من "بطل" إلى "منبوذ".. وفاة ديفيد كاي نجم "دوامة" الدمار الشامل العراقية

من "بطل" إلى "منبوذ".. وفاة ديفيد كاي نجم "دوامة" الدمار الشامل العراقية
2022-08-23T12:55:33+00:00

شفق نيوز/ اعلن موقع "ستارز آند ستريبز" الأمريكي، يوم الثلاثاء، وفاة خبير الاسلحة الأمريكي ديفيد كاي، الذي قاد مهمات تفتيش مباغتة خلال عهد صدام حسين وأثار ضجة عالمية خلال جهوده في تسعينيات القرن الماضي، ثم فجر قنبلة التشكيك بوجود اسلحة دمار شامل فيما بعد الغزو عام 2003، فتحول من "بطل" الى "منبوذ".

وأشار التقرير الأمريكي الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن كاي توفي في ولاية ديلاوير عن عمر 82 عماً بسبب مرض السرطان، بحسب ما أكدت زوجته انيتا كاي.

أسلحة الدمار الشامل العراقية

قاد كاي عملية تديرها وكالة المخابرات المركزية في العام 2003 والتي خلصت إلى أن صدام حسين لم يصنع أسلحة دمار شامل، وهي خلاصة قوضت بشدة التبرير الرئيسي للغزو الذي قادته الولايات المتحدة في وقت سابق من ذلك العام. وكان في وقت سابق عمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتحديدا في العام 1991، وأصبح اسمه مشهوراً على مستوى العالم أثناء خدمته في العراق عندما تولى رئاسة فرق التفتيش عن الأسلحة النووية التابعة للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك فيما بعد تحرير الكويت من قوات صدام حسين.

المهمة السرية

وبعدما أشار التقرير إلى ان مهمة جميع الفرق الدولية كانت البحث وتدمير اي اسلحة او مواد نووية أو بيولوجية أو كيمياوية محظورة، بين أنه خلال أيلول/ سبتمبر عام 1991، أطلق فريق كاي عملية تفتيش مفاجئة مستندا على صلاحيات ممنوحة بموجب قرار للأمم المتحدة، لمنشأة عسكرية في بغداد بحثا عن وثائق تتعلق بجهود صدام السرية من أجل تطوير أسلحة نووية.

وأوضح التقرير انه بالنظر الى ان كاي كان يقيم في فندق مجاور للمنشأة المشبوهة، فانه كان يقوم بمراقبة المبنى من خلال طريق المرور بجانبه أثناء قيامه بممارسة رياضة الهرولة الصباحية ليكتشف طبيعة الإجراءات الامنية المشددة، ثم نفذ المداهمة بعدها فتعرض أعضاء فريقه المكون من 44 شخصا الى الاحتجاز بعدما حاولوا نقل مستندات واشرطة فيديو اعتبروها مهمة، ما خلق مواجهة استمرت أربعة أيام تابعتها وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم.

وخلال هذه المواجهة، كان كاي يستخدم هاتفا يعمل بالاقمار الصناعية ، ويتحدث مع وكالات الأنباء العالمية وخاصة قناة "سي ان ان" الامريكية، بينما كان محاطا بالحراس العراقيين.

ولفت التقرير الى ان كاي وفريقه كانوا ينامون في سياراتهم وحافلاتهم، مضيفا أنه مع تصاعد الضغط من مجلس الأمن الدولي والعالم، سمح العراقيون لأعضاء فريق التفتيش بالمغادرة حاملين معهم المستندات والاشرطة.

مقبرة كيمياوية بحجم ولاية

وفي مقابلات مع البرنامج الوثائقي "فرونتلاين" على شبكة "BPS" الأمريكية، قال كاي لاحقا ان "البرنامج الكيمياوي العراقي كان هائلاً" متناولا النتائج التي توصلت إليها فرق الامم المتحدة بعد حرب العام 1991، مشيرا إلى أن "المساحة الرئيسية لتخزين مخلفات تدمير الاسلحة الكيمياوية، كانت اكبر من ولاية كولومبيا".

