أربعة أيام بين خروج التحالف ودخول "داعش".. ماذا ينتظر العراق؟

أربعة أيام بين خروج التحالف ودخول "داعش".. ماذا ينتظر العراق؟
2026-01-23T21:00:09+00:00

شفق نيوز- بغداد

لم يمضِ على إعلان وزارة الدفاع العراقية، السبت الماضي، انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد الجوية غرب البلاد، سوى أربعة أيام فقط لتعلن بعدها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأربعاء الماضي، إطلاق مهمة جديدة، لنقل سجناء تنظيم "داعش" من شمال شرقي سوريا إلى العراق.

ويأتي هذا التزامن في وقت حساس على الصعيدين الأمني والسياسي، حيث تواجه الحكومة العراقية تحديات متزايدة على الحدود الشمالية والغربية مع سوريا، في ظل هشاشة نسبية على الصعيد الاستراتيجي بعد انسحاب القوات الأميركية، بحسب مراقبين.

ويشير المراقبون إلى أن نقل معتقلي "داعش" إلى العراق يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على ضبط الأمن الداخلي وإدارة الأزمة، وسط مخاوف من إعادة تنشيط خلايا التنظيم واستغلال الفوضى في المناطق الحدودية.

كما يعكس الانسحاب الأميركي انتقال العلاقة بين بغداد وواشنطن من وجود عسكري مباشر إلى تعاون تدريبي واستشاري، ما يضاعف مسؤولية القوات العراقية في حماية السيادة ومواجهة أي تهديد محتمل.

وبينما تصور الحكومة العراقية الانسحاب على أنه تتويج لمسار تفاوضي طويل وتعزيز لسيادة الدولة، يرى مراقبون أن الخطوة، رغم رمزيتها، جاءت في توقيت إقليمي حساس.

توقيت حرج

وفي هذا السياق، يقول الخبير الأمني والعميد المتقاعد عدنان الكناني، إن انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "لم يكن مفاجئاً، بل جاء نتيجة تفاوضات سابقة بين الجانبين العراقي والأميركي"، مشيراً إلى أن هذا المسار كان قائماً منذ سنوات.

غير أن الكناني ينتقد خلال حديثه لوكالة شفق نيوز توقيت الخطوة، معتبراً أن التطورات الإقليمية المتسارعة ولا سيما في سوريا كانت تتطلب خيارات مختلفة.

ويضيف أن "الحكومة العراقية، وبدلاً من تعزيز التعاون الأمني الخارجي، سمحت بإدخال مسجوني داعش من سوريا إلى العراق في ظل وضع أمني وسياسي حرج"، واصفاً ذلك بأنه "تخبط في إدارة الأولويات الأمنية".

عودة محتملة

من جانبها، رأت الباحثة في الشأن السياسي نوال الموسوي أن انسحاب التحالف الدولي لا يعني نهاية دوره فعلياً، قائلة إن "التحالف خرج من الباب، لكنه قد يعود من الشباك"، في إشارة إلى انتهاء دوره القتالي المباشر مقابل احتمال عودته بأشكال أخرى.

وتوضح الموسوي في حديث لوكالة شفق نيوز، أن العراق أنهى وجود التحالف كقوة تقود العمليات ضد "داعش"، لكنه "قد يضطر لإعادته لحماية سجون التنظيم"، معتبرة أن هذا الملف يمثل "مسؤولية دولية" بحكم أن آلاف المعتقلين يحملون جنسيات أجنبية، لا سيما من دول أوروبية ترفض استعادة رعاياها لأسباب داخلية.

وتضيف أن التحالف الدولي تشكل بقرار من مجلس الأمن، ما يمنحه ثقلاً سياسياً كنموذج توازن إقليمي، فضلاً عن دوره الأمني الذي لا يشبه نماذج أخرى كحلف الناتو، وبرأيها، فإن هذا الإطار كان يدعم حاجة العراق لمواجهة "داعش" حتى خارج حدوده، كما حدث في عمليات الإنزال داخل الأراضي السورية لملاحقة مطلوبين للقضاء العراقي.

