بعد غياب نصف قرن.. أسراب اللقلق تعود لسماء كركوك (صور)
شفق نيوز- كركوك
بعد غيابٍ امتد لأكثر من خمسة عقود، عادت أسراب طائر اللقلق لتحلّق مجدداً في سماء محافظة كركوك، في مشهدٍ أثار دهشة السكان المحليين.
طائر اللقلق هو من الطيور الكبيرة المهاجرة التي تنتمي إلى فصيلة اللقلقيات، ويُعد من أكثر الطيور تميزاً في شكله وسلوكه، كما يتميز بجسمه الطويل وأرجله الرفيعة، ومنقاره الحاد والطويل الذي يساعده في التقاط الغذاء وغالباً ما يكون لونه أبيض مع أجنحة سوداء، ما يمنحه مظهراً لافتاً أثناء الطيران.
ويعيش اللقلق في المناطق المفتوحة مثل السهول الزراعية والأراضي الرطبة وضفاف الأنهار، حيث تتوفر المياه والغذاء، في حين يتغذى بشكل أساسي على الحشرات، والضفادع، والأسماك الصغيرة، وأحياناً الزواحف.
ويُعرف هذا الطائر بهجرته الموسمية الطويلة، إذ ينتقل بين قارات مختلفة بحثاً عن المناخ المناسب والغذاء، وغالباً ما يمر عبر مناطق الشرق الأوسط خلال رحلته بين أوروبا وأفريقيا، كما يتميز بقدرته على التحليق لمسافات طويلة مستخدماً التيارات الهوائية دون جهد كبير.
ومن سلوكياته اللافتة أنه يبني أعشاشه في أماكن مرتفعة مثل الأشجار العالية أو أعمدة الكهرباء، ويعود إلى نفس العش عاماً بعد عام، بينما يُعرف بصوته المميز الناتج عن طرق منقاره، إذ لا يصدر أصواتاً غنائية مثل باقي الطيور.
ويُعد ظهور اللقلق في أي منطقة مؤشراً بيئياً مهماً، إذ يدل غالباً على توفر بيئة مناسبة من حيث الغذاء والمياه، لذلك يُنظر إلى عودته في بعض المناطق كإشارة إيجابية على تحسن الظروف البيئية.
وفي مناطق جنوب كركوك، وتحديداً ناحية ليلان، رُصدت عشرات الطيور وهي تحلق على ارتفاعات منخفضة قبل أن تحط في الأراضي الزراعية، في ظاهرة لم يشهدها السكان منذ عقود طويلة.
وفي هذا الصدد، يقول المواطن علي عباس، أحد سكان ناحية ليلان، لوكالة شفق نيوز، إن "ظهور طائر اللقلق بهذا العدد كان مفاجئاً لنا، لم نعتد رؤيته منذ زمن بعيد، واليوم نشاهده يحلق في مجموعات كبيرة وكأنه عاد ليستقر من جديد".
ويضيف أن "الأهالي في المنطقة تفاعلوا مع هذا المشهد بشكل لافت، حيث خرج الكثيرون لمتابعة الطيور والتقاط الصور، فيما اعتبرها البعض علامة على تحسن الظروف البيئية في المنطقة".
من جانبه، يؤكد مدير ناحية ليلان محمد ويس، لوكالة شفق نيوز، أن "عودة هذه الطيور تمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن بعض العوامل البيئية، ولا سيما في ما يتعلق بتوفر المياه والمساحات المفتوحة التي تعد بيئة مناسبة لتكاثرها واستقرارها".
ويوضح ويس، أن "الجهات المحلية تتابع هذه الظاهرة باهتمام، خصوصاً أنها قد تعكس تغيرات في مسارات الهجرة أو تحسن النظام البيئي بعد سنوات من التراجع"، مشيراً إلى أن "ليلان والمناطق المحيطة بها باتت تشهد استقراراً نسبياً شجع عودة بعض الكائنات البرية والطيور المهاجرة".
وفي ناحية توز خورماتو، لم يكن المشهد مختلفاً، حيث أكد المواطن يوسف علي أكبر، لشفق نيوز، أن "الأهالي فوجئوا بظهور أسراب كبيرة من طيور اللقلق تحلق فوق المنازل والحقول، وهو أمر لم نشهده منذ سنوات طويلة".
ويضيف أن "وجود هذه الطيور أعاد للأذهان صوراً قديمة من طبيعة المنطقة، حيث كانت هذه الكائنات جزءاً من المشهد البيئي قبل أن تختفي تدريجياً نتيجة الظروف الأمنية والتغيرات المناخية".
من الناحية العلمية، يرى المختص في الشؤون البيئية أحمد عامر، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "عودة طائر اللقلق إلى كركوك بعد هذا الغياب الطويل قد ترتبط بعوامل عدة، من بينها تحسن نسبي في البيئة المحلية، وتوفر مصادر الغذاء، فضلاً عن التغيرات في مسارات الهجرة العالمية نتيجة التغير المناخي".
ويبين أن "طائر اللقلق يُعد من الطيور المهاجرة الحساسة للتغيرات البيئية، وعودته بهذا الشكل قد تعكس وجود بيئة أكثر أماناً واستقراراً مقارنة بالسنوات السابقة"، مضيفاً أن "هذه الطيور تفضل المناطق التي تتوفر فيها المياه الضحلة والحشرات، وهو ما قد يكون متحققاً حالياً في بعض مناطق كركوك".
ويشير المختص البيئي إلى أن "العراق كان يُعد في فترات سابقة محطة مهمة للطيور المهاجرة، إلا أن الحروب والتصحر وتراجع المسطحات المائية أدت إلى اختفاء العديد من الأنواع"، مؤكداً أن "عودة اللقلق قد تكون بداية لعودة تدريجية لأنواع أخرى في حال استمرار التحسن البيئي".
ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة تحمل أبعاداً تتجاوز المشهد الجمالي، إذ تعكس تغيرات محتملة في التوازن البيئي، ما يستدعي من الجهات المختصة العمل على حماية هذه الطيور وتوفير بيئة آمنة لها، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه التنوع الأحيائي في العراق.
وبين مشاعر الدهشة والفرح التي عبّر عنها السكان، تبقى عودة طائر اللقلق إلى كركوك حدثاً لافتاً، قد يشكل نقطة تحول في فهم الواقع البيئي للمحافظة، ورسالة طبيعية تحمل في طياتها أملاً بعودة الحياة إلى بيئة أنهكتها سنوات طويلة من التغييرات والاضطرابات.