مرصد عراقي يسجل "انتهاكات رسمية" لاستقلالية وسائل الإعلام
شفق نيوز- بغداد
أكد المرصد العراقي لحقوق الإنسان، يوم الاثنين، أن العراق شهد خلال الربع الأول من عام 2026 مساراً مقلقاً ومتسارعاً من الإجراءات التي استهدفت جوهر النظام الديمقراطي، ولا سيما حرية الرأي والتعبير واستقلالية وسائل الإعلام.
وقال المرصد في تقرير له، ورد لوكالة شفق نيوز، إن "هذه الفترة مثلت تحولاً نوعياً في آليات التعامل مع الفضاء العام، إذ لم تعد الضغوط تأتي من جهات غير رسمية فقط، بل أصبحت تُمارس وتُشرعن عبر مؤسسات الدولة الرسمية، وفي مقدمتها هيئة الإعلام والاتصالات، من خلال قرارات إدارية ولوائح تنظيمية استُخدمت كأدوات عقابية مباشرة ضد صحافيين ومحللين وصناع محتوى ومؤسسات إعلامية".
وبين المرصد أن "هذا التحول تجسد في سلسلة من القرارات بدأت في 19 شباط/فبراير، حين صدر قرار بمنع الظهور الإعلامي المفتوح بحق كل المحللين السياسيين سلام عادل وبشير الحجيمي بذريعة مخالفة قواعد البث. وفي 15 آذار/مارس، رصد المرصد قراراً مشدداً بمنع الظهور الإعلامي لعام كامل بحق الناشط السياسي غيث التميمي بسبب تعبيره عن آرائه".
وبين أنه "مع نهاية الشهر، وتحديداً في 29 آذار، اتسعت رقعة الملاحقة لتشمل الفضاء الرقمي الشخصي، حيث تم منع المذيع التلفزيوني في قناة الشرقية حسام الطائي من الظهور لـ90 يوماً بسبب منشورات على فيسبوك، ومنع المحلل السياسي نزار حيدر لـ30 يوماً بسبب لقاء في قناة الفلوجة بدعوى الافتقار للدقة، فيما تلقى المدون أحمد عبد السادة إنذاراً نهائياً بسبب تدوينة على منصة (X)".
وأوضح أن "هذه الإجراءات لم تقتصر على الأفراد، بل شملت المؤسسات الدولية؛ ففي 30 آذار/مارس، وُجهت إنذارات وإلزام بالحذف والتصحيح لكل من قناة العربية الحدث السعودية وقناة الجزيرة الإنجليزية القطرية، بذريعة نشر تقارير تخالف الموقف الرسمي".
ولفت إلى أن "هذه الأشهر الثلاثة شهدت إفراطاً غير مسبوق في استخدام مصطلحات فضفاضة مثل (حماية السلم المجتمعي) و(الضوابط المهنية) و(مكافحة المحتوى الهابط) لتبرير إجراءات قد تحدّ من حرية التعبير، الأمر الذي يمثل تقويضاً مباشراً للمادة (38) من الدستور العراقي، وتراجعاً عن التزامات العراق الدولية، وتحويلاً للدور التنظيمي لهيئة الإعلام والاتصالات إلى دور رقابي عقابي يشبه نموذج وزارة الإعلام في الأنظمة الشمولية".
وأكمل المرصد أن "هذا المسار يعكس توجهاً واضحاً نحو التضييق المنهجي على الفضاء المدني، بما يهدد بإحداث (التصحر المدني)، من خلال تقليص مساحة النقاش العام، وإخضاع الفضاء الرقمي لهيمنة السلطة، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على التعددية السياسية والاجتماعية في البلاد".
وأشار إلى أن "هيئة الإعلام والاتصالات تأسست بموجب الأمر التشريعي رقم (65) لسنة 2004 بهدف تشجيع الحوار المنفتح وتبادل المعلومات بحرية وتعزيز التعددية، إلا أن الممارسات الأخيرة أظهرت قلقاً واضحاً لدى المرصد العراقي لحقوق الإنسان، الذي يخشى من تحول الهيئة من جهة تنظيمية إلى أداة لتقييد النقاش السياسي والإعلامي".
وشرح أن "المادة (103) من الدستور العراقي نصت على استقلالية الهيئة، غير أن المؤشرات العملية تدل على تراجع هذه الاستقلالية وتأثر قراراتها بالتوازنات السياسية، الأمر الذي انعكس في ازدواجية تطبيق القواعد التنظيمية".
وأكد المرصد أن "الربع الأول من عام 2026 شهد صدور سلسلة من قرارات المنع من الظهور الإعلامي بحق محللين وإعلاميين، دون توفير ضمانات الإجراءات القانونية أو توضيح طبيعة المخالفات بشكل دقيق، وهو ما يمثل تدخلاً مباشراً في استقلالية المؤسسات الإعلامية وحقها في اختيار ضيوفها".
ورصد المرصد "توسع الهيئة في فرض عقوبات على خلفية نشاط الأفراد في حساباتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يُعتبر انتهاكاً مزدوجاً لحرية التعبير، إذ يعاقب الأفراد مهنياً بسبب آرائهم الشخصية".
وأبدى المرصد العراقي قلقه من "اتخاذ إجراءات تقييدية من قبل الهيئة بحق من يمارس العمل الإعلامي"، داعياً إلى "تنظيم الفضاء الإعلامي في العراق وفقاً لما كفله الدستوري العراقي في مادته (38)".
وبين أن "أخطر التحولات تمثلت في إعلان الهيئة إخضاع المحتوى الرقمي لقواعد البث الإعلامي، بما يشمل الناشطين وصناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، وإطلاق آلية رقابية تحت مسمى (سجل الالتزام المهني)، وهو ما يُعتبر أداة ضغط تدفع إلى الرقابة الذاتية وتقييد النقاش العام. هذا التوجه يتجاهل الطبيعة التقنية والقانونية المختلفة للإنترنت، ويخالف المعايير الدولية التي تميز بين البث التقليدي والفضاء الرقمي المفتوح".
وقال المرصد إن "هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً مباشراً للمادة (38) من الدستور العراقي التي تكفل حرية التعبير والصحافة، كما تتجاوز الصلاحيات التنظيمية المحددة لهيئة الإعلام والاتصالات، وتخالف الالتزامات الدولية للعراق، ولا سيما المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن حق تداول المعلومات دون قيود غير مبررة".
ولفت إلى أن "هذه الممارسات تعكس ردة ديمقراطية واضحة، واستغلالاً للأطر القانونية لتقييد حرية التعبير، وعسكرة متزايدة للفضاء الرقمي، وتراجعاً في استقلالية المؤسسات التنظيمية، فضلاً عن تنصل فعلي من الالتزامات الدولية المتعلقة بحرية الصحافة والعمل المدني".
ودعا المرصد إلى "إلغاء قرارات المنع والإنذارات، ووقف الملاحقات المرتبطة بحرية التعبير، وإطلاق حوار وطني شامل لتنظيم الفضاء الرقمي بما يحمي الحقوق الأساسية".
وأكد المرصد أن "حماية حرية التعبير تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على المسار الديمقراطي في العراق، وأن استمرار استخدام الأدوات التنظيمية لتقييد الفضاء العام سيؤدي إلى تقويض الثقة بالمؤسسات وإغلاق مساحات النقاش الحر، وهو ما يهدد مستقبل التعددية وحقوق الإنسان في البلاد".