وترى الموسوي أن التداعيات الفعلية للانسحاب "تتعلق بالمخاوف الأمنية من إعادة تنشيط الخلايا النائمة أو تسلل عناصر عبر الحدود الوعرة، خصوصاً مع تركيا"، مؤكدة أن ملف السيادة "لم يتأثر فعلياً"، بل استُخدم كورقة ضغط عراقية على دول فاعلة في صنع القرار الدولي دون استثمارها بصورة أكثر فاعلية.

سيادة وتحديات

بدوره، يقول النائب في البرلمان العراقي علي الدلفي إن انسحاب قوات التحالف من القواعد العراقية جاء نتيجة "ضغوط سياسية داخلية تتعلق بالسيادة، وتصاعد الهجمات على القواعد، إلى جانب تفاهمات بين بغداد وواشنطن لتحويل العلاقة من وجود عسكري إلى تعاون تدريبي واستشاري".

ويوضح الدلفي لوكالة شفق نيوز، أن التداعيات المباشرة للانسحاب تتمثل بـ"تعزيز رمزي للسيادة العراقية وتسلم الدولة لإدارة القواعد"، لكنه حذر في الوقت نفسه من "تحديات أمنية محتملة تتعلق بقدرات الاستخبارات والدعم الفني".

ويشير إلى أن الخطوة تؤثر أيضاً على توازن العلاقات الإقليمية، من خلال تقليل التوتر مع بعض الأطراف، لكنها في المقابل "ترفع من مسؤولية العراق في ضبط أمنه الداخلي ومنع أي فراغ أمني".

انكشاف استراتيجي

في المقابل، أطلق السياسي العراقي البارز مثال الآلوسي تحذيراً أشد لهجة، معتبراً أن انسحاب القوات الأميركية جعل بغداد "دولة مكشوفة استراتيجياً".

ويقول الآلوسي لوكالة شفق نيوز إن القرار الأميركي "يعكس عدم اعتبار العراق صديقاً أو حليفاً"، مشدداً على أن الانسحاب "قلل من مسؤولية واشنطن تجاه الدفاع عن السيادة العراقية"، ما يضع عبئاً كبيراً على الحكومة في التعامل بجدية مع التحذيرات والمطالب الأميركية.

ويضيف أن "واشنطن تنظر إلى بغداد على أنها أقرب إلى طهران ومحور الإرهاب منها إلى دولة مستقلة وذات سيادة"، محذراً من أن هذا التصور يتطلب من الحكومة العراقية الإسراع في تعزيز علاقاتها مع العالم الحر والإدارة الأميركية، في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة عسكرياً.

وتأتي التحذيرات العراقية في ظل تطورات أمنية وسياسية لافتة في سوريا، بعد سيطرة الحكومة السورية على مناطق كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بما فيها سجون ومخيمات تضم آلاف مقاتلي "داعش" وعوائلهم، قرب الحدود العراقية، مثل الهول وغويران والحسكة والقامشلي.

ويؤكد خبراء أمنيون في تقارير سابقة لوكالة شفق نيوز أن هذه التطورات تعقد المشهد الأمني على الحدود العراقية – السورية الممتدة لنحو 618 كيلومتراً، خصوصاً في محافظتي نينوى والأنبار، محذرين من أن ملف السجون السورية يمثل "قنبلة موقوتة".

وتشير التقديرات إلى وجود نحو 12 ألف مقاتل أجنبي في سجن غويران وحده، بينهم قرابة ألفي قيادي بارز، إلى جانب آلاف من أفراد عوائلهم، ما يجعل أي فوضى محتملة في سوريا تهديداً مباشراً للأمن الداخلي العراقي.

وفي هذا الإطار، أعلنت القيادة المركزية للجيش الأميركي، الأربعاء الماضي، نقل 150 معتقلاً من تنظيم "داعش" من سجون الحسكة إلى العراق، مشيرة إلى أن الهدف هو منع فرارهم، مع توقعات بنقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل خلال الأيام المقبلة.

ورغم تأكيد السلطات العراقية أن الحدود مؤمنة بنسبة كبيرة عبر جدار كونكريتي وخطوط دفاع متعددة وكاميرات حرارية وطائرات استطلاع، يحذر محللون من أن انسحاب القوات الأميركية يجعل تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي الإقليمي ومراقبة ملف السجون أمراً بالغ الأهمية، لتفادي انكشاف استراتيجي قد يدفع العراق ثمنه في مرحلة شديدة الاضطراب إقليمياً.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon