خريجو الزراعة في العراق يواجهون البطالة والأراضي الخصبة "فرص ضائعة"
شفق نيوز- بغداد/ نينوى
يشكو خريجو كليات الزراعة في العراق من تزايد معدلات البطالة وصعوبة الحصول على فرص عمل تتناسب مع تخصصاتهم، رغم امتلاك البلاد أراض خصبة وإمكانات زراعية كبيرة كان يمكن أن تستوعب أعداداً أكبر من الكفاءات الشابة.
وبينما تتخرج دفعات جديدة سنوياً من الجامعات، يجد الكثير منهم أنفسهم أمام سوق عمل محدود الفرص وضعيف الاستيعاب، ما يعكس فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاع الزراعي في البلاد.
وفي هذا السياق، يقول حسين علي، وهو خريج كلية الهندسة الزراعية من جامعة الموصل، إن محاولاته للالتحاق بدوائر الدولة أو القطاع الزراعي منذ تخرجه عام 2021 لم تثمر عن أي فرصة.
ويوضح علي لوكالة شفق نيوز، أنه "في كل مرة يُطلب منا الانتظار أو التقديم على وجبة تعيين جديدة لا نعرف متى تأتي".
بطالة مرتفعة
وتعكس معاناة حسين علي، واقعاً أوسع يواجه خريجي كليات الزراعة في العراق، حيث تصطدم أرقام البطالة المرتفعة بمحدودية فرص التوظيف في القطاع الزراعي وضعف استيعاب القطاع الخاص.
وبحسب أحدث بيانات وزارة التخطيط العراقية، فقد انخفض معدل البطالة في البلاد إلى نحو 13%، فيما تشير تقديرات أخرى إلى نسب أعلى بين فئة الشباب قد تصل إلى 20–25%.
ورغم هذا الانخفاض النسبي، يؤكد خبراء أن تدفق مئات الآلاف من الخريجين سنوياً يجعل سوق العمل تحت ضغط مستمر.
ولمواجهة ذلك، قال المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، في تصريح سابق، إن العراق "وضع خريطة لسوق العمل بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من أجل تحقيق التوافق بين مخرجات الجامعات واحتياجات السوق".
وأضاف الهنداوي أن "الحكومة تعتمد على القطاع الخاص كركيزة أساسية لخلق فرص العمل، إلا أن هذا القطاع ما يزال يعاني من ضعف التنظيم وانتشار التشغيل غير الرسمي".
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن القطاع الخاص في العراق يشغل نحو 40 إلى 50% من اليد العاملة، لكنه في الغالب يعتمد على عقود غير رسمية وأجور منخفضة وأمن وظيفي محدود، ما يحد من جاذبيته للخريجين.
في المقابل، تتجه الحكومة إلى إعادة النظر في سياسات التدريب المهني وربطها بسوق العمل.
وفي هذا الجانب، قالت وكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، هدى سجاد، الاثنين الماضي، إن "ملف البطالة بات واسعاً ومعقداً بما يتجاوز الحلول التقليدية"، مشيرة إلى العمل على تشريع قانون "المجلس الأعلى للتدريب" لتأهيل القوى العاملة غير الأكاديمية وتوجيهها نحو مهارات مطلوبة في السوق.
وأضافت سجاد أن نقل مراكز التدريب المهني إلى المحافظات أدى إلى ضعف التنسيق المركزي، ما يستدعي إعادة تنظيمها لضمان مواءمة البرامج التدريبية مع طبيعة الاقتصاد المحلي.
فجوة التعليم والسوق
ويرى أكاديميون أن جذور المشكلة تبدأ من التعليم نفسه، حيث يقول أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة تكريت، خطاب الضامن، إن "برامج الدراسة، سواء الصباحية أو المسائية، لا تتوافق مع متطلبات سوق العمل، سواء في القطاع العام أو الخاص".
ويشير الضامن، لوكالة شفق نيوز، إلى أن "الطلب على خريجي الزراعة محدود في الدوائر الحكومية والشركات، ما أدى إلى تراكم أعداد الخريجين".
ويضيف أن بعض كليات الزراعة تواجه انخفاضاً حاداً في الإقبال، ما يهدد استمرار بعض التخصصات، لافتاً إلى أن بعض الكليات أعيدت هيكلتها في السنوات الأخيرة إلى أقسام محدودة نتيجة تراجع أعداد الطلبة.
بطالة وعزوف
وتربط المهندسة الزراعية وعضو لجنة الزراعة السابقة زوزان كوجر، بين عزوف الطلبة عن كليات الزراعة وبين محدودية فرص التعيين.
وتقول كوجر لوكالة شفق نيوز، إن "جزءاً كبيراً من المشكلة هو غياب التعيينات في القطاع الزراعي، سواء في الحكومة أو في القطاع الخاص"، مضيفة أن "التخطيط بين التعليم وسوق العمل ما يزال ضعيفاً".
وتلفت إلى أن الاستثمارات الزراعية في البلاد لا تزال محدودة مقارنة بالقطاع النفطي، ما ينعكس على ضعف خلق الوظائف، داعية إلى توسيع الاستثمار في الزراعة الذكية والري الحديث واستخدام التقنيات الحديثة.
وتؤكد أن العراق يمتلك مقومات زراعية كبيرة تشمل الأراضي الخصبة وتنوع المناخ، لكنها ترى أن "غياب استراتيجية واضحة لدعم القطاع الزراعي أدى إلى تراجع الثقة به كمسار وظيفي".
سياسات التعيين
في موازاة ذلك، لجأت الحكومة خلال السنوات الأخيرة إلى فتح تعيينات محدودة داخل وزارة الزراعة، ففي 2022، أعلن وزير الزراعة عباس العلياوي استحداث أكثر من 2300 درجة وظيفية، مخصصة لخريجي الهندسة الزراعية والطب البيطري والشهادات العليا.
وفي مناسبات لاحقة، أكدت الوزارة استمرار العمل على شمول الخريجين الزراعيين بوجبات تعيين إضافية، بالتوازي مع لقاءات مع ممثلين عن الخريجين الذين يشكون من "قلة الفرص المتاحة".
كما تشير بيانات حكومية إلى أن التعيينات في القطاع العام أصبحت تعتمد على درجات محدودة مرتبطة بالموازنات، في وقت يتجاوز فيه عدد الخريجين الجدد مئات الآلاف سنوياً من مختلف التخصصات، ما يجعل المنافسة على الوظائف أكثر حدة.
الاستثمار البديل
وإلى جانب التعيين الحكومي، تتجه الدولة إلى فتح مسارات استثمارية في القطاع الزراعي، فقد أعلنت الهيئة الوطنية للاستثمار في آب/ أغسطس 2025 عن 97 فرصة استثمارية في مجالات الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية وأنظمة الري الحديثة والميكنة الزراعية، إلى جانب مشاريع معالجة الأغذية.
وقالت المتحدثة باسم الهيئة حنان جاسم إن القطاع الزراعي "في صدارة أولويات الاستثمار"، مشيرة إلى تبني مشاريع الزراعة الذكية والزراعة العمودية واستصلاح الأراضي، مع تبسيط إجراءات منح الإجازات الاستثمارية.
التوسعات التشريعية
وعلى مستوى التشريعات، أكد رئيس لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية فالح الخزعلي في شباط/ فبراير 2025 أن قانون إيجار الأراضي الزراعية الجديد يمنح خريجي الزراعة أراضٍ تصل إلى 50 دونماً، مع إمكانية تمليكها بعد 5 إلى 10 سنوات من تنفيذ المشروع.
وأضاف الخزعلي أن التشريع الجديد، رقم 24 لسنة 2024، يوسع نطاق الزراعة ليشمل البساتين والثروة الحيوانية بعد إلغاء قيود القانون السابق، مع توقعات بزيادة المساحات الزراعية إلى نحو 17–18 مليون دونم.
لكن الخزعلي أشار أيضاً إلى تحديات تتعلق بإدارة الموارد المائية والمنافذ الحدودية، التي يرى أنها تؤثر على دعم الإنتاج المحلي.