اعتقالات صادمة وملاحقة خارجية.. كيف تخطط بغداد لتفكيك منظومة الفساد؟
شفق نيوز- بغداد
في مشهد سياسي وأمني نادر، تشهد بغداد منذ صباح يوم الأحد حملة اعتقالات واسعة طالت مسؤولين سياسيين ونواباً ورجال أعمال، ضمن ما تصفها السلطات بأنها واحدة من أكبر عمليات مكافحة الفساد منذ سنوات، تستهدف شبكات متهمة بهدر المال العام وتهريب مليارات الدولارات، وسط مؤشرات إلى أن التحقيقات قد تمتد لتشمل شخصيات من مستويات عليا في الدولة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تضع فيه الحكومة العراقية ملف مكافحة الفساد على رأس أولوياتها، بينما لا يزال العراق يحتل مرتبة متأخرة في مؤشرات الشفافية الدولية، إذ جاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الإصلاح.
وأعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، يوم الأحد، عن مباشرة إجراءاتها الحازمة بصدد تنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام، مؤكدة، في بيان ورد لوكالة شفق نيوز، أن هذا الإنجاز جاء ثمرةً لتضافر الجهود المشتركة والتكاملية بين السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية مع جهود الهيئة، والتي أفضت بشكل مباشر إلى تنفيذ تلك الأوامر بعدها حصيلةً لعمليات متابعة وتدقيق ومراقبة دؤوبة ومستمرة من قبل الجهات المذكورة.
وشملت قائمة المعتقلين أسماء مسؤولين كبار، وهم كل من: رئيس تحالف عزم عضو مجلس النواب مثنى السامرائي، عضو مجلس النواب زياد الجنابي، عضو مجلس النواب بهاء النوري، عضو مجلس النواب محمد الكربولي، عضو مجلس النواب عالية نصيف، عضو مجلس النواب محمد جميل المياحي، عضو مجلس النواب حسن الخفاجي، عضو مجلس النواب عبد الرحمن اللويزي، وفقاً للوكالة الحكومية الرسمية.
وشملت أيضا: عضو مجلس النواب مضر الكروي، عضو مجلس النواب هند العباسي، عضو مجلس النواب محمد فرمان الجبوري، عضو مجلس النواب بشرى القيسي، عضو مجلس النواب السابق محمد الصيهود، وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج وإبراهيم الصميدعي.
اعتقالات وتحقيقات متشعبة
وبحسب مصادر أمنية وقضائية تحدثت لوكالة شفق نيوز، فإن الحملة التي انطلقت فجر الأحد شملت تنفيذ مذكرات قبض داخل المنطقة الخضراء في بغداد ومناطق أخرى، إضافة إلى عدد من المحافظات، وأسفرت عن اعتقال مسؤولين وموظفين كبار ورجال أعمال على خلفية ملفات تتعلق بالفساد المالي والإداري.
وأوضحت المصادر أن التحقيقات استندت، في جانب منها، إلى إفادات مسؤولين موقوفين، من بينهم وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية السابق عدنان الجميلي، الذي يُعتقد أن اعترافاته قادت إلى فتح ملفات جديدة وإصدار أوامر قبض بحق شخصيات أخرى مرتبطة بعقود وصفقات حكومية.
وأضافت أن بعض المطلوبين تمكنوا من مغادرة مواقعهم قبل تنفيذ المداهمات، ما دفع القوات الأمنية إلى تشديد الإجراءات وإغلاق مداخل المنطقة الخضراء، فيما تستمر التحقيقات وسط تكتم رسمي بشأن العدد النهائي للموقوفين وطبيعة الملفات التي يجري التحقيق فيها.
خطوة على طريق طويل
ويرى رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة، محمد الربيعي، أن ما يجري يمثل "بداية مهمة" في مسار مكافحة الفساد.
وقال الربيعي، لوكالة شفق نيوز، إن "الحكومة الحالية بدأت بمحاسبة أشخاص يُشتبه بتورطهم في هدر المال العام، وهذه الخطوة قد تسهم في استعادة أموال كبيرة وتخفيف الضغوط المالية التي تواجهها الدولة".
وأضاف أن الحملة "تعزز ثقة الشارع بإمكانية تحريك ملفات كانت مجمدة لسنوات"، مشيراً إلى أن العراق يمتلك اتفاقيات تعاون قضائي مع عدد من الدول، ما قد يفتح الباب أمام ملاحقة المطلوبين خارج البلاد واسترداد الأموال المهربة.
ولفت إلى أن التعاون الدولي قد يتوسع إذا ثبت ارتباط الأموال المهربة بأنشطة عابرة للحدود، بما يسمح بتفعيل آليات دولية لاستعادتها.
"كرة ثلج" تتوسع
من جانبه، وصف الأكاديمي والباحث السياسي خالد العرداوي، الحملة بأنها "تطور طال انتظاره"، معتبراً أن الفساد أصبح من أبرز العوامل التي أضعفت مؤسسات الدولة منذ عام 2003.
وقال العرداوي لوكالة شفق نيوز، إن "التحقيقات الحالية تبدو وكأنها كرة ثلج، إذ تقود الاعترافات إلى ملفات جديدة، وهو ما قد يوسع دائرة المتهمين بصورة متسارعة".
وأضاف أن نجاح هذه الحملة "يعتمد على استقلالية القضاء وجرأة مؤسسات إنفاذ القانون في الوصول إلى جميع المتورطين دون استثناء"، متوقعاً أن تشمل التحقيقات مسؤولين حاليين وسابقين في حال توافرت الأدلة القانونية بحقهم.
وأشار إلى أن "الفساد لم يعد ظاهرة فردية، بل تحول إلى شبكة متشابكة تمتد عبر مؤسسات وقطاعات مختلفة، وهو ما يفسر حجم التحديات التي تواجه أي حملة إصلاح".
اختبار للإرادة السياسية
بدوره، ربط أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي بين الحملة الحالية ومستوى الدعم الذي تحظى به من المؤسسات القضائية والرقابية.
وقال الفيلي لوكالة شفق نيوز، إن "فتح ملفات بهذا الحجم لم يكن ممكناً من دون وجود إرادة واضحة لدى القضاء وهيئة النزاهة"، مبيناً أن الفساد في العراق "تغلغل خلال السنوات الماضية داخل بنية مؤسسات الدولة، واستفاد في كثير من الأحيان من مظلات سياسية وإدارية".
وأضاف أن مراجعة العقود الحكومية، ولا سيما ذات القيم المالية الكبيرة، قد تقود إلى الكشف عن ملفات أكثر تعقيداً، مؤكداً أن "بناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين يتطلبان تفكيك شبكات الفساد واسترداد الأموال العامة".
وحذر الفيلي من أن "استمرار الفساد يهدد استقرار الدولة، تماماً كما يشكل السلاح المنفلت تهديداً للأمن"، مشيراً إلى أن بعض شبكات الفساد "تتجاوز الانتماءات السياسية والطائفية، وتقوم على المصالح المالية المشتركة".
تحدٍ مستمر
وتأتي هذه الحملة في وقت تشير فيه تقديرات وتقارير مختلفة إلى أن العراق خسر مئات المليارات من الدولارات خلال العقدين الماضيين نتيجة الفساد وسوء الإدارة، فيما تقدر بعض المصادر غير الرسمية حجم الأموال المهدورة بما يتراوح بين 150 و300 مليار دولار.
وبينما ينظر مراقبون إلى الحملة باعتبارها اختباراً حقيقياً لجدية الدولة في محاربة الفساد، يبقى نجاحها مرهوناً بقدرة المؤسسات القضائية والرقابية على استكمال التحقيقات، والوصول إلى جميع المتورطين، واسترداد الأموال المنهوبة، بعيداً عن الضغوط السياسية والانتقائية في تطبيق القانون.