رغم انخفاض حالات الطلاق في العراق.. مختصون يواصلون التحذير من "التفكك الأسري"

رغم انخفاض حالات الطلاق في العراق.. مختصون يواصلون التحذير من "التفكك الأسري"
2026-01-20T20:40:34+00:00

شفق نيوز- بغداد

شكلت حالات الطلاق المتزايدة في عموم العراق حتى أصبح "ظاهرة اجتماعية"، حالة من القلق شغلت الرأي العام وحذرت منها المنظمات المعنية بالأسرة وكذلك الباحثون الاجتماعيون، بل أنها استدعت تدخل المرجعيات الدينية التي دعت في مناسبات عدة إلى ضرورة الالتفات إلى الأمر وبحث أسبابه وإيجاد حلول مناسبة.

وتعددت الآراء التي شخصت السبب وراء تزايد حالات الطلاق، حيث نسبها البعض إلى تحسن الوضع المعيشي للموظفين بعد إقرار سلم الرواتب في العام 2008، في حين يرى الآخرون عكس ذلك ويعتبرون أن ضعف الوضع الاقتصادي لدى شريحة واسعة من المواطنين هو السبب الرئيسي في الطلاق.

فيما اتهم آخرون الانفتاح على القنوات الفضائية وما تبثه من مسلسلات وأفلام تشجع على الطلاق، قبل أن تدخل مواقع التواصل الاجتماعي على خط الأزمة.

ومع اختلاف الأسباب والمسببات، شهدت السنوات الأخيرة انخفاضاً ملحوظاً في حالات الطلاق مقارنة بما سبقها من سنوات، ووفقاً للإحصاءات الشهرية التي يُصدرها مجلس القضاء الأعلى والتي ترده من المحاكم والتي راجعتها وكالة شفق نيوز، فقد سجل العام الماضي أدنى حالات طلاق، وكان شهر كانون الأول/ ديسمبر 2025 هو الأقل بين شهور السنة.

وبحسب إحصائية العام الماضي، فقد بلغت حالات الطلاق في كانون الأول/ ديسمبر 4888 حالة، يليه شهر آذار/ مارس بـ4974 حالة طلاق، في حين سجل شهر تشرين الأول/ أكتوبر أعلى حصيلة بـ7470 حالة، يليه شهر تموز/ يوليو بـ6910 حالات طلاق.

وبالرغم من هذا الانخفاض إلا أن المختصين الاجتماعيين والقانونيين ما زالوا يشعرون بالقلق من معدل حالات الطلاق ويحذرون من "التفكك الأسري" في حال لم يتم إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة الأسرية والاجتماعية.

وتصدّرت رئاسة محكمة استئناف بغداد/ الرصافة عدد حالات الطلاق المسجّلة خلال الشهر، بواقع 798 حالة، تلتها محكمة استئناف بغداد/ الكرخ بـ 692 حالة، فيما سجلت محكمة استئناف نينوى 530 حالة طلاق.

ويعزو مختصون هذه الأرقام إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط الحياة في المدن الكبرى، فضلًا عن تغيّر أنماط العلاقات الأسرية.

وفي كركوك، أظهرت الإحصائية تسجيل 252 حالة طلاق خلال شهر واحد فقط، مقابل 916 عقد زواج، وهو رقم يراه مراقبون مؤشراً على وجود اختلال في استقرار الحياة الزوجية، خاصة في محافظة شهدت خلال السنوات الماضية تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية متراكمة.

كما سجلت ذي قار 295 حالة طلاق، والأنبار 300 حالة، وديالى 343 حالة، بينما بلغت حالات الطلاق في البصرة 253 حالة، وكربلاء 245 حالة، وبابل 241 حالة.

وفي المقابل، سُجلت أرقام أقل نسبياً في محافظات مثل ميسان بـ71 حالة والمثنى بـ 92 حالة، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في الاستقرار الأسري بين المحافظات.

وفي قراءة قانونية لهذه الظاهرة، يقول المحامي حسن عبد الله في تصريح لوكالة شفق نيوز إن "الارتفاع المتزايد في حالات الطلاق يعود إلى تغير ثقافة المجتمع تجاه حل الخلافات الزوجية، حيث أصبح اللجوء إلى القضاء خياراً مباشراً، وليس الحل الأخير كما كان في السابق".

ويضيف أن "ازدياد وعي الأزواج، لا سيما النساء، بحقوقهم القانونية والشرعية، شجّع الكثيرين على إنهاء علاقات زوجية غير مستقرة، بدل الاستمرار فيها تحت ضغط اجتماعي أو عائلي"، مشيراً إلى أن "بعض الزيجات كانت تُحافظ على شكلها فقط، دون مضمون حقيقي".

من جانبه، يربط المحامي ستار خالد تصاعد حالات الطلاق بالعامل الاقتصادي، قائلاً في تصريح لوكالة شفق نيوز إن "الضغوط المعيشية، وارتفاع الإيجارات، والبطالة، وعدم استقرار العمل، أصبحت من أبرز أسباب الخلافات الزوجية، خصوصاً بين الأزواج الجدد".

ويوضح خالد أن "المحاكم تشهد تزايداً في دعاوى الطلاق خلال السنة الأولى أو الثانية من الزواج، نتيجة عدم القدرة على توفير متطلبات الحياة، أو بسبب الهجرة والسفر الطويل، فضلاً عن التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي في خلق توقعات غير واقعية عن الزواج".

وفي مثال صادم يعكس حجم التسرّع في اتخاذ قرارات الزواج والانفصال، شهدت إحدى المحافظات العراقية حالة طلاق لم تستمر سوى ساعتين فقط بعد عقد القِران.

ويقول محمود مسعود في تصريح لوكالة شفق نيوز إن "الخلاف نشب مباشرة بعد مراسم العقد، نتيجة سوء تفاهم حاد بين العريس وعروسته، وتدخلات عائلية، ما دفع الطرفين إلى إنهاء الزواج رسمياً خلال وقت قياسي".

ويعتبر مسعود أن "هذه الحالة، رغم غرابتها، لم تعد استثناءً، بل أصبحت تعكس واقعاً مقلقاً يتمثل في غياب النضج والاستعداد النفسي قبل الزواج، والخضوع لضغوط المجتمع دون دراسة حقيقية للتوافق".

من جانبها، ترى الطالبة الجامعية سندس علي أن ارتفاع حالات الطلاق يعكس تحولات عميقة في وعي الجيل الجديد، قائلةً إن "الكثير من الشباب اليوم لم يعد يقبل بالاستمرار في زواج فاشل لمجرد إرضاء المجتمع، خاصة مع ازدياد وعي النساء بحقوقهن وحرصهن على التعليم وبناء المستقبل".

وتضيف أن "الزواج المبكر، والتسرع في اتخاذ القرار، وتدخل الأهل في تفاصيل الحياة الزوجية، كلها عوامل تؤدي إلى انهيار العلاقة سريعاً عند أول خلاف".

بدوره، يقول الشاب أحمد سالم، وهو موظف في القطاع الخاص، لوكالة شفق نيوز، إن "الواقع المعيشي الصعب جعل الحياة الزوجية أكثر تعقيداً"، موضحاً أن "الراتب بالكاد يغطي الإيجار والمصاريف الأساسية، ما يخلق ضغطاً نفسياً دائماً داخل الأسرة".

ويضيف أن "غياب التخطيط قبل الزواج، وعدم التفاهم حول المسؤوليات، وتوقعات الأهل، كلها أسباب تدفع الكثير من الأزواج إلى الطلاق خلال فترة قصيرة".

ويرى مختصون اجتماعيون أن خطورة هذه الأرقام لا تكمن في عدد حالات الطلاق وحدها، بل في آثارها الممتدة على الأطفال والمجتمع، من تفكك الروابط الأسرية، وارتفاع نسب المشاكل النفسية، وصولاً إلى تأثيرها على الاستقرار الاجتماعي.

ورغم تسجيل 27 ألفاً و2 عقد زواج خلال الشهر نفسه، إلا أن خبراء يؤكدون أن ارتفاع الزواج لا يقلل من خطورة تصاعد الطلاق، ما لم تُعالج أسبابه الجذرية، وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي، وغياب برامج الإرشاد الأسري، وضعف الثقافة الزوجية قبل الزواج.

ومع استمرار تسجيل آلاف حالات الطلاق شهرياً، يحذّر مراقبون من أن الأسرة العراقية تقف أمام تحدٍ حقيقي، يتطلب تدخلاً حكومياً ومجتمعياً عاجلاً، لضمان أن لا تتحول حالات الزواج السريعة إلى قصص انفصال أسرع، وأن تبقى الأسرة ركيزة أساسية للاستقرار في مجتمع يواجه أزمات متراكمة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon