذا النموذج من المواطنة للكورد الفيليين في العراق يعني: واجبات كاملة مقابل حقوق منقوصة.
بعد 46 عاما من استذكار الإبادة والانتظار المرير في شهر نيسان، يجب تصنيف نموذج "نصف الحق" كجريمة وطنية، ومقاطعة تلك الإجراءات الملوثة التي تهدد جوهر الحقوق. إن الحل الأمثل للقضاء على هذه الظاهرة يكمن في "الشفافية الرقمية" التي تضيق الخناق على الفاسدين؛ من خلال تحويل كافة ملفات التعويض إلى النظام الإلكتروني "الأتمتة"، لقطع الطريق أمام أي مواجهة مباشرة بين الضحية والموظف.
إن القبول بـ "نصف الحق" في ظل صمت الحكومة يعني أننا -في نظر الفاسدين- لم نصبح مواطنين كاملين بعد؛ لذا، علينا المحاربة من أجل "الحق الكامل"؛ معركة للحق والكرامة، وللتاريخ ولمستقبل أجيالنا.. فكل اتفاق على "نصف حق" ليس إلا توقيعا على تمديد للإبادة الجماعية، ولكن بأسلوب عصري.