كهرباء العراق.. عجز بـ50% ورهان على 25 مليون لوح شمسي
شفق نيوز- بغداد
في بلد يتجاوز فيه الطلب على الكهرباء حاجز الـ50 ألف ميغاواط، بينما لا يتخطى إنتاجه الحالي نحو 25 ألف ميغاواط، يجد العراق نفسه أمام فجوة هائلة في قطاع الطاقة تتطلب رؤية طويلة الأمد قد تمتد بين 5 و10 سنوات لإعادة بناء المنظومة الكهربائية على أسس مستقرة.
ويرى مختصون أن سد جزء كبير من هذا العجز يتطلب إدخال ما بين 20 و25 مليون لوح شمسي إلى الخدمة، بما يمكن أن يضيف نحو 12 ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية، في وقت تتجه فيه البلاد إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي ومعالجة أزمة الكهرباء المزمنة.
ورغم امتلاك العراق احتياطيات نفطية وغازية كبيرة، فإن قطاع الكهرباء ما يزال يعاني من تحديات متراكمة، أبرزها نقص الوقود، وضعف شبكات النقل والتوزيع، وارتفاع الطلب نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني، ما دفع الحكومة والقطاع الخاص إلى البحث عن بدائل، في مقدمتها الطاقة الشمسية.
إمكانات شمسية واسعة
وفي هذا السياق، يقول عضو لجنة النفط والغاز النيابية، عدي ماجد الزاملي، إن مشاريع الطاقة النظيفة تمثل خياراً استراتيجياً للعراق، بسبب الظروف المناخية الملائمة ووفرة الإشعاع الشمسي على مدار العام.
ويضيف الزاملي لوكالة شفق نيوز، أن "العراق يمتلك شمساً على مدار السنة تقريباً، وحتى في فصل الشتاء تكون ساعات الإشعاع الشمسي متوفرة، فضلاً عن أن زاوية تعامد الشمس مع الأرض، خصوصاً في مناطق جنوب العراق والوسط، تمنح مشاريع الطاقة الشمسية فرصة كبيرة للنجاح".
ويرى أن الطاقة الشمسية تعد أقل كلفة مقارنة بمشاريع الطاقة التقليدية التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الوقود وتنتج انبعاثات ملوثة للبيئة، مشيراً إلى أن العراق يعتمد حالياً بدرجة كبيرة على المحطات الغازية التي تعمل بالغاز المستورد بدلاً من استثمار الغاز المنتج محلياً.
ويتابع الزاملي أن "الطاقة النظيفة أصبحت من المشاريع الرائدة التي تتجه إليها دول المنطقة، فهي توفر الكهرباء ولا تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمالة أو كميات ضخمة من المواد الأولية، إذ يمكن إنشاء مزارع شمسية في مساحات واسعة غير مستغلة لإنتاج كميات كبيرة من الطاقة".
ويشير إلى إمكانية دعم المواطنين عبر توفير الألواح الشمسية بالتعاقد مع شركات رسمية، فضلاً عن إنشاء مصنع محلي لإنتاج الألواح، لافتاً إلى أن العراق يمتلك مواد أولية مهمة مثل السيليكا الموجودة في محافظة الأنبار، بينما يمكن استيراد البطاريات من شركات ومناشئ موثوقة.
عجز يتجاوز نصف الحاجة
من جهته، يقول الخبير النفطي، كوفند شيرواني، إن العراق يواجه "أزمة مستفحلة ومزمنة" في الكهرباء، بسبب اتساع الفجوة بين الإنتاج والطلب.
ويضيف شيرواني لوكالة شفق نيوز، أن معدلات التوليد تراجعت في وقت ارتفع فيه الطلب نتيجة الزيادة السكانية والتوسع في المجمعات السكنية، موضحاً أن "الطلب تجاوز 50 ألف ميغاواط، في حين أن التوليد الحالي يقل عن 25 ألف ميغاواط، أي أن العجز في التوليد وحده يتجاوز 50%".
ويلفت إلى أن الأزمة لا تقتصر على الإنتاج فقط، بل تشمل أيضاً شبكات النقل والتوزيع التي تحتاج إلى تحديث وصيانة مستمرة، ما يفرض على وزارة الكهرباء إنفاق مبالغ كبيرة سنوياً لمعالجة الاختناقات الحالية.
ويؤكد شيرواني أن الحل يتطلب العمل بشكل متوازٍ عبر تطوير مصادر جديدة للتوليد، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، التي يرى أنها تمتلك مقومات كبيرة في العراق.
ويقول إن "عدد الأيام المشمسة في العراق يتجاوز 300 يوم سنوياً من أصل 365 يوماً، كما أن أسعار منظومات الطاقة الشمسية انخفضت بشكل كبير خلال السنوات الماضية".
ويضيف أن إنشاء محطة شمسية بقدرة ألف ميغاواط يمكن أن يتم خلال فترة زمنية قصيرة وبكلفة تتراوح بين 700 و800 مليون دولار، وهي مبالغ يمكن توفيرها من التخصيصات الكبيرة التي تنفق سنوياً على تطوير قطاع الكهرباء.
وبحسب شيرواني، فإن العراق قادر على إنشاء ما لا يقل عن محطتين شمسيتين سنوياً بقدرة ألف ميغاواط لكل مشروع، ما سيؤدي خلال سنوات قليلة إلى تقليص العجز الكهربائي بشكل ملموس.
كما يدعو إلى تشجيع المواطنين على تركيب منظومات شمسية منزلية عبر منح أو قروض ميسرة، إلى جانب اعتماد المؤسسات الحكومية على أنظمة خاصة بها، خصوصاً أن ساعات الدوام الرسمي تتزامن مع ذروة إنتاج الطاقة الشمسية.
ويشير إلى وجود مشاريع قائمة، بينها مشاريع في النجف ومشروع "شمس البصرة" بقدرة ألف ميغاواط، مؤكداً أن هذه التجارب يمكن توسيعها لتشمل محافظات أخرى لما لها من أثر في دعم القطاعات الزراعية والصناعية وتحسين الخدمات.
12 غيغاواط من الطاقة الشمسية
أما المتخصص في هندسة الكهرباء، أحمد عدنان، فيؤكد أن الطاقة الشمسية يمكن أن تكون عاملاً مهماً في تخفيف الأحمال عن الشبكة الوطنية وتقليل الكلف التشغيلية التي تتحملها وزارة الكهرباء.
ويشير عدنان خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى وجود نحو مليون لوح شمسي في محافظة البصرة، مبيناً أن هذه الكمية لا تكفي لسد الحاجة لكنها تساهم في تخفيف الضغط على المنظومة الكهربائية.
ويضيف أن دول الخليج، ومنها السعودية، قطعت أشواطاً كبيرة في مشاريع الطاقة الشمسية، وأن العراق يمكن أن يستفيد من هذه التجارب، خصوصاً مع احتمالية الربط الكهربائي الإقليمي مستقبلاً.
ويقول إن "العراق يمتلك بيئة ومناخاً مناسبين للاستثمار في الطاقة البديلة، كما أن العديد من دول العالم بدأت بالابتعاد تدريجياً عن الوقود التقليدي والتوجه نحو الطاقة النظيفة بسبب انخفاض كلف تشغيلها".
ويقدر عدنان حاجة العراق إلى نحو 20 إلى 25 مليون لوح شمسي لإضافة ما يقارب 12 غيغاواط إلى منظومة الكهرباء، موضحاً أن الطلب في أوقات الذروة يصل إلى نحو 56 غيغاواط، وبالتالي فإن هذه الإضافة ستسهم بشكل كبير في تخفيف الضغط على الشبكة.
ويرى أن المناطق الأكثر ملاءمة لإقامة المشاريع الشمسية هي محافظات البصرة وميسان ومحافظات الجنوب عموماً، إضافة إلى محافظة الأنبار، بسبب توفر الأراضي والمساحات المفتوحة.
تحديات التخزين والبنية التحتية
لكن عدنان يشدد على أن نجاح مشاريع الطاقة الشمسية يتطلب توفير بنى تحتية مناسبة، خصوصاً في مجال تخزين الطاقة.
ويوضح أن إنتاج الألواح ينخفض ليلاً إلى نحو 25% من طاقتها الاستيعابية، ما يجعل الاستثمار في البطاريات وأنظمة التخزين أمراً ضرورياً لضمان استمرارية الإمداد.
ويؤكد أن تنفيذ المشاريع الكبرى يجب أن يتم عبر شركات عالمية متخصصة لضمان سرعة الإنجاز وجودة التنفيذ، رغم التحديات المالية والاقتصادية التي يواجهها العراق.
ويختتم عدنان بالقول إن معالجة أزمة الكهرباء تحتاج إلى ميزانية وخطة طويلة الأمد تمتد بين 5 و10 سنوات لإعادة بناء المنظومة بصورة صحيحة، معتبراً أن الطاقة المتجددة تمثل أحد الحلول الاستراتيجية التي يمكن أن تساهم في تقليل الاعتماد على النفط والطاقة التقليدية، إلى جانب مشاريع أخرى مثل الطاقة النووية.