"تجميد الإنصاف" في الملف الفيلي
علي حسين فيلي/ منذ سقوط نظام صدام، أبقت الأزمات السياسية والقومية والمذهبية والإقليمية "عقلَنا الجمعي" في حالة استنفار مستمر. الأخبار السيئة، والتحليلات المتضاربة، والقوانين غير المُفعّلة، كلها جعلت الخط الفاصل بين الواقع والتوقعات باهتاً وملتبساً. وفي بيئة كهذه، يصعب على الإنسان أن يعيش على التمني وحده، أو أن يكون مبدعاً وفاعلاً وسط ضباب لا ينقشع.
وحين نربط مفهوم "القلق المزمن" بالوضع الراهن في العراق، تبرز لدى الفيليين عبارة أكثر التصاقاً بواقعهم، وهي "تجميد القرارات"، وبالأخص القرارات التي تُقصيهم عن البرامج والخطط العامة أو تُرحّل إنصافهم إلى أجل غير معلوم. فالمجتمع المستقر، حتى وهو يواجه أزمات، يميل إلى اتخاذ قراراته بقدر أكبر من الهدوء والوضوح. أما المستقبل المجهول فيُبقي التفكير العام معلقاً في "برزخ" بين الخوف والرجاء، وحين تكون السلطة أقل استجابة للمطالب الحسّاسة، يصبح بناء عقلية هادئة مهمة شبه مستحيلة في واقع راكد ومثقل بالأزمات.
وإذا كان الحل يبدأ بإعادة بناء الثقة واستعادة المعنى، فإن الحياة، حين تضيق الخيارات ويغيب وضوح الحقوق والمصير، لا تبحث عن شعارات كبرى بقدر ما تبحث عن توازن يحمي الإنسان من الانهيار. لا القومية وحدها، ولا الانتماء السياسي منفرداً، قادران على أداء دور "المنقذ" في ظروف يُدار فيها المصير بتأجيل دائم.
لم يُحدَّد سقف زمني، ولم يُخبرنا أحد كم سيستغرق حل هذه المعضلة. إن "اللايقين" طويل الأمد أخطر من الأزمات ذاتها، لأنه يفتك بقدرة المجتمع على التنظيم والتخطيط. ومعه تتفاقم صراعات الصدارة، وتتضارب المصالح، وتظهر محاولات فرض شرعيات اجتماعية داخل الشريحة، بوصفها أسباباً إضافية لرفض الآخر. كما أن التوجهات الأيديولوجية والأهداف المتصارعة تُضعف قابلية تحمّل بعضنا لبعض، وتُقزّم مساحة اللقاء إلى حدها الأدنى.
وفي ظل هذا الغموض، يميل العقل تلقائياً إلى أسوأ السيناريوهات، فيتحول القلق والتوتر من رد فعل مؤقت إلى نمط يومي يتجسد في الإرهاق النفسي والغضب. لقد راكمت تجارب التمييز والإقصاء والقمع عبر مراحل مختلفة شعوراً بالغدر وعدم الاطمئنان، ودَفعتنا، نحن وسائر المكوّنات التي عانت ظروفاً مشابهة، إلى أن نعيش وكأن الاستعداد للأسوأ واجب دائم.
ومع تراجع روح "المجازفة"، انكمش حراكنا الاجتماعي وتضاءلت ديناميكية مجتمعنا. يخبرنا الواقع أن الجغرافيا لم تكن رحيمة بنا، لكن غياب الآليات القانونية والوساطات المؤسسية للحوار جعل الأزمة أكثر تعقيداً. بل إن الدعم أو التدخل الخارجي، حين جاء بلا ضوابط، عمّق الانقسامات، كما أن التشتت بين القبيلة والعائلة وتعدد الرؤى السياسية عطّل إمكانية تشكيل إجماع فاعل قادر على تحويل المطالب إلى مسار عملي.
ختاماً، صحيح أن الجيل الجديد يحمل مطالب واقعية وملموسة، وأن بعض المسؤولين التقليديين لا يبدون استعداداً كافياً للحوار حول الأولويات الراهنة، إلا أن الفيليين، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى صياغة جدول حوار داخلي وتطوير ميثاق مشترك، حتى إن انطلق من الحد الأدنى من المشتركات. ميثاقٌ يعيد بناء الثقة بخطوات عملية متينة، ويحوّل القلق من عبء يومي إلى دافعٍ لتنظيم الذات واستعادة الحضور.