11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

وفيات بالآلاف سنوياً.. شفق نيوز تسلط الضوء على "حصاد الشوارع العراقية"

وفيات بالآلاف سنوياً.. شفق نيوز تسلط الضوء على "حصاد الشوارع العراقية"
2026-06-09T20:49:03+00:00

شفق نيوز- بغداد

أعادت حوادث السير الدامية التي شهدتها الطرق العراقية خلال الأيام الأخيرة ملف السلامة المرورية إلى واجهة الاهتمام العام، بعدما تحولت الطرق الخارجية إلى مسرح متكرر للمآسي البشرية.

وكان آخر تلك الحوادث "فاجعة" الحافلة التي احترقت بالكامل على الطريق الدولي الرابط بين البصرة وذي قار، مخلفة 21 قتيلاً و19 مصاباً، أثناء عودة زوار دينيين من كربلاء.

ووقعت الحادثة قبل أقل من 24 ساعة على مصرع الإعلامي هلكوت عزيز في حادث سير على الطريق ذاته، لتتجدد التساؤلات حول أسباب استمرار نزيف الأرواح على الطرق العراقية، رغم إعلان الجهات الحكومية عن توسع استخدام الرادارات والكاميرات الذكية وانخفاض نسب الحوادث في بعض المحاور الرئيسة.

أرقام مقلقة ومؤشرات متناقضة

وتشير البيانات الرسمية إلى أن العراق يسجل سنوياً نحو 2700 حالة وفاة وأكثر من 11 ألف إصابة نتيجة حوادث السير، في وقت تجاوز فيه عدد المركبات المسجلة سبع ملايين مركبة، وسط نمو متواصل يفوق قدرة البنية التحتية الحالية على الاستيعاب.

وخلال مؤتمر صحفي عقدته وزارة الداخلية، أكد مدير دائرة العلاقات والإعلام اللواء مقداد ميري أن اعتماد الرادارات وكاميرات المراقبة الحديثة أسهم في خفض الحوادث المرورية على بعض الطرق الرئيسة بنسبة تصل إلى 50%، ولا سيما على محاور بغداد – كربلاء، وبابل – كربلاء، والنجف – كربلاء.

كما كشفت مديرية المرور العامة عن تسجيل أكثر من 45 ألف مخالفة مرورية عبر منظومة الرصد الإلكتروني، جرى تثبيت أكثر من 41 ألفاً منها بعد التدقيق، ما يعكس حجم المخالفات اليومية المرتكبة على الطرق العراقية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن تكرار الحوادث الجماعية ذات الخسائر البشرية الكبيرة يكشف أن المشكلة تتجاوز الجانب الرقابي، لتشمل منظومة متكاملة من العوامل البشرية والهندسية والإدارية.

العامل البشري

ويرى وزير النقل العراقي الأسبق سلام المالكي أن السائق ما يزال يمثل العامل الأكثر تأثيراً في الحوادث المرورية.

ويقول المالكي لوكالة شفق نيوز، إن السائقين يتسببون بما يزيد على ثلاثة أرباع الحوادث المرورية، نتيجة السرعة المفرطة التي تتصدر أسباب الحوادث المميتة، خاصة على الطرق السريعة والخارجية.

ويضيف أن عدم الالتزام بقواعد المرور، والتجاوزات الخاطئة، وعدم احترام أسبقية المرور، فضلاً عن استخدام الهواتف المحمولة أثناء القيادة، كلها عوامل ترفع احتمالات وقوع الحوادث بصورة كبيرة.

كما يشير إلى أن الإرهاق يمثل سبباً آخر لا يقل خطورة، لا سيما بين سائقي الحافلات وسيارات الأجرة العاملة على خطوط السفر الطويلة، خصوصاً خلال مواسم الزيارات الدينية التي تشهد حركة نقل كثيفة بين المحافظات.

وتعزز هذه المعطيات ما أعلنته وزارة الداخلية عن تسجيل 157 حالة قيادة تحت تأثير الكحول خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب استمرار حملات مراقبة استخدام الهواتف المحمولة أثناء القيادة.

طرق تفتقر لمعايير الأمان

ورغم أهمية العامل البشري، يؤكد المالكي أن الأزمة لا يمكن اختزالها بسلوك السائقين وحده، بل ترتبط أيضاً بواقع الطرق والبنية التحتية.

ويشرح أن العديد من الطرق تعاني من المطبات والتخسفات والتموجات الناتجة عن غياب الصيانة الدورية، الأمر الذي يفقد السائق السيطرة على مركبته في كثير من الأحيان، فضلاً عن افتقار عدد كبير من الطرق إلى الإنارة الليلية والخطوط الأرضية والشاخصات المرورية الضرورية.

كما يتحدث عن وجود تحويلات وقطوعات مرورية غير مدروسة هندسياً على بعض الطرق السريعة، ما يجعلها مصدراً دائماً للمفاجآت والحوادث.

ويشير مختصون إلى أن اتساع شبكة النقل في العراق خلال السنوات الأخيرة لم يترافق مع برامج تطوير وصيانة مماثلة، الأمر الذي خلق فجوة بين حجم الاستخدام الفعلي للطرق ومستوى جاهزيتها الفنية والأمنية.

التكنولوجيا المرورية

في المقابل، تتمسك الجهات المعنية بفاعلية الإجراءات الحديثة التي تم تطبيقها خلال الفترة الماضية.

ويقول مدير شعبة الإعلام في مديرية المرور العامة، العقيد حيدر شاكر، إن معدلات الحوادث شهدت انخفاضاً ملحوظاً نتيجة استخدام التكنولوجيا الحديثة والكاميرات والرادارات ومحددات السرعة.

ويوضح شاكر لوكالة شفق نيوز أن ارتفاع أو انخفاض الحوادث يبقى مرتبطاً بدرجة التزام المواطنين بالتعليمات والقوانين المرورية، مؤكداً أن المديرية تعمل على توسيع استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة بهدف تقليل الحوادث إلى أدنى مستوى ممكن.

إلا أن المالكي يرى أن هذه المنظومات ما تزال تتركز في العاصمة وبعض مراكز المحافظات، بينما تفتقر أغلب الطرق الخارجية إلى رقابة إلكترونية مستمرة، وهو ما يقلل من فاعلية الردع على المحاور التي تسجل أعلى معدلات الحوادث القاتلة.

ثغرات تنظيمية ورقابية

وإلى جانب مشكلات الطرق والسلوك المروري، يلفت المالكي إلى وجود عوامل أخرى تسهم في تفاقم الأزمة، من بينها التساهل في منح إجازات القيادة، واستيراد مركبات لا تستوفي شروط السلامة الأساسية، فضلاً عن ضعف الرقابة على مواصفات الأمان.

وتشير هذه المعطيات إلى أن ملف السلامة المرورية لا يرتبط فقط بفرض المخالفات أو نصب الرادارات، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لمنظومة النقل والمرور، تشمل التدريب والتأهيل والفحص الفني للمركبات وتطوير التشريعات وآليات التنفيذ.

تشخيص جذور الخلل

من جانبه، يؤكد عضو لجنة النقل والاتصالات والحوكمة النيابية علي شيخ خالص البرزنجي أن حجم الخسائر البشرية الناتجة عن الحوادث الأخيرة يفرض إجراء مراجعة شاملة للملف المروري في البلاد.

ويقول البرزنجي لوكالة شفق نيوز إن تشخيص المشكلة يمثل الخطوة الأولى نحو العلاج، مشيراً إلى أن اللجنة تتابع أسباب الحوادث من مختلف الجوانب، سواء ما يتعلق بالهندسة المرورية أو السرعات العالية أو تنظيم حركة السير أو كفاءة الإشارات المرورية.

ويضيف أن الوصول إلى تشخيص دقيق للخلل سيمكن السلطة التشريعية من ممارسة دورها الرقابي وتوجيه الحكومة نحو معالجة مواطن الضعف الحقيقية التي تقف خلف تكرار الحوادث.

وتكشف الحوادث الأخيرة أن أزمة المرور في العراق لم تعد مجرد مخالفات فردية أو أخطاء عابرة، بل باتت تمثل تحدياً وطنياً يرتبط بسلامة المواطنين وكفاءة البنية التحتية وفاعلية المؤسسات المعنية.

وبينما أثبتت التكنولوجيا الحديثة قدرتها على خفض الحوادث في بعض الطرق، فإن استمرار وقوع الحوادث المرورية يؤكد أن المعالجة الحقيقية تتطلب رؤية شاملة تجمع بين تطوير الطرق، وتشديد الرقابة، ورفع كفاءة السائقين، وتعزيز ثقافة الالتزام المروري.

فكل حادث جديد لا يضيف رقماً إلى الإحصاءات فحسب، بل يسلط الضوء على حاجة ملحة لإصلاح منظومة السلامة المرورية قبل أن يتحول نزيف الطرق إلى واقع اعتيادي يصعب احتواؤه.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon