الكورد الفيليون في الذكرى الـ46 لجريمة العصر: حقوق مؤجلة في مهب التوازنات السياسية
ماجد سوره ميري/ تعد قضية الكورد الفيليين في العراق نموذجا فريدا ومؤلما للاضطهاد المزدوج؛ فقد دفعوا ثمن انتمائهم القومي الكوردي وتوجههم المذهبي، مما جعلهم هدفا لسياسات التهجير القسري وتجريد الجنسية ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة التي بلغت ذروتها في عام 1980؛ واليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين على التغيير السياسي في 2003، ورغم صدور قرارات تعتبر ما تعرضوا له "إبادة جماعية"، إلا أن الواقع العملي لا يزال يشير إلى فجوة كبيرة بين التشريع والتنفيذ.
الواقع الحالي: بين الاعتراف الرمزي والتهميش الفعلي
يعيش الكورد الفيليون اليوم حالة من "الإنصاف الرمزي"؛ فبينما تقيم الرئاسات العراقية والقيادات الكوردستانية المحافل التأبينية في ذكرى "يوم الشهيد الفيلي"، يواجه الفرد الفيلي في بغداد، واسط، ديالى، أو في المهجر، تعقيدات بيروقراطية منهكة.. لقد استعاد الكثيرون جنسيتهم، لكن الآلاف لا يزالون يعانون من مشاكل في القيود الثبوتية التي وصمتهم يوما بـ"التبعية"، مما يعيق حصولهم على كامل حقوق المواطنة والخدمات.
معضلات لا تزال قائمة
يمكن تلخيص مشكلات الكورد الفيليين الحالية في ثلاثة محاور رئيسية:
استرداد الممتلكات: لا تزال عقارات شاسعة في مناطق حيوية مثل "الشورجة" و"جميلة" و"عكد الأكراد" بيد شاغلين جدد أو مؤسسات حكومية، وسط بطء شديد في إجراءات هيئة نزاعات الملكية.
ملف المغيبين: يظل مصير الآلاف من الشباب الذين تم احتجازهم في الثمانينيات مجهولا، مع غياب جهود بحث منهجية عن المقابر الجماعية الخاصة بهم وتعويض ذويهم.
التمثيل السياسي: يشعر الفيليون بأنهم "جسر بين الهويات" لم يمنح حقه في مراكز صنع القرار؛ فهم يتعرضون للتهميش في توزيع المناصب الحكومية، وغالبا ما تجير أصواتهم لصالح كتل كبرى دون وجود "كوتا" -تكون متناسبة مع حجمهم الطبيعي ووسط أماكن تواجدهم- تضمن خصوصيتهم كما هو حال الأقليات الأخرى.
تطلعات المستقبل: مواطنة كاملة لا "منحة"
يتطلع الكورد الفيليون في عام 2026 إلى الانتقال من مرحلة "المناشدات" إلى مرحلة "الالتزامات القانونية"، وهم مثقلون بتطلعات يرونها مشروعة ومنطقية من أبرزها:
تفعيل قانون تنظيم حقوق الكورد الفيليين الذي طال انتظاره، ليكون مظلة قانونية شاملة لإزالة كافة الآثار السيئة للقرارات الجائرة (مثل قرار 666 الملغى).
الحصول على تمثيل نيابي وتنفيذي يتناسب مع حجم تضحياتهم ودورهم الاقتصادي والثقافي التاريخي في بناء الدولة العراقية.
إعادة الاعتبار الثقافي للغتهم وهويتهم المهددة بالذوبان نتيجة عقود من التهجير والتخويف.
مدى الاستجابة الرسمية
على الرغم من وجود "نوايا طيبة" يعبّر عنها كبار المسؤولين في بغداد وأربيل ، إلا أن الاستجابة تظل أسيرة "المحاصصة".. فالحكومات المتعاقبة تعاملت مع القضية كملف "تعويضات مالية" بسيطة، بدلا من التعامل معها كقضية "عدالة انتقالية" شاملة تتضمن اعتذارا رسميا وتعويضا معنويا وماديا يعيد دمج هذا المكون في نسيج الدولة كشريك أصيل لا كضيف.
إن مرور 46 عاما على تلك الجريمة هو تذكير بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن استقرار العراق لن يكتمل دون طي صفحة الظلم الذي لحق بالكورد الفيليين بشكل جذري وعادل.