"مدينة الموتى" تستقبل العيد بالبخور والنحيب.. قصص موجعة من وادي السلام (صور)

"مدينة الموتى" تستقبل العيد بالبخور والنحيب.. قصص موجعة من وادي السلام (صور)
2026-05-27T16:06:30+00:00

شفق نيوز- النجف

في صباح كل يوم العيد، تخلع مقبرة وادي السلام ثوبها الرمادي وترتدي السواد من كثرة زائريها، إذ تتوافد العائلات العراقية منذ ساعات الفجر لزيارة موتاها، بملابس سوداء تخفي خلفها حزناً قديماً لا يهدأ. 

ويحمل البعض الشموع والبخور وقناني ماء الورد، فيما تنشغل نساء أخريات بإعداد الكليجة والكيك لتوزيعها صدقةً وثواباً على أرواح الراحلين.

وفي تلك الأزقة الضيقة بين القبور، تغيب الابتسامة تماماً، وتتقدم أصوات النحيب والبكاء على كل شيء، وقرب كل قبر حكاية، وأمام كل شاهد دمعة، حتى إن المارة الذين لا يعرفون أصحاب القبور تلمع عيونهم بصمت وهم يستمعون إلى وجع الأمهات والآباء والأبناء.

ورغم الحزن الذي يملأ المكان، يبقى العيد حاضراً بطقوسه الخاصة في وادي السلام، حيث تمتزج رائحة البخور بتراب المقبرة، وتتعالى الأدعية وقراءة سورة الفاتحة من كل جهة، قبل أن تتجه أغلب العائلات بعد ذلك إلى مرقد الإمام علي لإكمال الزيارة والدعاء، وكأن الرحلة بين الموت والحياة تبدأ من المقبرة وتنتهي عند المرقد.

تاريخ المقبرة

تُعد مقبرة وادي السلام من أقدم وأكبر المقابر الإسلامية في العالم، وتمتد على مساحة شاسعة غرب مدينة النجف، لتحتضن ملايين القبور التي تعود إلى قرون طويلة.

ويرتبط تاريخ المقبرة ارتباطاً مباشراً بمدينة النجف ودفن الإمام علي بن أبي طالب فيها، إذ تحولت المنطقة بعد ذلك إلى مقصد للدفن لدى المسلمين من داخل العراق وخارجه.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث التاريخي حسن الحكيم لوكالة شفق نيوز، إن "المنطقة كانت تُعرف قديماً باسم (الثوية)، وهي مقبرة قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام، وكان الناس يدفنون موتاهم فيها قبل اكتشاف قبر الإمام علي في النجف".

ويضيف أن "الدفن قرب الإمام أصبح بعد ذلك من الأمور التي يسعى إليها الناس، ما أدى إلى توسع المقبرة عبر مئات السنين حتى أصبحت مدينة كاملة للموتى".

وتضم المقبرة قبور علماء دين وشعراء وساسة وشخصيات اجتماعية بارزة، إلى جانب مقامات يُعتقد أنها تعود للنبيين هود وصالح عليهما السلام، كما تشتهر بأزقتها الضيقة وسراديبها القديمة وشواهد القبور التي تحمل أبيات الشعر وصور الموتى.

وشهدت مقبرة وادي السلام توسعاً كبيراً خلال العقود الأخيرة، خصوصاً في فترات الحروب والعنف التي مر بها العراق، لتتحول إلى سجل مفتوح لذاكرة العراقيين، تختلط فيه قصص الفقد والحزن بتاريخ المدينة الديني والاجتماعي.

حزن الأمهات

تجلس أم الشهيد علي، وهي امرأة أثقلها العمر والحزن، قرب قبر ولدها في مقبرة وادي السلام، رافضة أن يشرق صباح العيد بعيداً عنه. اعتادت أن تغادر من بغداد بعد منتصف الليل برفقة ابنتها لتصل فجراً إلى المقبرة، حيث تقومان بإعداد الشاي وتحضير بعض الأطعمة الخفيفة لتوزيعها على المارة والزائرين.

وتقول أم علي، لوكالة شفق نيوز: "ولدي الشهيد كسر ظهري حين فارقني، وأصبحت وحيدة رغم وجود بناتي، علي حطم كل آمالي، كنت أحلم أن أحضر زفافه وأرى أحفادي، لكن القدر حال بيني وبين سعادتي".

وتوضح بصوت متعب تختلط فيه الحسرة بالبكاء: "لا أستطيع إخراج مقبرة النجف من أفكاري، حتى إنني زرعت شجرة صغيرة قرب قبر ولدي، وصنعت مظلة تقيه حرارة الشمس، كما اتفقت مع أحد العاملين في المقبرة على أن يزور قبره باستمرار ويحافظ على الزرع وكل ما يخصه".

ولم تتوقف دموع أم علي طوال حديثها، وكانت تنهمر بغزارة وهي تردد أمنيات بسيطة أثقلتها الحروب: "أتمنى أن أرى العراق بلا حروب ولا قتل ولا فقر، وأن يعم السلام العالم كله، حتى لا تفقد الأمهات أبناءهن أو أزواجهن"، مبينة أن "الحروب لا تخلّف سوى الألم والدموع والحزن الأبدي".

وتتابع بنبرة يغلب عليها الأسى: "لماذا لا نعيش كما نرى عبر التلفاز؟ دول تنعم بالخيرات والأفراح، من دون أن تخسر عوائلها أبناءها في القتال والحروب".

