"سقوط الذريعة" وراء تصعيد الفصائل العراقية.. ماذا ينتظر سلاح المقاومة بعد شهرين؟
شفق نيوز- بغداد/ واشنطن
عاد خطاب التصعيد من جانب عدد من الفصائل المسلحة في العراق إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع تطورات داخلية وإقليمية متسارعة، أبرزها الجدل حول ملف حصر السلاح بيد الدولة، وحملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة.
إضافة إلى مراسم التشييع الواسعة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي في النجف وكربلاء، والتي رأت فيها أطراف سياسية مؤشراً على استمرار الحضور الشعبي والسياسي للقوى القريبة من طهران.
وتزامن ارتفاع نبرة الخطاب مع مرحلة حرجة تشهدها بغداد، حيث تحاول حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي المضي في مسارين متوازيين؛ الأول إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الرسمية، والثاني ملاحقة ملفات الفساد واستعادة الأموال العامة، في خطوات يرى مراقبون أنها قد تعيد رسم توازنات القوة داخل الدولة العراقية.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات منحت الفصائل مساحة جديدة لإظهار قدرتها على التعبئة الشعبية، في وقت تواجه فيه ضغوطاً متزايدة لإعادة تعريف دورها داخل الدولة، خصوصاً مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة لإنجاز خطوات حصر السلاح بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق خلال أيلول/ سبتمبر المقبل، وبهذا تكون "ذريعة" التمسك بالسلاح قد انتهت، مع نهاية الوجود الأجنبي بالبلاد.
خطاب تصعيدي
وفي هذا السياق، يقول عضو الحزب الجمهوري الأميركي، مالك عزيز فرنسيس، إن تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي لبعض الفصائل المسلحة يأتي نتيجة تداخل عوامل داخلية وإقليمية، مشيراً إلى أن هذه القوى تدرك أن العراق يمر بمرحلة إعادة ترتيب للأولويات السياسية والأمنية.
ويضيف فرنسيس لوكالة شفق نيوز، أن ارتفاع نبرة الخطاب قد يُقرأ باعتباره محاولة للحفاظ على الحضور والتأثير في مرحلة تشهد تغيرات في موازين القوى، فضلاً عن كونه رسالة لإظهار الجاهزية والقدرة على التأثير في حال شهد الإقليم تصعيداً جديداً بين الولايات المتحدة وإيران.
ويشير إلى أن استمرار جهود الدولة في مكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون واحتكار استخدام القوة يفرض واقعاً جديداً على القوى المسلحة، ما قد يفسر ارتفاع مستوى الخطاب السياسي لبعضها خلال هذه المرحلة.
لكن فرنسيس يستبعد أن يعني الخطاب التصعيدي بالضرورة اقتراب مواجهة عسكرية، موضحاً أن الرسائل السياسية والإعلامية غالباً ما تستخدم في إدارة الأزمات وتحسين المواقع التفاوضية دون أن تتحول بالضرورة إلى صدام مباشر.
التشييع رسالة حضور
من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي، رمضان البدران، أن تصاعد خطاب الفصائل "متوقع"، معتبراً أن زيادة الضغط باتجاه حل أو إعادة هيكلة هذه الجماعات ستقابل بخطاب أكثر تشدداً وربما بتحركات تصعيدية.
ويقول البدران لوكالة شفق نيوز إن "هذه الفصائل لا تمتلك برنامجاً لتفكيك نفسها أو إذابة وجودها داخل الواقع العراقي"، مشيراً إلى أن الظروف الإقليمية الحالية، ولا سيما وضع إيران، تجعلها بحاجة إلى الحفاظ على أوراق ضغط متعددة.
ويضيف أن أي تحركات إقليمية تستخدم ساحات مختلفة للضغط والتفاوض قد تنعكس على العراق، معتبراً أن خصوصية الحالة العراقية تكمن في أن جزءاً من هذا التحدي يأتي من داخل البيئة العراقية نفسها وليس من خارجها فقط.
ويعتقد البدران أن مراسم التشييع الأخيرة شكلت استعراضاً سياسياً مهماً، أظهر وجود مساحة اجتماعية داخل العراق، خصوصاً في البيئة الشيعية، تتفاعل مع الحالة الإيرانية، مضيفاً أن التحدي أمام الحكومة يتمثل في كيفية معالجة إرث طويل من تداخل السيادة والنفوذ الداخلي والخارجي خلال فترة زمنية قصيرة.
حصر السلاح
وتأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لإعادة فتح ملف حصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف ظل من أكثر القضايا تعقيداً منذ عام 2003، وازداد حضوراً بعد عام 2014 عقب الحرب ضد تنظيم "داعش" وإضفاء إطار قانوني على هيئة الحشد الشعبي.
وتشير دراسات سياسية حديثة إلى أن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطاً بوجود السلاح خارج المؤسسة الرسمية فقط، بل بطبيعة سلاسل القيادة والولاءات، إذ ترى بغداد أن امتلاك الدولة للسلاح لا يكفي ما لم يكن قرار استخدامه خاضعاً حصراً للقيادة العامة للقوات المسلحة.
وكانت الحكومة قد أعلنت توجهها نحو مقاربة تدريجية تقوم على فك الارتباط بين بعض الفصائل وهيئة الحشد الشعبي، وإعادة تنظيم العلاقة مع المؤسسات الأمنية، فيما أعلنت فصائل مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي استعدادها للاندماج ضمن إطار الدولة، بينما رفضت فصائل أخرى، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، التخلي عن سلاحها.
دوافع محلية وإقليمية
وفي هذا الجانب، ترى الباحثة السياسية، نوال الموسوي، أن عودة خطاب التصعيد تحمل أسباباً محلية وإقليمية ودولية.
وتقول الموسوي لوكالة شفق نيوز، إن العامل المحلي يرتبط بمحاولة تثبيت النفوذ بعد مراسم التشييع التي وصفتها بأنها "حشد جماهيري كبير وملفت"، مشيرة إلى أن ذلك قد يمثل رسالة مرتبطة بالمرحلة المقبلة وبالسقوف الزمنية التي وضعتها الحكومة بشأن حصر السلاح.
وتضيف أن هناك محاولة للحفاظ على التوازن في مواجهة الدور الأميركي، خصوصاً بعد أن أصبح ملف إعادة تنظيم الفصائل مرتبطاً بشكل مباشر بالعلاقة بين بغداد وواشنطن.
كما تشير إلى أن المتغير الإقليمي، ولا سيما تصاعد الدور التركي وتعزيز التعاون مع حلف الناتو، قد يؤثر في حسابات القوى المرتبطة بإيران، بينما يرتبط البعد الدولي بالتوترات بين روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط، ما يجعل العراق جزءاً من شبكة أوسع من التنافسات.
واشنطن تراقب
من جانبه، يقول الكاتب وأستاذ العلوم السياسية في واشنطن، نبيل ميخائيل، إن الولايات المتحدة تراقب التطورات العراقية والإقليمية عن كثب، وتسعى إلى رؤية استمرار المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران.
ويستبعد ميخائيل خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، عودة صراع عسكري واسع بين الولايات المتحدة وإيران في المرحلة الحالية، خصوصاً مع وجود قنوات وساطة، مشيراً إلى أن الأولوية تكمن في الحفاظ على اتفاقات وقف إطلاق النار وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وفي المقابل، ترى تحليلات سياسية أن إيران تنظر إلى ملف الفصائل المسلحة في العراق باعتباره جزءاً من منظومة نفوذ إقليمية، وأن أي تقليص لدور هذه الجماعات قد يؤثر في إحدى أهم أدوات تأثيرها في المنطقة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وبينما يرى بعض المراقبين أن العراق مقبل على مرحلة إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والفصائل، يعتقد آخرون أن المسار الأكثر احتمالاً هو الاحتواء التدريجي وليس المواجهة المفتوحة.
وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي، خالد وليد، إنه لا توجد مؤشرات واضحة على تصعيد قريب، معتبراً أن رسائل الفصائل تمثل مواقف سياسية قابلة للإدارة، وأن التوجه العام داخل الدولة يميل إلى التهدئة ومعالجة الملفات عبر التفاهمات.
ويضيف وليد لوكالة شفق نيوز، أن موقف القوى السياسية والحكومة بشأن حصر السلاح وانسحاب التحالف الدولي وبرامج الإصلاح أصبح واضحاً، وأن المرحلة المقبلة ستتجه نحو احتواء التوترات.
من جانبها، تؤكد إسراء نجم، عضو الهيئة العامة لحركة الصادقون (الجناح السياسي لعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي) دعم الحركة لرئيس الوزراء علي الزيدي في العمل الحكومي، مشيرة إلى أن ملف مكافحة الفساد يجب أن يطال كل من تثبت إدانته بالأدلة وبقرار قضائي.
وتختتم، نجم، حديثا لوكالة شفق نيوز، بالقول إن موقف الحركة من مراسم التشييع كان واضحاً، وإن المشاركة عكست، بحسب رأيها، وحدة واسعة داخل البيت الشيعي في استقبال وتشييع خامنئي.