وتابع كاي في تصريحاته تلك، انه بالنسبة الى الملف النووي، فانه "قبل الحرب (1991) كان هناك مرفقان مكتشفان سابقا، لكن بدلا من ذلك اكتشفنا 25 موقعا رئيسيا لم نكن نعلم بها"، مرجحا ان العراقيين في تلك المرحلة، كانوا على بعد ما بين 6 الى 18 شهرا من حيازتهم اول جهاز نووي عامل"، لكنه اقر بانه لم يكن مكتملا ولم يكن جاهزا ليتم تحميله على صاروخ قادر على إطلاقه، غير ان ذلك سيكون قابلا للتطور لاحقا.

الأسلحة البيولوجية

اما بالنسبة الى الملف البيولوجي، فقد أشار كاي في البرنامج الوثائقي إلى انه عندما تم الكشف عن البرنامج البيولوجي بالكامل خلال منتصف التسعينيات، "اكتشفنا ان اي موقع لديه برنامج بيولوجي ناشط، لم يتم قصفه في الحملة الجوية لحرب الخليج الاولى"، معتبرا ان العراقيين قاموا بنقلها كلها الى مواقع غير معروفة، واخفوها بنجاح.

ولفت الى ان العراقيين كانت لديهم برامج ضخمة لانتاج الجمرة الخبيثة وتوكسين البوتولينوم والريسين، وان "برنامجهم البيولوجي كان مكتملا بدرجة كبيرة".

وذكر التقرير ان فرق الامم المتحدة دمرت اسلحة وبرامج العراق في التسعينيات، الا انه بعدما طرد صدام حسين المفتشين في العام 1998، شعرت وكالة الاستخبارات الامريكية بالقلق من أنه كان يقوم باعادة بناء اسلحة الدمار الشامل بشكل سري.

ولهذا، فإنه بعد وقوع هجمات تنظيم القاعدة في 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001، قام البيت الأبيض خلال عهد الرئيس جورج بوش بتصوير هذه الشكوك على أنها دليل مؤكد على أن هناك تهديدا مباشرا للولايات المتحدة والدول الحليفة.

رحلة البحث عن الأسلحة

ثم حان دور ديفيد كاي مجددا، فعندما أطاح الغزو في اذار/ مارس عام 2003 بنظام صدام حسين، انتشرت فرق من البنتاغون في أنحاء العراق إلا أنها فشلت في العثور على أي دليل على وجود اسلحة دمار شامل ولهذا فإنه في صيف ذلك العام قام بوش بوش بتكليف وكالة الاستخبارات بتولي مهمة البحث، ثم اختار مدير وكالة الاستخبارات آنذاك جورج تينيت، ديفيد كاي من أجل تولي قيادة "مجموعة مسح العراق" التي تم تشكيلها حديثا من أجل القيام بالمهمة.

الا ان التقرير اوضح انه كاي برغم ذهابه الى العراق وهو مقتنع بانه سيتم العثور على مواقع يشتبه في انها تحتوي على اسلحة دمار شامل، إلا أنه سرعان ما توصل الى عدم وجودها، وان وكالة الاستخبارات وغيرها من اجهزة الاستخبارات، اساءت تقدير الادلة المتوفرة.

وتابع انه بعد شعوره بالاحباط لان وكالة الاستخبارات كانت ترفض الإقرار باستنتاجاته، استقال كاي من "مجموعة مسح العراق" في كانون الثاني/ يناير عام 2004، ثم بعدها بأيام ادلى بشهادة متفجرة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث قال "كنا جميعا مخطئين، وانا اشمل نفسي هنا بالتأكيد.. لقد اتضح اننا كنا جميعا على خطأ.. وهذا أمر مزعج للغاية".

وبعد هذه الشهادة أمام مجلس الشيوخ، استدعاه بوش الى البيت الابيض، وهناك قال كاي للرئيس الامريكي، انه برغم عدم امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، إلا أنه باعتقاده فإن الغزو كان الشيء الصحيح الذي يجب القيام به بسبب معاناة الشعب العراقي في عهد صدام.

وذكر التقرير ان بوش شكر كاي على ادائه عمله، الا ان الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، استمروا بعدها في التقليل من اهمية الخلاصات التي توصل اليها كاي، معتبرين ان صدام حسين ربما يكون قد قام بتهريب بعض الاسلحة غير المشروعة الى خارج العراق، وأنه ربما كان على الاقل، يخطط لإنشاء برنامج لصناعة أسلحة الدمار الشامل.