رزق القبور

حين تسير بين القبور في مقبرة وادي السلام، لا تجد سوى ممرات ضيقة وملتوية تقودك بصعوبة نحو قبور أهلك وأجدادك، حيث ما يزال كثيرون يتمسكون بفكرة الدفن قرب آبائهم وأسلافهم، حتى أصبح البعض يوصي قبل رحيله بأن يُدفن بجوار والدته أو والده أو ولده، وكأن الموت لا يقطع آخر خيوط القرب والمحبة.

وفي شوارع المقبرة الممتدة بلا نهاية، تشاهد قبوراً ارتفع بناؤها لأكثر من ثلاثة أمتار، وإلى جانبها سراديب مظلمة تخفي وراء أبوابها حكايات أجيال كاملة، وعلى مسافات أخرى، تظهر قبور مهدمة أكلها الزمن، ولم يعد هناك من يعيد ترميمها بعد أن هاجر أهلها أو غابت عائلاتها لأسباب مختلفة.

ولا تخلو شواهد القبور من أبيات الشعر وعبارات الرثاء، فيما تتوزع صور الموتى على الجدران والقباب الصغيرة، حتى تكاد كل زاوية تروي ملامح شخص رحل. 

وبين تلك الصور، تتعرف أحياناً على شخصيات معروفة دُفنت هنا، وكأن المقبرة ليست مدينة للموتى فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً لذاكرة النجف وأهلها.

وفي أزقة مقبرة وادي السلام، يسير رجل متوسط العمر يحمل أكياساً مليئة بقناني ماء الورد الفارغة، وكان يتنقل بينها بصمت متعب، فيما بدت على وجهه علامات الإرهاق والملل من عمل يقضي فيه نهاره بين القبور والموتى.

وعند سؤال مراسل وكالة شفق نيوز له عن عمله بين القبور، أجاب وهو يواصل جمع القناني: "نجمع قناني ماء الورد الفارغة من بين القبور، ثم نرسلها إلى بعض الأماكن ليتم ملؤها مرة أخرى وبيعها على الزائرين".

ويرى الرجل: "صاحب العمل يطلب منا جمع القناني الفارغة، وبعدها نقوم بغسلها وتعبئتها بالماء، ونضيف إليها قطرات من ماء الورد المركز، كما نجمع أيضاً قناني الماء الفارغة لبيعها بالكيلوغرام".

وكان الرجل يتحدث بعفوية، بينما يداه لا تتوقفان عن التقاط القناني المتناثرة قرب القبور، في مشهد يكشف جانباً آخر من الحياة داخل المقبرة، حيث يمتزج الحزن بطقوس الزيارة، وتمتزج أيضاً قسوة الفقر بمحاولات الناس البحث عن رزقهم حتى بين الموتى.

"الدفّانة"

وعند دخولك عبر بوابات مقبرة وادي السلام، تشاهد على جانبي الطريق الرئيسي مئات مكاتب الدفن الصغيرة التي تنتظر مواسم الأعياد والمناسبات الدينية بفارغ الصبر، حيث تزداد أعمال تصليح القبور وبيع المقابر وحجز أماكن الدفن وبناء السراديب والمظلات.

ويتحدث عباس النجفي، لوكالة شفق نيوز، قائلاً: "عملنا محكوم بالعلاقات القديمة، فقد ورثنا مهنة الدفن عن آبائنا وأجدادنا منذ زمن بعيد، والعشائر في محافظات العراق لا ترغب باستبدال دفّانيها الذين يحافظون على قبور موتاهم في غيابهم".

ويشير إلى أن "وسائل التواصل الاجتماعي سهّلت الكثير علينا وعلى الزبائن، فمعظم المغتربين يتواصلون معنا ويكتبون أسماء أجدادهم، ونحن نقوم بالبحث عنها بين آلاف القبور، خاصة أن الدفن في السابق كان عاماً، بعكس اليوم حيث أصبحت نحو 90 بالمئة من العوائل تمتلك مقابر خاصة".

ويستعيد النجفي، ذكريات صعبة من سنوات الحرب والنظام السابق قائلاً: "المقبرة كانت ملاذاً للهاربين من الخدمة العسكرية الإلزامية، فكنا نسكن أغلب الوقت داخل السراديب ونعمل بحذر شديد، وقد مررنا بمواقف لا يمكن نسيانها".

ويتابع: "كان الهاربون من الجيش يسكنون على شكل مجاميع داخل سراديب مهجورة، وكنا نقضي الليل على ضوء الشموع التي نجمع بقاياها من فوق القبور، كما كنا نستفيد من الطعام الذي توزعه عوائل الموتى، ونتابع الأخبار عبر راديو قديم".

ويضيف بابتسامة ممزوجة بالخوف القديم: "أكثر ما كان يزعجني حين أستيقظ صباحاً وأجد العقارب بقربي أو الأفاعي تتحرك داخل السرداب بحثاً عن بقايا الطعام".

ويختم النجفي، حديثه بالقول إن "الأوضاع تغيّرت بعد انتفاضة عام 1991، إذ قامت الحكومة بفتح شوارع داخل المقبرة، وازداد انتشار رجال الأمن، ما صعّب بقاء الهاربين هناك، قبل أن يعود أغلبهم إلى الخدمة العسكرية بعد إصدار قرارات العفو".

هكذا تبقى وادي السلام ليست مجرد مقبرة، بل مدينة كاملة تختزن تاريخ العراق، وتجمع بين الحزن والذاكرة والإنسان في لوحة واحدة لا تغيب عن مشهد النجف في كل عيد ومناسبة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon