"أسماك القرش الكبيرة" تنتظر السوداني

"أسماك القرش الكبيرة" تنتظر السوداني
2022-11-09T17:16:10+00:00

شفق نيوز/ استعرض معهد المركز العربي في واشنطن، الصراعات الدائرة بين المكونات السياسية العراقية، مع تشكيل الحكومة الجديدة، مستبعدا في ظل التحديات العديدة التي يواجهها رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، وطبيعة التحالفات السياسية وتقاسم الوزارات الذي نشأ، أن يتمكن من تقديم "أسماك القرش الكبيرة" للمحاسبة فيما يتعلق بالفساد.

وفيما شبه المشهد السياسي الكامل في العراق حاليا، وانتهاء ما وصفه بـ"الدراما الكبيرة" للازمة السياسية الاخيرة، قال تقرير المعهد الأمريكي الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، ان العراق شهد عاما من "الفوضى والانتكاسات المفاجئة والمواجهات الخطيرة التي دفعته الى شفا حرب أهلية".

"خطأ الصدر التاريخي"

وأشار الى "الخطأ الاستراتيجي بأبعاد تاريخية" الذي ارتكبه الصدريون بالاستقالة من البرلمان، والذين آلت مقاعدهم بغالبيتها الى قوى الإطار التنسيقي، الصديقة لإيران، بما في ذلك رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي الذي وصفه بأنه "العدو الرئيسي" لمقتدى الصدر.

واعتبر التقرير ان كل هذه الاضطرابات السياسية "كانت انتصارا للمتشددين الشيعة المتحالفين مع ايران، ومؤشرا على تبدد فكرة حكومة اغلبية عابرة للأعراق والطوائف، والتي كان الصدر قد اقترحها سابقا".

وفي اشارة الى جهود من داخل الاطار التنسيقي من اجل شمول التيار الصدري في التركيبة الحكومية الجديدة، والتي لم تتحقق، قال التقرير انها كشفت عن انقسامات بين صانعي السلام النسبيين داخل الاطار التنسيقي، ممثلين برئيس منظمة بدر هادي العامري، الذي أيد انضمام الصدر، وبين المتشددين بقيادة المالكي وقيس الخزعلي والذين استغلوا هذه الفرصة بهدف اخراج الصدر من المشهد السياسي.

تشكيل الحكومة والتنافس

وذكر التقرير ان الاطار التنسيقي كان قد اعلن عن تشكيل مظلة شاملة لجميع الاطراف، تحت اسم تحالف ادارة الدولة، لكن من دون وجود اتفاق رسمي او اعلان مبادئ، فإن هذا التحالف يظل بمثابة "كيان غامض" وبدون انسجام، مضيفا ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتحالف السيادة، وبخلاف تحالفهما السابق مع الصدر، لا يبدو انهما سيكونان ملتزمين بتحالف ادارة الدولة.

وبالاضافة الى ذلك، ذكر التقرير ان الاطار التنسيقي نفسه يعاني من خلافاته السياسية الخاصة، اذ انه يضم الفصائل المسلحة والاحزاب السياسية المدنية، والمتشددين والمعتدلين والبراغماتيين، وجماعات الميليشيات المرتبطة بعلاقات وثيقة مع ايران واطرافاً اخرى ليس لها مثل هذه العلاقات.

ولفت التقرير الى ان ضم الصدر او استبعاده من العملية السياسية، تسبب في تفاقم التوترات القائمة، مشيرا ايضا الى ظهور الخلافات على الوزارات والمناصب الاستراتيجية بشكل علني.

الا ان التقرير اعتبر انه في ظل الصراع الذي جرى، فإن المالكي والاحزاب التي تمثل الميليشيات المسلحة المرتبطة بايران، هي التي كان لها اليد العليا.

الخلاف على الوزارات

وبحسب التقرير، فإن المناقشات التي جرت بين الأحزاب حول مقاعد التشكيلة الحكومية المقترحة، كشفت عن المنافسة وسوء النية العامة في داخل المعسكرات الشيعية والسنية والكوردية.

واوضح التقرير ان فيما يتعلق بالإطار التنسيقي، فإن وزارة النفط كانت محل تنافس بين المالكي ورئيس تحالف الفتح هادي العامري، وآلت في النهاية إلى المالكي. أما عصائب اهل الحق فقد تنافست مع كتائب حزب الله على قيادة جهازيّ الأمن الوطني والمخابرات.

وفي المعسكر السني، تنافس رئيس البرلمان محمد الحلبوسي مع زعيم تحالف "عزم" مثنى السامرائي على وزارة الدفاع التي آلت إلى "عزم".

أما في المعسكر الكوردي، فقد اشار التقرير الى ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، تجادلا حول عدد الوزارات المخصصة لهما، فيما اعتبر الاتحاد الوطني الكوردستاني انه بالنظر لأن رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد كان باختيار من الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فإنه لا ينبغي احتسابه من ضمن حصته.

وعلى الرغم من ان التقرير لفت الى ان ما جرى هو بمثابة مناورات روتينية حول المناصب، الا انه اشار الى ان المنافسة الشديدة كشفت عن التصدعات داخل كل مجموعة طائفية وعرقية، مشيرا الى ان الوزارات هي في نهاية المطاف قيمتها عالية لانها توفر مصدرا مهما للضغط والايرادات للأحزاب السياسية، والمكاسب من خلال المحسوبية والفساد.

وخلص التقرير الى ان الجماعات الشيعية المتشددة خرجت منتصرة وفرضت هيمنتها ليس فقط على الشيعة المعتدلين، وانما على مجمل العملية السياسية، مضيفا ان صعود المتشددين يمثل انتصارا لايران التي نجحت في احياء وتماسك "البيت الشيعي" برغم غياب الصدر.

افاق الحكومة الجديدة

وبعدما لفت التقرير الى ابرز عناوين خطة البرنامج الحكومي للسوداني، تناول نقطة بارزة تتعلق بأنه لم يوجه دعوة الى انسحاب فوري للقوات الاجنبية من العراق.

وتابع ان البرنامج الحكومي "اغفل بشكل مثير للقلق"، اي اشارة الى الاصلاح السياسي والمؤسسي الملح، والذي يمثل احد المطالب الرئيسية لحركة تشرين الاحتجاجية.

وذكر التقرير ان سمعة السوداني تشير الى انه شخصية تتمتع بالقدرة والجدية والحيوية، وهو يتمتع بدعم الاحزاب الشيعية الرئيسية المنضوية في الاطار التنسيقي، كما ان المجتمع الدولي يبدو مستعدا للالتزام تجاهه، الا ان التقرير اعتبر انه في حال لم تؤدي المصالح الخاصة للاحزاب، الى احباطه، فقد يكون بمقدوره ان ينجز الكثير خلال السنوات الاربع، خصوصا في مجال توفير الخدمات وتطوير الكفاءة الحكومية.

وبرغم ان التقرير رأى ان من مصلحة الاحزاب استخدام الفائض المالي الكبير من اجل تطوير الخدمات الصحية والتعليمية وتعزيز توليد الكهرباء، وتوسيع فرص العمل  وتحسين مستوى المعيشة، الا انه اضاف ان "التحديات ستظل كبيرة حتى في القطاعات الخدمية التي لا تثير الخلاف، كالكهرباء، لان السوداني سيواجه مصالح مالية راسخة، قد تعرقل جهوده.

ولهذا، دعا التقرير السوداني الى ان يخطو بحذر وهو يتعامل مع مسائل قد تؤثر على قوة او العوائد المالية للجهات الفاعلة المهمة.

وعلى سبيل المثال، اشار التقرير الى المصالح النفطية، متناولا كيف ان المالكي كافح بقوة بهدف نيل وزارة النفط المربحة، التي تعتبر المركز العصبي للمالية العراقية واللاعبين الكبار.

وبالنسبة الى القطاع الامني، ذكر التقرير ان اللاعبين الكبار في الاطار التنسيقي، بما في ذلك المالكي وقوات الحشد الشعبي، يمارسون ضغوطا بهدف السيطرة على الاجهزة الامنية، مضيفا ان مثل هذه الخطوة تعتبر ضرورية من اجل القضاء على ما يتحدى سلطتهم مستقبليا ويجنبهم المساءلة، بالاضافة الى تقليم اجنحة الصدر.

وفيما وصفه بأنه "أمر ينذر بالسوء"، أوضح التقرير ان السوداني تعهد في برنامجه الحكومي "بدعم وتطوير القدرات المهنية لقوات الحشد الشعبي وبناء مؤسساتها"، واعتبر التقرير ان ذلك يشير الى انه لن تتم جهود من اجل الحد من القوة المتزايدة والأنشطة المتفلتة للجماعات شبه العسكرية.

الأسماك الصغيرة

وحول تعهد السوداني بمحاربة الفساد، بدأ التقرير متحفظا بقوله انه "بقدر ما كان سلفه مصطفى الكاظمي، ليس بمقدوره القبض الا على الأسماك الصغيرة، فإنه من غير المرجح ان يقدم السوداني الى العدالة أسماك القرش الكبيرة الذين هم الرعاة الحقيقيون للفساد في البلد".

وبكل الأحوال، اعتبر التقرير انه "ليس بالإمكان حدوث عمليات تهريب النفط على نطاق واسع، الا من خلال التواطؤ السياسي"، مشيرا الى انه "سيكون من الصعب على السوداني ان يحاسب اي فاعل سياسي".

خلافات اللاعبين.. والكورد

ومن التحديات امام السوداني انه سيضطر الى التعامل مع الخلافات بين العديد من اللاعبين السياسيين، مضيفا ان خلافات ستظهر بسرعة بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان حول عقود النفط وتقاسم الإيرادات، مذكرا بأن اطرافاً فاعلة داخل الاطار التنسيقي اخذت مواقف متشددة ضد حكومة اقليم كوردستان فيما يتعلق بقضية النفط.

وتابع قائلا انه ليس وضعا مريحا بالنسبة الى الكورد ان وزير النفط الجديد معين من قبل المالكي، مضيفاً ان المفاوضات حول قانون النفط ودستورية عقود حكومة الاقليم ستجبر السوداني على ان يسير على حبل مشدود بين مصالح حكومة الاقليم ومصالح لاعبي الاطار التنسيقي.

واضاف ان هناك ايضا المطالبة السنية بإخراج قوات الحشد الشعبي من المناطق السنية التي تم تحريرها من داعش، والتصدي للاستغلال الاقتصادي من جانب الحشد الشعبي لهذه المناطق، وهو ما سيضع السوداني في موقف صعب يتمثل في دور الوساطة بين الميليشيات داخل الاطار، وبين السنة الذين منحوه ثقتهم.

علاقات اقليمية

اما حول التحدي الاخير الذي يواجهه السوداني، فقد ذكر التقرير انه يتعلق بمتابعة العلاقات مع جيران العراق ومع المنطقة الاوسع، مذكرا بأن تطوير العلاقة مع الدول العربية كان بدأها حيدر العبادي ثم جرى توسيعها وتعميقها في وقت لاحق من خلال مصطفى الكاظمي، الذي طور علاقات دبلوماسية واقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي والاردن ومصر، واستضاف جلسات حوار بين ايران والمملكة السعودية.

وبعدما لفت التقرير الى ان السوداني يقترح في برنامجه الوزاري تعزيز هذه العلاقات، اشار الى ان الاطار التنسيقي يتعاطى باشتباه مع هذه العلاقات مع الدول العربية حيث يخشى من ان تؤدي الى تقويض مصالح ايران السياسية والاقتصادية، وبالتالي مصالحهم الخاصة بهم.

خلاصة

وختم التقرير الامريكي بالقول ان "السوداني يظهر حرصا على ان يضع بصمته الخاصة على الحكومة الجديدة، وينتقل بشكل سريع من نظام يسيطر عليه التيار الصدري الى نظام يسيطر عليه الاطار التنسيقي"، مشيرا الى انه خلال الايام الاولى من ولايته، اقال السوداني مسؤولين عينهم الكاظمي في الاجهزة الامنية والاستخبارات، بالاضافة الى موظفين في مكتب رئيس الوزراء.

وتابع التقرير ان هذه الطبيعة السريعة والشاملة لهذه الاجراءات يطلق عليها "تطهير" بحق حلفاء الكاظمي والصدر، مضيفا ان هناك نفحة من الانتقام في هذه الاجراءات لان عمليات الاقالات ترافقت مع حملة يقودها الاطار التنسيقي تطالب باحتجاز الكاظمي ومسؤوليه، بتهم الفساد.

ورأى التقرير انه فيما من السابق لاوانه ان يتم قياس التداعيات السياسية لهذه الإقالات، الا ان العديد من الشخصيات البديلة التي جاءت مكانها في مكتب رئاسة الوزراء مرتبطة بالحشد الشعبي والمالكي.

وختم التقرير بالقول ان السوداني "براغماتي وقد يرغب بتجنب المواجهة"، الا انه اشار الى التحالف الواسع بين الاطار التنسيقي والاحزاب الكوردية والسنية التي شكلت معا الحكومة، هو ائتلاف هش وغير مستقر، وان السوداني من اجل ان يتمكن من النجاح في المهام التي حددها لنفسه كرئيس للحكومة، فإنه سيتحتم عليه الاستعداد من اجل مقاومة الضغوط من جانب من المتشددين في الإطار التنسيقي والعمل من اجل التوفيق بين مصالح العديد من الشركاء في العملية السياسية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon