منصة تشعل جدلاً.. عراقيون متخوفون من استنزاف أموالهم بالرسوم العقارية الجديدة
شفق نيوز- بغداد/ كركوك
مع بدء تطبيق "منصة عقاري" اعتباراً من اليوم الأربعاء، تصاعدت موجة من الاعتراضات في الأوساط النيابية والعقارية، وسط تحذيرات من أن الرسوم الجديدة المترتبة على إنجاز معاملات بيع وشراء العقارات ستضيف أعباءً مالية كبيرة على المواطنين، في وقت تؤكد فيه الجهات الحكومية أن المنصة تمثل خطوة نحو أتمتة الإجراءات وتعزيز الشفافية.
وأثار النظام الإلكتروني الجديد، الذي يشترط إكمال إجراءات البيع والشراء عبر مكاتب أو شركات عقارية معتمدة قبل مراجعة دوائر التسجيل العقاري، ردود فعل متباينة، إذ يرى مؤيدوه أنه سيحد من التلاعب ويحفظ حقوق المتعاملين، فيما يعتبره معارضون وسيلة لفرض رسوم إضافية تثقل كاهل البائعين والمشترين.
وفي هذا السياق، يحذر النائب محمد جاسم الخفاجي، من الأعباء المالية التي سترافق تطبيق المنصة، مؤكداً أن المواطنين الراغبين بإجراء معاملات بيع أو شراء العقارات سيكونون ملزمين بدفع مبالغ قد تصل إلى 400 ألف دينار، أو أقل بحسب قيمة العقار ونوع المعاملة، إلى شركة متعاقد معها عبر اتحاد الغرف التجارية، فضلاً عن مبلغ مقطوع قدره 150 ألف دينار لقاء إنجاز إجراءات البيع الإلكتروني.
ويقول الخفاجي، في منشور تابعته وكالة شفق نيوز، إن هذه الرسوم تمثل "باباً جديداً للجباية واستنزاف المواطن تحت عنوان الأتمتة"، متسائلاً عن الجدوى الفعلية للمنصة.
ويشير إلى أن المنصة لا ترتبط بإجراءات التسجيل العقاري أو البلدية أو الدوائر الحكومية بصورة مباشرة، وإنما تقتصر على تنظيم العلاقة بين البائع والمشتري عبر وسيط عقاري.
ويدعو النائب، المحامين والمواطنين وجميع الجهات المعنية إلى رفض ما وصفه بآلية "الجباية الجديدة"، مؤكداً أنه سيتخذ إجراءات رقابية لمتابعة الملف، ومقارنة التجربة بملفات أثارت جدلاً سابقاً بسبب الرسوم المفروضة على المواطنين.
وفي كركوك، حيث يشهد سوق العقارات نشاطاً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، ينظر العاملون في القطاع إلى المنصة بحذر، خشية أن تؤدي الرسوم الجديدة إلى إبطاء حركة البيع والشراء ورفع تكلفة نقل الملكية.
ويقول المتعامل في بيع وشراء العقارات، قحطان عبد الله، لوكالة شفق نيوز، إن "الاعتراض لا يتعلق بفكرة التحول الإلكتروني بحد ذاتها، بل بالكلف المالية التي ترافقها"، مبيناً أن "العاملين في السوق كانوا يطالبون منذ سنوات بتبسيط الإجراءات الحكومية وتقليل حلقات المراجعة، لكنهم فوجئوا بإضافة رسوم جديدة ستنعكس بصورة مباشرة على المواطنين".
ويضيف أن "البائع والمشتري يدفعان عند نقل ملكية أي عقار مبالغ متعددة تشمل رسوم التسجيل العقاري، والضريبة، والبلدية، ورسوم الكشف والتقييم وأجور المعاملات القانونية، فضلاً عن أجور المحامين والدلالين في بعض الحالات".
ويوضح أن "مجموع تلك المبالغ قد يصل إلى نحو خمسة ملايين دينار بحسب قيمة العقار ومساحته وموقعه، ومع تطبيق (منصة عقاري) ستزداد الكلفة أكثر، وهو ما يثير مخاوف حقيقية لدى المتعاملين في السوق".
ويلفت إلى أن "الكثير من المواطنين لا يبيعون عقاراتهم بهدف الاستثمار أو التجارة، وإنما لتوفير السيولة المالية أو شراء منزل آخر أو تسديد التزامات معيشية، وبالتالي فإن أي زيادة في الرسوم ستنعكس بشكل مباشر على أوضاعهم الاقتصادية، وقد تدفع بعضهم إلى العدول عن إتمام المعاملة أو تأجيلها".
من جانبه، ينبه حسن الجبوري، الذي يعمل في مجال بيع العقارات، لوكالة شفق نيوز، إلى أن "الرسوم الجديدة ستنعكس بصورة مباشرة على أسعار العقارات، لأن البائع سيحاول تعويض ما يدفعه من مبالغ إضافية عبر رفع السعر المطلوب، وهو ما سيجد المشتري نفسه مضطراً لتحمله في نهاية المطاف".
ويبين أن "سوق العقارات يقوم على مبدأ العرض والطلب، وأي زيادة في كلفة إتمام المعاملة ستؤدي تلقائياً إلى ارتفاع السعر النهائي"، لافتاً إلى أن "المتضرر لن يكون البائع وحده، وإنما جميع أطراف العملية، ابتداءً من المواطن الباحث عن منزل، وانتهاءً بالمستثمر الذي يرغب في شراء عقار لإنشاء مشروع جديد".
ويوضح الجبوري أن "السوق العقارية شهدت خلال الأشهر الماضية حالة من الترقب، بسبب تغيرات الأسعار والظروف الاقتصادية، وأن إضافة رسوم جديدة قد تؤدي إلى مزيد من الانكماش، خصوصاً في المحافظات التي تعتمد على التداول المحلي أكثر من اعتمادها على الاستثمار العقاري الكبير".
ويؤكد أن "الجميع مع تنظيم السوق ومنع عمليات التلاعب أو الاحتيال، إلا أن ذلك يجب أن يتم من خلال تبسيط الإجراءات وتقليل الكلف، وليس بتحميل المواطن رسوماً جديدة"، داعياً الحكومة إلى "مراجعة آلية تطبيق المنصة والاستماع إلى ملاحظات العاملين في القطاع العقاري قبل المضي في تنفيذها بشكل كامل".
بدوره، يقول المحامي يسر طالب، لوكالة شفق نيوز، إن "مشروع أتمتة معاملات بيع وشراء العقارات يمثل من حيث المبدأ خطوة إيجابية إذا كان الهدف منه تقليل الروتين، والحد من حالات التزوير، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة عن حركة التداول العقاري".
ويشدد على أن "نجاح أي مشروع إلكتروني يرتبط بوضوح الأساس القانوني الذي يستند إليه، فضلاً عن الشفافية في تحديد الرسوم وآلية استيفائها".
ويضيف طالب، أن "فرض أي مبالغ مالية جديدة على المواطنين ينبغي أن يكون مستنداً إلى قانون نافذ أو تعليمات قانونية واضحة يحدد مقدارها والجهة المخولة باستيفائها وأوجه إنفاقها".
ويوضح أن "المواطنين من حقهم معرفة طبيعة العلاقة بين الجهات الحكومية والشركات أو المكاتب التي ستتولى إدارة المنصة، فضلاً عن معرفة الخدمات الفعلية التي سيحصلون عليها مقابل تلك الرسوم"، مبيناً أن "غياب هذه المعلومات قد يفتح الباب أمام التساؤلات والاعتراضات ويؤثر في ثقة المواطنين بالمشروع".
ويدعو طالب، إلى إطلاق حملة توعوية تشرح للمواطنين آلية عمل "منصة عقاري" والخطوات المطلوبة لإكمال المعاملة، إلى جانب نشر جميع التعليمات والرسوم بشكل رسمي، بما يضمن وضوح الإجراءات ويمنع انتشار المعلومات المتضاربة.
وبحسب الوثيقة الحكومية الخاصة بالمنصة، فإن معاملات بيع وشراء العقارات لن تنجز بعد الآن إلا من خلال مكاتبة إلكترونية تصدر عبر شركات أو مكاتب عقارية معتمدة، تتضمن معلومات تفصيلية عن العقار، وموقعه، وطبيعة العقد، إضافة إلى بيانات تتعلق بمصدر الأموال المستخدمة في عملية الشراء، قبل مراجعة دوائر التسجيل العقاري لإكمال إجراءات نقل الملكية.
ويرى مختصون أن هذا الإجراء يهدف إلى تنظيم السوق، وتوثيق بيانات المتعاملين، والحد من عمليات غسل الأموال والتلاعب بأسعار العقارات، فضلاً عن توفير قاعدة بيانات إلكترونية تساعد الجهات المختصة في متابعة حركة السوق بصورة أكثر دقة.
في المقابل، يؤكد متعاملون في القطاع أن نجاح المشروع لن يتحقق ما لم يقترن بتخفيض الرسوم الحكومية، وتوحيد الإجراءات بين الدوائر الرسمية، وتقليل عدد الحلقات الإدارية، لأن المواطن لا يقيس نجاح الأتمتة بعدد المنصات الإلكترونية، وإنما بسرعة إنجاز معاملته والكلفة التي يدفعها مقابل الحصول على الخدمة.