رواتب العراق في 2026.. الموظفون على حافة الصدمة المالية
شفق نيوز- بغداد
مع حلول عام 2026،
يدخل الاقتصاد العراقي مرحلة حرجة، وسط استمرار الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات
النفطية وارتفاع الالتزامات المالية الثابتة مثل الرواتب والمعاشات والدعم
الاجتماعي، في وقت لا تزال فيه الحكومة الجديدة غير مشكّلة والموازنة الاتحادية
غير معتمدة من قبل مجلس النواب.
ويشير خبراء الاقتصاد
إلى أن موازنة 2026 تمثل أزمة مؤجلة أكثر من كونها عجزاً عابراً، إذ إن استمرار
تضخم الإنفاق الجاري مقابل ضعف الإيرادات غير النفطية، يجعل الأمان الوظيفي في
القطاع العام مؤقتاً ويضع المالية العامة أمام اختبار صعب، في وقت يتوقع فيه
انخفاض أسعار النفط العالمية إلى مستويات قد تصل إلى 55 دولاراً للبرميل أو أقل.
الضمان الرسمي
وفي هذا السياق، يرى
مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، أن الرواتب
والأجور والمعاشات التقاعدية إضافة إلى مدفوعات الرعاية الاجتماعية تعد التزامات
سيادية منتظمة لا يمكن تأجيلها حتى في ظل هبوط أسعار النفط العالمية.
ويوضح صالح لوكالة شفق
نيوز أن متوسطات أسعار النفط قد هبطت عن المستوى الذي اعتمدته الموازنة العامة
الثلاثية بنسبة تتراوح بين 5–9٪، نتيجة تشكل تخمة نفطية عالمية تقدر بنحو 3 ملايين
برميل يومياً، من أصل إنتاج عالمي يقارب 102 مليون برميل يومياً، ومع ذلك، فإن
الإيرادات العامة ما تزال خاضعة لتقلبات أسعار النفط، إذ تشكل العوائد النفطية
حوالي 90٪ من إجمالي الإيرادات.
ويضيف أن إجمالي
الرواتب والمعاشات ومدفوعات الرعاية الاجتماعية يبلغ نحو 8 تريليونات دينار عراقي
شهرياً، أي ما يعادل قرابة 6.5 مليارات دولار وفق سعر الصرف الرسمي الثابت، مشيراً
إلى أن هذه المدفوعات تمنح الموازنة بعداً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز كونها
بنداً محاسبياً صرفاً، حيث ينتفع بها أكثر من 35 مليون مواطن بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبناءً على ذلك، يشدد
صالح على أن الالتزام بصرف الرواتب والمعاشات يعد أولوية سيادية لا تخضع لمخاطر
التأجيل أو التأخير حتى في ظل أشد الضغوط المالية وتقلبات أسواق الطاقة.
تحديات مستقبلية
لكن الباحث الاقتصادي
أحمد عيد يرى أن هذه الضمانات الرسمية لا تلغي المخاطر الكامنة على المالية
العامة، إذ أن موازنة 2026 تعكس "أزمة مؤجلة أكثر من كونها عجزاً
عابراً".
ويوضح عيد لوكالة شفق
نيوز أن "موازنة العراق لعام 2026 تعكس ملامح أزمة مؤجلة أكثر من كونها عجزاً
عابراً، إذ تستمر الحكومة في توسيع الالتزامات الثابتة، وعلى رأسها الرواتب، دون
بناء مصادر إيراد مستدامة أو تنفيذ إصلاحات حقيقية في هيكل الإنفاق".
ويضيف: "ورغم
التأكيدات الرسمية بأن رواتب الموظفين محمية، فإن الخطر الفعلي لا يتمثل بالقطع
المباشر، بل بتآكل القدرة المالية للدولة عبر الاقتراض والسحب من الاحتياطيات وترحيل
الأزمات إلى السنوات المقبلة".
ويرى أن "استمرار
الاعتماد شبه الكامل على النفط، مع تضخم الإنفاق الجاري وضعف الإيرادات غير
النفطية، يحوّل الأمان الوظيفي إلى وهم مؤقت، ويضع المالية العامة أمام اختبار
قاسٍ، وإذا لم تُقترن موازنة 2026 بإجراءات إصلاحية جادة، فإن رواتب اليوم قد
تتحول إلى عبء يهدد استقرار الغد".
الخيارات الاقتصادية
من جانبه، يؤكد الخبير
الاقتصادي مصطفى الفرج أن "موازنة العراق لعام 2026 تواجه ضغوطاً اقتصادية
كبيرة في ظل وجود عجز حكومي وديون داخلية وخارجية، وبما أن العراق بلد ريعي يعتمد
على النفط بنسبة 90 بالمئة، فإن أي انخفاض إضافي في الأسعار العالمية سيؤثر مباشرة
على قدرة الدولة على الوفاء بالالتزامات".
ويبين الفرج لوكالة
شفق نيوز أن "الحكومة العراقية الجديدة يجب أن تحدد تسعير النفط عند 55
دولاراً على الأقل، وضبط النفقات وحصر الإيرادات للدولة، بما في ذلك الضرائب
والجمرك والقطاعات الاقتصادية الأخرى مثل السياحة والزراعة والصناعة".
ويضيف: "طالما
بقيت أسعار النفط عند 55 دولاراً فلا مخاوف على الرواتب، لكن عند انخفاضها تحت 50
دولاراً، ستكون هناك مخاوف حقيقية على القدرة المالية لتغطية الرواتب".
علاوة على ذلك، فإن
الاقتصاد العراقي "مبني على أسس خاطئة حيث إن 80 بالمئة من الموازنة تشغيلية،
وهذا يتطلب إعادة حسابات اقتصادية وتنويع مصادر الدخل وحصر النفقات"، بحسب
الفرج.
الرؤية المستقبلية
من الجانب السياسي،
يرى عضو مجلس النواب العراقي، كاظم الشمري، أنه "دائماً ما تم التأكيد على
دعم القطاع الخاص وتنويع مصادر الاقتصاد والواردات، وعدم الاقتصار على مبيعات
النفط لتكون هناك إيرادات أخرى إلى جانب النفط".
ويضيف الشمري لوكالة
شفق نيوز أن "معالجة الفرق الشاسع بين سعر البيع الذي يبيعه البنك المركزي
والسوق الموازية، ودعم الحكومة الجديدة للزراعة والصناعة، هو السبيل لتنويع مصادر
الدخل ورفع سعر الدينار العراقي مقابل الدولار".
ويتوقع النائب أن
"الحكومة خلال الشهرين المقبلين لن تستطيع تأمين رواتب الموظفين من إيرادات
النفط، حيث يتم حالياً اقتراض الرواتب من البنك المركزي أو المصارف الحكومية لسد
الرواتب، ما يتطلب إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً ودعماً مطلقاً للقطاع الخاص".
وتشير البيانات
الرسمية إلى أن العراق يواجه عجزاً مالياً كبيراً نتيجة ارتفاع الإنفاق العام
مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية، في وقت يبلغ فيه عدد الموظفين 4.5 مليون
موظف وعدد المتقاعدين المدنيين والعسكريين 2.9 مليون متقاعد، ويستفيد نحو 43 مليون
مواطن من البطاقة التموينية، مع وجود نحو 4.5 مليون اسم غير مستحق كان يُصرف لهم
الدعم سابقاً.