كركوك تنهي 35 عاماً من القطيعة مع التراويح في الجامع الكبير (صور)

كركوك تنهي 35 عاماً من القطيعة مع التراويح في الجامع الكبير (صور)
2026-02-20T10:03:21+00:00

شفق نيوز- كركوك

بعد عقود عقود من الإغلاق الجزئي والتعثر في مشاريع التأهيل، عاد جامع "أولو" أو الجامع الكبير داخل أسوار قلعة كركوك التاريخية، ليشهد إقامة صلاة التراويح لأول مرة منذ أكثر من 35 عاماً، في خطوة أعادت الأمل إلى الأهالي بإنعاش هذا الصرح التاريخي.

حيث يقف الجامع شاهداً على قرون طويلة من التحولات الدينية والعمرانية التي شهدتها المدينة، ويُعدّ من أقدم الجوامع في كركوك، ومعلماً روحياً وتراثياً ارتبط بتاريخها منذ الفتح الإسلامي وحتى اليوم.

جذور تاريخية عميقة

يُعدّ جامع "أولو" من أقدم الجوامع في كركوك، وتشير الروايات التاريخية إلى أن موقعه كان قبل الفتح الإسلامي كنيسة أو معبداً يهودياً، ثم تحول إلى جامع بعد دخول المسلمين المدينة في زمن الصحابة، وفقاً لما يرويه إمام وخطيب الجامع الشيخ أحمد نور الدين لوكالة شفق نيوز.

وأضاف أن "الجامع خضع لعمليات إعمار وتوسعة متعددة عبر العصور، ومن أبرزها بناء المنارة المجاورة له في عهد السلاجقة سنة 634 للهجرة، وهو ما يعكس الأهمية الدينية والعمرانية للموقع آنذاك".

كما أشار إلى أن الجامع احتضن لاحقاً مؤسسة تعليمية مهمة هي "مدرسة الشاه غازي"، التي أسسها المتصرف غازي شاه سوار سنة 1067 هـ الموافق 1657 م داخل حرم الجامع، لتكون مركزاً للعلوم الشرعية.

القلعة والإخلاء في التسعينيات

شهدت قلعة كركوك، التي يقع الجامع في قلبها، تحولات كبيرة خلال العقود الأخيرة، خصوصاً بفترة التسعينيات من القرن الماضي، حين بدأت حملات حكومية لإخلاء السكان من القلعة ضمن برامج أعلنت أنها لأغراض صيانة المواقع الأثرية.

إلا أن هذه الإجراءات رافقها هدم واسع للمنازل التراثية، ما أدى إلى خلو القلعة من سكانها تدريجياً.

ووفقاً لما يقوله الشيخ نور الدين، فإن "إخلاء الأهالي أثّر بشكل مباشر على نشاط الجامع، إذ تراجع عدد المصلين، ثم أُغلق لفترات طويلة، خصوصاً بعد تضرر أجزاء منه وعدم وجود صيانة كافية".

فتح جزئي و إغلاقات متكررة

بعد عام 2003، أُعيد فتح الجامع بشكل محدود لإقامة صلاة الجمعة فقط، لكنه لم يستعد نشاطه الكامل بسبب استمرار المشكلات الإدارية والفنية، فضلاً عن حاجته إلى أعمال ترميم شاملة.

وأوضح إمام الجامع أن "المسجد أُغلق مرات عديدة لأسباب مختلفة، منها متطلبات الصيانة أو الإجراءات الرسمية، ما جعل نشاطه الديني متقطعاً".

وعلى الرغم من زيارة عدد من الشخصيات السياسية والمسؤولين للموقع خلال السنوات الماضية، ووعودهم بإعادة إعمار الجامع، إلا أن تلك المشاريع لم تُنفذ بالكامل، نتيجة إجراءات إدارية مرتبطة بدوائر الآثار والتراث، بحسب القائمين على الجامع.

مبادرة محلية تعيد الحياة

شهد الجامع تطوراً لافتاً بعد زيارة نائب محافظ كركوك ياوز حميد، حيث طرح عدد من المصلين عليه فكرة إعادة فتح الجامع أمام المصلين خلال شهر رمضان لإقامة صلاة التراويح.

ويقول الشيخ نور الدين إن "ياوز أبدى تعاوناً كبيراً، وبالتنسيق مع رواد الجامع تم اتخاذ خطوات لتسهيل افتتاحه، وهو ما تحقق بالفعل".

وقد لاقت إقامة صلاة التراويح في الجامع صدى واسعاً بين أهالي كركوك، إذ مثّلت عودة الشعائر فيه بعد انقطاع طويل تجاوز ثلاثة عقود حدثاً روحياً مهماً، أعاد ربط السكان بتاريخهم الديني في القلعة.

الحاجة إلى الترميم الشامل

وعلى الرغم من عودة النشاط الديني الجزئي، لا يزال الجامع بحاجة ماسة إلى أعمال تأهيل وترميم واسعة، تشمل البنية الإنشائية والمرافق الخدمية، للحفاظ عليه كمعلم أثري وديني في آن واحد.

ويقول مدير دائرة آثار وتراث كركوك رائد عطلة لوكالة شفق نيوز إن "جامع أولو يُعدّ من المواقع التراثية المهمة داخل قلعة كركوك، وهو مسجل ضمن الأبنية التاريخية التي تخضع لإشراف الدائرة، ما يفرض إجراءات خاصة في عمليات الصيانة والترميم للحفاظ على طابعه الأثري".

وأضاف أن "الدائرة تعمل على إعداد خطط لإعادة تأهيل عدد من المعالم داخل القلعة، ومنها الجامع، لكن التنفيذ يتطلب تخصيصات مالية وموافقات أصولية، نظراً لحساسية الموقع التاريخية".

ذاكرة أهالي كركوك

يمثل الجامع جزءاً من ذاكرة أهالي كركوك، حيث كان الكثير من العائلات يقيم الصلوات والمناسبات الدينية فيه قبل إخلاء القلعة.

ويقول محمد القلعلي، وهو أحد رواد الجامع، لوكالة شفق نيوز إن "عودة الصلاة فيه، خصوصاً التراويح، أعادت مشاعر الانتماء للمكان، لكن الجميع يأمل أن تتم إعادة إعمار الجامع بشكل كامل ليعود كما كان".

وأوضح أن "القلعة كانت نابضة بالحياة سابقاً، والجامع كان مركزاً اجتماعياً ودينياً، لذلك فإن إعادة تأهيله يمكن أن تسهم أيضاً في تنشيط السياحة وإحياء التراث في المدينة".

رمز ديني وتاريخي

يمثل جامع "أولو" اليوم رمزاً يجمع بين البعد الديني والتراثي، فهو ليس مجرد مكان للعبادة، بل شاهد على تعاقب الحضارات التي مرت على كركوك، من العصور القديمة مروراً بالحقبة الإسلامية والسلاجقة والعثمانيين، وصولاً إلى العصر الحديث.

ومع عودة الصلاة فيه تدريجياً، يأمل الأهالي أن تكون هذه الخطوة بداية لمشروع أكبر يعيد للجامع مكانته التاريخية، ويحوّل قلعة كركوك إلى مركز ثقافي وسياحي نابض بالحياة بعد سنوات طويلة من الإهمال.

ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على القيمة الأثرية للموقع وتلبية احتياجات المصلين، وهو ما يتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية والمجتمع المحلي، لضمان بقاء جامع "أولو" معلماً حياً في ذاكرة المدينة لأجيال قادمة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon