على وقع القصف.. ما أثر انسحاب البعثات الدبلوماسية من العراق؟
شفق نيوز- بغداد
يحذر مراقبون ومختصون في الشؤون السياسية والدولية من أن تصاعد استهداف البعثات الدبلوماسية في العراق قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، أبرزها انسحاب هذه البعثات وجرّ البلاد نحو عزلة دولية، في ظل محاولات فصائل مسلحة لإقحام العراق في صراع إقليمي لا يخدم مصالحه.
وتشهد العاصمة بغداد هجمات يومية على السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء، باستخدام صواريخ كاتيوشا وطائرات مسيّرة، بعضها تمكن من اختراق منظومات الدفاع، متسبباً بحرائق وأضرار مادية داخل المجمع الدبلوماسي.
ولم يقتصر الاستهداف على السفارة، إذ طالت الهجمات فندق الرشيد الحكومي المخصص لاستضافة الوفود الدبلوماسية، إضافة إلى مركز الدعم الدبلوماسي قرب مطار بغداد، في مؤشر واضح على اتساع بنك الأهداف.
كما امتدت الهجمات إلى إقليم كوردستان، حيث دوّت انفجارات متكررة في أربيل، تزامناً مع اعتراض مسيّرات في أجواء المدينة التي تضم قنصلية أميركية وقوات للتحالف الدولي التي تم استهدافها بالإضافة إلى القنصلية الإماراتية في أربيل.
وفي الجنوب، استُهدف حقل مجنون النفطي بطائرات مسيّرة، بينما تعرضت مواقع تابعة للحشد الشعبي في مناطق متفرقة من البلاد لقصف جوي، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
تحليلات سياسية
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي أحمد يوسف أن ما يجري يتجاوز كونه أحداثاً أمنية متفرقة، إذ يؤكد أن "الصراع الحالي هو بين الولايات المتحدة وإيران، والعراق ليس طرفاً فيه"، لكنه يحذر من أن فصائل مسلحة "تريد إدخال العراق في دائرة الحرب من خلال استهداف البعثات الدبلوماسية والفنادق ومصادر الطاقة".
ويشير يوسف خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن هذه الهجمات لا تهدد الأمن فقط، بل تضرب جوهر الدولة، إذ "تضعف السيادة وهيبة الدولة أمام المجتمع الدولي، وقد تؤدي إلى عقوبات اقتصادية وعزلة دولية"، في وقت "العراق بأمسّ الحاجة إلى بناء علاقات مع العالم".
من جانبه، يقدم المختص في العلاقات الدولية حيدر العامري قراءة أكثر تعقيداً، إذ يعتبر أن ربط كل ما يحدث بمفهوم السيادة "ليس دقيقاً"، لأن الحرب إقليمية ومتعددة الأطراف، والعراق يقع في قلبها.
لكن العامري يقر في الوقت ذاته خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، بأن استهداف البعثات "خطأ مرفوض"، مع ضرورة فهمه ضمن سياق أوسع يشمل أيضاً الضربات التي تستهدف قوات الحشد الشعبي.
أما القيادي في ائتلاف دولة القانون محمد الشمري فيضع الإصبع على الجرح الداخلي، معتبراً أن "الوضع في العراق متخبط ولا توجد وحدة كلمة"، وأن تعدد مراكز القرار جعل البلاد تتأرجح بين النأي بالنفس والانخراط غير المباشر في الصراع.
ويحذر الشمري خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، من أن "انسحاب البعثات الدبلوماسية سيترك أثراً سلبياً كبيراً دبلوماسياً واقتصادياً".
انسحاب بعثات
وبدأت بعض البعثات الدبلوماسية منذ مساء أمس الثلاثاء، الانسحاب أو خفض تمثيلها، فقد غادرت بعثات خليجية (كالسعودية وقطر) بشكل كامل، فيما خفضت أخرى حضورها، وسط مخاوف متزايدة من تدهور الوضع الأمني.
كما أصدرت الولايات المتحدة تحذيرات متكررة لرعاياها بمغادرة العراق، وعلّقت خدماتها القنصلية، في وقت أجرت فيه مراجعات أمنية شاملة لجميع بعثاتها حول العالم، على خلفية ما يقارب 300 هجوم استهدف مصالحها منذ أواخر شباط/ فبراير الماضي.
وتعزز هذه التطورات ما يحذر منه محمد الشمري، بأن "الباب الخارجي للعراق هو البعثات الدبلوماسية"، وأن أي انسحاب لها يعني تراجعاً في العلاقات الدولية وتأثيراً مباشراً على الاقتصاد والاستثمار.
تحركات حكومية
في المقابل، تحاول الحكومة العراقية احتواء الموقف، فقد شدد رئيس الوزراء العراقي "المنتهية ولايته" محمد شياع السوداني على "الالتزام الكامل بحماية البعثات الدبلوماسية"، وأصدر أوامر مباشرة بملاحقة منفذي الهجمات وتقديمهم للقضاء.
كما عقد السوداني، مساء أمس الثلاثاء، اجتماعاً أمنياً موسعاً لمتابعة التطورات، مؤكداً جاهزية القوات الأمنية لحماية المنشآت الحيوية والبعثات الأجنبية.
وأعلنت وزارة الخارجية العراقية رفضها القاطع لأي اعتداء على البعثات، مؤكدة التزامها بالقانون الدولي، فيما شددت وزارة الداخلية على اتخاذ إجراءات مشددة، وصلت إلى معاقبة عناصر أمنية بسبب نشر "معلومات حساسة" عن المواقع المستهدفة في بغداد.
من جهته، وصف الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان هذه الهجمات بأنها "أعمال إرهابية تستهدف زعزعة الاستقرار"، مؤكداً أن استهداف البعثات يمثل خرقاً خطيراً للاتفاقيات الدولية.
إجراءات قانونية
على المستوى القانوني، حذر رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان من أن الاعتداء على البعثات الدبلوماسية لا يقتصر على كونه خرقاً أمنياً، بل هو "انتهاك صريح للقانون الدولي"، قد يؤدي إلى "عقوبات سياسية واقتصادية أو حتى عزلة دولية".
وأوضح زيدان في مقال بعنوان "جريمة الاعتداء على البعثات الدبلوماسية"، أن القانون العراقي يعامل هذه الأفعال بوصفها جرائم إرهابية قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، ما يعكس خطورة المرحلة.
كما اعتبر رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي أن هذه الهجمات "تهديد لمكانة العراق وعلاقاته الخارجية"، داعياً إلى إجراءات حازمة لحماية البعثات.
وفي السياق ذاته، حذر الأمين العام للمشروع الوطني العراقي جمال الضاري من أن استمرار الاستهدافات يمثل "مؤشراً على تراجع هيبة الدولة وتهديداً بعزلة دولية متصاعدة".
تحذيرات دولية
على الجانب الآخر، شددت وزارة الخارجية الأميركية بقيادة ماركو روبيو على ضرورة اتخاذ الحكومة العراقية إجراءات حاسمة لحماية البعثات، محذرة من أن استمرار الهجمات "يقوض استقرار العراق ويهدد بجرّه إلى صراع أوسع.
كما وسّعت واشنطن إجراءاتها الأمنية لتشمل جميع بعثاتها حول العالم، في خطوة تعكس حجم القلق من اتساع رقعة التهديد.
وتشير المعطيات إلى تنفيذ مئات الهجمات منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير 2026، بينها نحو 292 هجوماً استهدفت مصالح أميركية، إضافة إلى عشرات العمليات التي أعلنتها فصائل مسلحة، بينها 47 عملية خلال 24 ساعة، و110 عمليات خلال 15 يوماً.
كما سقط قتلى وجرحى من الحشد الشعبي نتيجة ضربات جوية، في حين تعرضت منشآت حيوية، بينها حقول نفط ومطارات، لهجمات متكررة.