أكثر المياه دموية.. نيران كامنة في البحر الأسود ونزاع نفوذ بين القوى العظمى

أكثر المياه دموية.. نيران كامنة في البحر الأسود ونزاع نفوذ بين القوى العظمى
2022-04-26T20:24:37+00:00

شفق نيوز/ تعكس الحرب الاوكرانية الحالية، تزايد تحول البحر الاسود الى ساحة حرب بين القوى الدولية والإقليمية المتصارعة، من الولايات المتحدة الى روسيا والصين وتركيا وغيرها، ما يدلل على أن البحر الاسود كان اكثر المياه دموية في العالم منذ الحرب الباردة.

وتحت عنوان "مرحبا بكم بعصر الحرب في البحر الأسود"، ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الامريكية، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، ان "البحر الأسود نادرا ما كان يعتبر بانه من المناطق الاستراتيجية في العالم، وحتى بين المساحات المائية، حيث ان الاهمية كانت منصبة على الخليج العربي وبحر الصين الجنوبي وشرق البحر المتوسط، مشيرة الى ان "الخليج كان نقطة محورية في السياسة الأمريكية منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث حظيت حرب الخليج والدور الأمريكي من المكائد السعودية-الايرانية، وعمليات شحن الغاز والنفط، بالأولوية لواشنطن".

وفي المقابل، اعتبرت المجلة الامريكية، ان "البحر الاسود ظل يُنظر اليه على انه "مصدر قلق هامشي بدرجة كبيرة"، برغم ان 10 حروب هائلة اندلعت على سواحل البحر الاسود او بالقرب منها، منذ نهاية الحرب الباردة، أي اكثر من اي منطقة بحرية أخرى في العالم".

وعدد التقرير الامريكي الصراعات العسكرية التي اندلعت، من بينها حرب إقليم ترانسنيستريا في مولدوفا، والحرب الجورجية-الابخازية، والحرب الأهلية الجورجية، والحرب الروسية الجورجية، والحربان الشيشانية الأولى والثانية، الحربان الروسية الاوكرانية 2014 و 2022، والحربان الاولى والثانية بين أرمينيا واذربيجان حول اقليم ناغورنو كاراباخ.

وبهذا السياق، اوضح التقرير ان البحر الأسود هو المكان الذي تلتقي فيه العديد من اكبر القوى في العالم، روسيا والاتحاد الأوروبي وتركيا وحلف شمال الاطلسي، وتستحضر معها الولايات المتحدة، برغم انه ما من طرف محدد بامكانه بسط هيمنته لوحدها".

وحول البؤر الملتهبة القريبة من البحر الاسود، تناول التقرير الصراع الطويل بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني الذي تسبب في مقتل نحو 6 الاف شخص خلال الاعوام السبعة الماضية، وهو ما يعادل عدد القتلى في صراع حرب دونباس في شرقي اوكرانيا بين عامي 2015 و 2017. وبالاضافة الى ذلك، هناك نقطة توتر على الحدود بين تركيا والاتحاد الاوروبية بسبب قضية المهاجرين الى اوروبا".

ودعا التقرير الى "فهم تركيبة القوى في المنطقة ومصالحها الخاصة ، ولماذا برهنت على انها ليست قادرة على الحفاظ على سلمية البحر الاسود حتى الان"، مشيرا الى ان "من بين اهم التحولات الاستراتيجية هو انضمام بلغاريا ورومانيا الى حلف الناتو في العام 2004، ثم الى الاتحاد الاوروبي بعد ذلك بثلاثة اعوام".

وتابع قائلا إنه "في حين ان تركيا واليونان كانتا عضوين منذ فترة طويلة في حلف الناتو، الا ان التوترات بينهما جعلت التعاون في المنطقة محدودا".

ولفت الى ان "عضوية صوفيا وبوخارست في حلف الناتو سمحت للسفن الحربية التابعة للحلف بوصول موثوق اكثر الموانئ في البحر الأسود"، مشيرا الى انه "بعد مرور 18 عاما، ما زالت روسيا مستمرة بالمطالبة بانسحاب القوات الغربية من هذين البلدين، بينما لم تتعامل قيادة حلف الناتو مع هذه المناشدات بشكل جدي".

واعتبر التقرير ان "تصرفات روسيا في اوكرانيا، بالاضافة الى غزوها لجورجيا في العام 2008، كانت مدفوعة بشكل جزئي على الاقل باعتقادها بانها تحتاج الى اعادة تعزيز امنها من خلال اجبار الغرب للابتعاد عن البحر الاسود، مذكرا بخطاب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونيخ الامني في العام 2007، تحدث فيه عن ذلك واعرب عن الحسرة ازاء قرارات موسكو من قبل بسحب القواعد السوفيتية القديمة في مولدوفا وجورجيا".

وفي هذا الاطار جاء الغزو الروسي لجورجيا في العام التالي وتعزيز انفصال جمهورية أبخازيا، في اطار مسعى من موسكو من اجل اعادة تأسيس نفسها كلاعب امني رئيسي على البحر الاسود. واضاف انه على غرار هذه الحرب، فان النزاعات العسكرية الاخرى في البحر الاسوط بين عامي 1991 و2008، كالحرب الاهلية في جورجيا وحرب ترانسنيستريا وحربي الشيشان، وحرب ناغورني كاراباخ الاولى، كانت كلها مدفوعة جزئيا بسبب خسارة روسيا للهيمنة الاقليمية في ظل عدم قدرتها على وقف هذا الانهيار".

واشار التقرير الى ان "هذه التحولات بدأت مع تولي بوتين السلطة وقراره خوض حرب شيشانية جديدة، مضيفا انه مع محاولة روسيا العنيفة اعادة ترسيخ موقعها، فان قوى اخرى ايضا كانت تتحرك لتملأ الفراغ، وابرزهم تركيا.

وفي حين رأى التقرير ان "دور تركيا في المنطقة مهم لامن البحر الاسود، لفت الى "الوضع الخاص المتمثل بعلاقة تركيا المتوترة بحلف الناتو، سواء فيما يتعلق بغزو العراق والموقف من الكورد وسوريا وقبرص ومجموعة من القضايا الاخرى، موضحا ان "تركيا عضو في الناتو لكنها في الوقت نفسه، تتبع "اجندتها الخاصة" خاصة فيما يتعلق بالبحر الاسود بشكل اكثر استقلالية من اي حليف اخر.

وفي هذا الاطار، اوضح التقرير انه الى "ما قبل الغزو الروسي الاخير، فان تركيا كانت تقترب من موسكو، واشترت نظامها المضاد للصواريخ "اس-400" وتعرضت لعقوبات امريكية. كما ان تركيا دخلت في مشروع انابيب الغاز "ترك ستريم" في العام 2020".

واضاف ان "انقرة وموسكو برغم ذلك ظلتا مختلفتين في مواقفهما من الصراع الليبي والسوري، بالاضافة الى النزاع الارمني -الاذربيجاني، الاكثر اهمية فيما يتعلق بمنطقة البحر الاسود".

ولهذا، اعتبر التقرير ان "الصراع في اوكرانيا اظهر ان تركيا لا ترى بقوة مكانا لنفسها في معسكر موسكو، وانها بدلا من ذلك ستخوض تنافسا او تتعاون حيث ترى امكانية تعزيز قوتها النسبية".

وفي حين اشار التقرير الى اتباع تركيا حركة "توازن دقيقة حول اوكرانيا لم تكن المرة الاولى في السنوات الاخيرة التي تحاول فيها الحكومة التركية استخدام البحر كوسيلة للتعبير عن وضع القوة العظمى"، ذكر بتهديدات انقرة باعادة رسم الاطار القانوني المتعلق بالملاحة الى البحر الاسود اي "اتفاقية مونترو"، مضيفا ان انقرة اغلقت الممرات بين البحر المتوسط والبحر الاسود امام جميع السفن الحربية، وبالتالي، لم تعد موسكو قادرة على اعادة ارسال طراد بحري آخر ليحل مكان الطراد "موسكفا" الذي غرق مؤخرا، ما يعني ان انقرة تعزز قدرتها على التحكم بالوصول الى البحر الاسود بأهمية غير مسبوقة منذ الحرب الباردة.

اما حول الصين، فقد اشار التقرير الى ان تصور سياسات واشنطن حول تبدل القوى، كان ينظر الى الصين على انها قوة صاعدة، وانه من هنا جاء ظهور مصطلحات مثل "فخ ثوسيديدس" (وصف يستخدم للاشارة الى نزعة واضحة نحو الحرب عندما تهدد قوة صاعدة قوة عظمى مهيمنة إقليميا أو دوليا)، ومصطلح "التحول نحو اسيا" في الخطاب العام لواشنطن".

وتابع ان "الصين وصلت الى منطقة البحر الاسود كقوة صاعدة حيث يظهر البحر الاسود بشكل واضح في استراتيجية "الحزام والطريق" لتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية وتطوير شبكات التجارة، خاصة مع جورجيا وبلغاريا وتركيا".

وحذر التقرير من التغاضي والتجاهل لذلك فيما يتعلق بالبحر الاسود كمساحة استراتيجية ومن حقيقة انه واجه العديد من الصراعات حيث ان على شواطئه اكبر تركيز جغرافي للقوى الكبرى المتغيرة، اي بروز "التعددية القطبية".

وبرغم ان التقرير ذكر ان تردد بكين في دعم موسكو علنا في غزوها لاوكرانيا "يمنح بعض الطمأنينة بانها لا تتطلع الى الاطاحة بالنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة"، الا ان التقرير اعتبر انه "جرى تأسيس تعددية الاقطاب في البحر الاسود".

وختم التقرير بخلاصة مفادها ان "البحر الاسود كونه يمثل هذا الالتقاء بين القوى، يشكل عاملا رئيسيا لزعزعة للاستقرار".

واوضح تقرير "فورين بوليسي" انه في ظل اعتقاد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بلاده قوة صاعدة، ويطالب بالاعتراف بها، وفي ظل محاولة بوتين استعادة الهيمنة الروسية على اوكرانيا وتحدي الهيمنة الامريكية في المنطقة وخارجها، فان القوى المتغيرة ستظل مستمرة في الالتقاء والاشتباك. في البحر الاسود وحول سواحلها".

وخلص الى القول ان "الحروب التجارية المحتملة، واستغلال النفوذ التركي، وتزايد انتقامية الكرملين، والهجرة، ليست سوى بعض التهديدات التي تواجهها منطقة البحر الاسود، وان التوازن غير المستقر للقوة حولها، يهدد بتحويل هذه التهديدات الى صراعات كبرى اخرى".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon