(مقال) أنا وأنت.. ومعركة المكانة الفيلية
سندس ميرزا/ عند استحضار السنوات الست والأربعين التي مرّت على جريمة الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الكورد الفيليون، نصطدم بحقيقة مريرة، وهي أن زمنا طويلا انقضى ونخبنا ونشطاؤنا يجمعون مطالبنا وحقوقنا المشروعة في ملف مثقل بالبكاء والعويل واستعادة المظلومية، ثم يضعونه أمام العراق والمجتمع الدولي.
ولا شك أن آلامنا حقيقية، وأن جراحنا لا تزال نازفة، لكن في معادلات السياسة العراقية والدولية القاسية، لم يعد كوننا ضحايا وحده كافيا لاستعادة حق أو فرض حضور. لذلك يتوجب على النخب الفيلية اليوم أن تدرك أن البكاء على الأطلال القديمة واجترار قصص المظلومية لن يعيدا لنا أيا من حقوقنا المسلوبة.
إن قضية الكورد الفيليين لا تُحل بالمطالبات الودية ولا بالاستجداء من الحكومات، بل يجب التعامل معها بوصفها مظلمة قانونية وتاريخية عالقة في مفاصل الدولة، وتحتاج إلى موقف مختلف وأدوات مختلفة. فالمظلومية، مهما كانت عادلة، لا تتحول إلى قوة ما لم تجد خطابا منظما وذاكرة حية قادرة على فرض نفسها في المجال العام.
لقد ظل الكورد الفيليون لعقود طويلة ضحايا لقضية وقعت بين المطرقة والسندان. ففي بغداد اتُّهموا بكورديتهم، وفي غربة المهجر نُظر إليهم بوصفهم عراقيين، فصاروا غرباء الدارين. ومن هذا العزل المزدوج نشأت أدبيات سلبية، قامت في معظمها على التظلم والبكائيات، أكثر مما قامت على صناعة التأثير واستعادة المكانة.
ولهذا فإن المرحلة الحالية تتطلب قطيعة واعية مع الأعراف القديمة غير المؤثرة. فالمطلوب اليوم ليس مجاملة ولا تجميلا للحقائق، بل عملا مهنيا منظما يشبه عملية جراحية دقيقة لاستعادة المكانة والهوية الخاصة بالكورد الفيليين، من خلال أدوات الإعلام الحديث لا أدوات الاستعطاف السياسي.
إن أكبر خطأ استراتيجي يمكن أن يرتكبه أي مكون قومي أو أقلية، ولا سيما في عاصمة مثل بغداد، هو أن يتقوقع داخل افكار ضيقة ومحدودة، فحين يبقى الخطاب محصورا داخل دائرة الجمهور نفسه، يتحول إلى صدى داخلي لا يسمعه الآخرون، ولا يخشاه الخصوم، ولا يحسب له أصحاب القرار حسابا.
القضية الفيلية تحتاج إلى سرد يتجاوز حدود الشكوى، ويذهب نحو بناء المعلومة، وتوثيق الذاكرة، وإنتاج السردية، ومخاطبة الدولة والمجتمع والرأي العام، لا يكتفي بتذكير الناس بالمأساة، بل يحوّل المأساة إلى ملف حاضر، وإلى سؤال سياسي وأخلاقي وقانوني لا يمكن تجاهله.
وحين يستقي مسؤول عراقي أو دبلوماسي أجنبي أو باحث أو صحفي معلومات دقيقة وموثوقة عن الكورد الفيليين، فإنه يتعامل مع هذه الشريحة لا بوصفها ضحية صامتة، بل بوصفها جماعة حية تمتلك الذاكرة واللغة والحجة والقدرة على إنتاج المعرفة. وفي هذا النموذج لا تعني الموضوعية التخلي عن الهوية، بل تعني تثبيت الاسم وخدمة القضية بوسائل أكثر تأثيرا.
التجربة الفيلية، يمكن لها أن تكون مصنعا لتثبيت الهوية في الأماكن التي كان وجود الإنسان الفيلي فيها مرادفا للخطر. فاللغة، والصوت، والصورة، والأرشيف، والمقال، والتحقيق، كلها أدوات لاستعادة الحضور في شتات حاولت سياسات الإقصاء أن تمحو أثر أبنائها الأصليين منها.
ومن هنا تأتي أهمية أن يدرك الكورد الفيليون أن معركتهم لم تعد معركة ذاكرة فقط، بل معركة مكانة أيضا. فالذاكرة من دون مكانة تبقى حبيسة المناسبات، والمظلومية من دون تأثير تتحول إلى بكاء موسمي. أما حين تتحول الذاكرة إلى خطاب مهني، وحين تتحول القضية إلى محتوى موثق وفاعل، فإنها تبدأ بمغادرة الهامش نحو مركز النقاش الوطني.
وبعد مرور 46 عاما على الإبادة الجماعية، تعود الذكرى مجددا، لكن النخب الفيلية تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما الاستمرار في محاولات لا طائل منها، تقوم على التوسلات السياسية داخل الكواليس المغلقة، وإما الانتقال من خطاب الضحية إلى خطاب صاحب الحق، ومن ذاكرة الألم إلى دبلوماسية التأثير وبناء المكانة، في عصر لم تعد فيه الحقوق تُستعاد بالبكاء وحده، بل بالقدرة على فرض الحضور وصناعة الكلفة السياسية والأخلاقية للتجاهل.