"البطل المنبوذ"

وفي تصريحاته اللاحقة، قال كاي انه وجد نفسه منبوذا بشكل فعلي بسبب قوله علنا ان وكالة الاستخبارات كانت على خطأ فيما يتعلق بالعراق، مضيفا انه تلقى معاملة "باردة وهزلية" بعدما عاد الى مقر عمله في وكالة الاستخبارات.

وقال كاي "لقد ضحكت في ذلك الوقت لان ما يجري كان بمثابة رواية جاسوسية هزيلة. لقد منحوني مكتبا لا يحتوي على هاتف يعمل، وكان محاطا بصناديق، مع سكرتيرة عادة لم تكن متواجدة".

وتابع كاي انه "كان يجب ان تكون غبيا حتى لا تلتقط هذه الإشارات. لقد فهمت المغزى.. فلم يكن لديك هاتف آمن في المكتب ولا يمكنك التحدث الى اي شخص، ولا جهاز كمبيوتر، لتتمكن من ارسال بريد الكتروني".

واضاف التقرير انه بالرغم من ذلك، فإن بوش وجد نفسه مضطرا للرد على قنبلة ديفيد كاي، حيث امر بتشكيل لجنة رئاسية من الحزبين بقيادة القاضي لورانس سيلبرمان والسيناتور السابق تشارلز رووب والتي خلصت في آذار/ مارس 2005، إلى وجود "إخفاق استخباراتي كبير" فيما قبل الحرب، وان الفشل لم يكن فقط يتعلق بأخطاء اجهزة الاستخبارات، وانما ايضا بأوجه القصور الخطيرة في طريقة القيام بهذه التقديرات وايصالها الى صناع السياسات.

"الكرة المنحنية" الرواية المزيفة

وبعدما أشار التقرير إلى تحقيق آخر جرى في بريطانيا كان من بين خلاصته أيضا أن المعلومات الاستخباراتية المستخدمة في تبرير الغزو كانت تعتمد بشكل مبالغ فيه على مصادر عراقية معارضة غير موثوقة، لفت التقرير إلى أنه من بين هذه المصادر التي قدمت معلومات كاذبة شخص عراقي مقيم في ألمانيا كان يطلق عليه لقب "الكرة المنحنية (كيرف بول)"، وان وكالة الاستخبارات الأمريكية لم تقابله الا بعد مرور عام على وقوع الغزو.

وتابع التقرير ان الرواية المزيفة لهذا المصدر حول الاسلحة البيولوجية في العراق، تحولت الى مرتكز أساسي لخطاب وزير الخارجية كولن باول الشهير امام مجلس الامن في شباط/ فبراير العام 2003، والذي مهد الطريق أمام اندلاع الحرب.

واستعاد التقرير ما نشر في كتاب "كيرف بول: جواسيس واكاذيب والرجل المخادع الذي تسبب في الحرب"  الصادر العام 2007 للصحفي بوب دروغين الذي قال ان ديفيد كاي امضى شهورا وهو يحاول العثور على دليل على وجود "كيرف بول"، وكان مصدوما عندما تأكد أن هذا المصدر، كان مجرد عملية تزوير.

وكتب دروغين لصحيفة "واشنطن بوست" الامريكية قائلا انه لطالما كان ينظر الى ديفيد كاي على أنه "شخصية بطولية ولكنها مأساوية.. ولقد اعترف بشكل علني ​​بأن جميع الخبراء، بمن فيهم هو نفسه، قد اخطأوا حول اسلحة الدمار الشامل العراقية. ولم تتمكن وكالة الاستخبارات والبيت الابيض، ان يغفرا له على ذلك. أصبح منبوذا لقوله الحقيقة في وجه السلطة".

وختم التقرير بالقول إن ديفيد كاي تقاعد في منطقة أوشين فيو في ولاية ديلاوير، وانخرط في هواية التصوير الفوتوغرافي، وان زوجته انيتا قالت انه كان يستمتع بشكل خاص بتصوير راكبي الامواج وشروق الشمس على الشاطئ، وكان يزور المناطق من أجل ممارسة التصوير.

وقالت زوجته انه "كان يتمتع بروح النكتة الشريرة وكان مرتاحا للضحك أثناء احتسائه المشروب والدردشة حول التصوير الفوتوغرافي، كما أنه كان يتشاور مع قادة العالم حول الديمقراطية".

ترجمة: وكالة شفق نيوز

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon