خاص.. مخاوف عراقية من الضربة النووية على إيران
شفق نيوز- بغداد/ طهران
أثار التلويح باحتمال استخدام السلاح النووي ضد إيران مخاوف من امتداد تداعيات أي ضربة إلى دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، الذي يواجه تساؤلات بشأن سلامة مياهه وأنهاره وتربته، ومدى جاهزية مؤسساته للتعامل مع مخاطر التلوث الإشعاعي، في حال تحقق هذا السيناريو.
وتصاعدت هذه المخاوف عقب بث التلفزيون الإيراني، اليوم الثلاثاء، إرشادات للمواطنين بشأن كيفية التصرف في حال وقوع انفجار نووي، تضمنت الاحتماء داخل المباني والابتعاد عن النوافذ، واستخدام المياه المعبأة والأطعمة المغلفة، والبقاء في أماكن آمنة لمدة لا تقل عن 24 ساعة، مع متابعة التعليمات الرسمية لتحديد موعد الخروج.
وجاءت الإرشادات بعد تحذيرات أطلقها الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، أمس الاثنين، من احتمال توجيه إدارة الرئيس دونالد ترمب ضربة نووية لإيران خلال أيام، مدعياً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمارس ضغوطاً على واشنطن لتنفيذها.
وكان ترمب قد لوّح، السبت الماضي، باستهداف منشأة "جبل الفأس" القريبة من مجمع نطنز النووي، قائلاً إن القوات الأميركية قادرة على ضربها خلال وقت قصير، لكنه سبق أن استبعد استخدام السلاح النووي ضد إيران، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز" في 16 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
وتقع المنشأة على بعد نحو 225 كيلومتراً جنوب طهران، وتشير تقديرات خبراء إلى أن أجزاء منها تمتد على عمق يتراوح بين 80 و100 متر تحت الأرض، ما يجعل استهدافها بالذخائر التقليدية تحدياً عسكرياً.
وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تفتيش المنشأة، ولا تتوافر معلومات مؤكدة بشأن طبيعة الأنشطة الجارية داخلها، فيما تؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية.
مسارات التلوث
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح الخبير الأمني والاستراتيجي العراقي، أحمد الشريفي، احتمال اللجوء إلى سلاح نووي تكتيكي، في حال فشل القنابل التقليدية، ولا سيما القنبلة الأميركية الخارقة للتحصينات GBU-57، التي تعد من أقوى الذخائر التقليدية المخصصة لاستهداف المنشآت المحصنة تحت الأرض.
ويقول الشريفي لوكالة شفق نيوز، إن السلاح النووي التكتيكي، بخلاف النووي الاستراتيجي، يستهدف نطاقاً جغرافياً وهدفاً محددين، لكنه يحذر من أن محدودية الانفجار لا تعني بالضرورة محدودية آثاره، خصوصاً إذا كانت المنشأة المستهدفة تضم مواد نووية أو يورانيوم مخصباً أو أجهزة طرد مركزي.
ويضيف أن طبيعة الهدف والمواد الموجودة فيه، إلى جانب نوع السلاح المستخدم، تمثل عوامل أساسية في تحديد حجم التداعيات، إذ قد يؤدي تضرر مواد نووية داخل المنشأة إلى انتشار ملوثات إشعاعية تتجاوز نطاق موقع الانفجار.
ويشير إلى أن الانفجار النووي يولد حرارة شديدة وعموداً من الغبار والمواد المتطايرة التي قد تحمل ملوثات إشعاعية إلى طبقات الجو، حيث يتوقف مسار انتشارها على اتجاه الرياح وسرعتها، سواء القريبة من سطح الأرض أو التيارات الهوائية في الارتفاعات العليا، بما فيها التيارات النفاثة.
ويحذر الشريفي من أن انتقال المواد المشعة لا يقتصر على الهواء، بل قد يمتد إلى التربة والمياه السطحية والجوفية، الأمر الذي يجعل الأنهار ومصادر مياه الشرب والأنشطة الزراعية ضمن المجالات التي ينبغي أخذها في الحسبان عند تقدير المخاطر.
ويقدّر الشريفي أن موقع جبل الفأس يبعد عن العراق، وفق المسار الجوي، نحو 850 إلى 1000 كيلومتر، لكنه يرى أن هذه المسافة لا تكفي وحدها لاستبعاد احتمال وصول ملوثات إشعاعية، إذا ساعدت الظروف الجوية على انتقالها باتجاه الأراضي العراقية.
ويدعو، في إطار الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، إلى توفير مخزون من المياه والأغذية المعلبة والمغلّفة، وإغلاق النوافذ ومنافذ التهوية عند صدور تحذيرات رسمية، والابتعاد عن الأماكن المكشوفة، إلى حين صدور تقييمات من الفرق المختصة بشأن مستويات الإشعاع والمناطق المتأثرة.
ويشير إلى أن فترة الانتظار قد تمتد، بحسب طبيعة الحادث والظروف الجوية، إلى ثلاثة أو خمسة أيام، قبل أن تتمكن الفرق المختصة من تقييم الوضع وتحديد المناطق الآمنة، مشدداً على أن أي إجراءات وقائية ينبغي أن تستند إلى تعليمات الجهات الرسمية المختصة.
تطمينات رسمية
في المقابل، يقدم المتحدث باسم الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبايولوجية في العراق، أحمد خضير كاظم، تقييماً أكثر طمأنة بشأن احتمالات وصول التلوث إلى العراق، مستنداً إلى المسافة والتضاريس والظروف الجوية، فضلاً عن منظومات الرصد والاستعداد الحكومية.
ويقول كاظم لوكالة شفق نيوز، إن جبل الفأس ومنشأة نطنز يبعدان نحو 700 كيلومتر عن الحدود الشرقية للعراق، فيما تقع محطة بوشهر على مسافة تزيد على 400 كيلومتر من جنوب البلاد ومحافظة البصرة، موضحاً أن تأثير الغبار النووي يتراجع مع زيادة المسافة، ويصبح أقل بكثير بعد 50 إلى 100 كيلومتر، وفق تقديره.
ويضيف أن وجود سلسلة جبلية على الحدود العراقية الإيرانية قد يحد من سرعة الرياح وانتقال الغبار، كما أن الرياح السائدة خلال فصل الخريف تكون غالباً شمالية غربية، أي من العراق باتجاه إيران، وهو ما يرجح، بحسب معلومات الطقس التي تستند إليها الهيئة، ابتعاد أي غبار محتمل عن الأراضي العراقية خلال الأسبوعين التاليين.
ويستند كاظم كذلك إلى طبيعة المنشأة المستهدفة، موضحاً أن وجودها على عمق يتجاوز 100 متر داخل جبل الفأس، وإحاطتها بصخور الغرانيت، قد يحدان من انتشار المخلفات الناتجة عن أي انفجار، عبر احتوائها في الموقع.
ويؤكد أن الهيئة أعدت، عبر غرفة الطوارئ المركزية للحوادث الإشعاعية والنووية، سيناريوهات وخططاً للتعامل مع مختلف الحوادث المحتملة، مشيراً إلى أن الاستعدادات تشمل التنسيق بين الجهات المعنية واتخاذ التدابير اللازمة وإبلاغ المواطنين بالإرشادات المطلوبة عند الضرورة.
كما يلفت إلى وجود منظومة للرصد والإنذار المبكر ممتدة على طول الشريط الحدودي، مهمتها كشف أي تغير في مستويات الخلفية الإشعاعية، وهي مرتبطة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكداً أن المسافة والتضاريس والظروف الجوية تجعل التأثير المحتمل على العراق محدوداً.
تهديدات وضغوط
أما في طهران، فيرى الكاتب والباحث في الشأن الإيراني، صالح القزويني أن التهديدات الأميركية يمكن قراءتها من زاويتين؛ إما باعتبارها تهديدات جدية، أو وسيلة ضغط لدفع إيران إلى التراجع عن مواقفها وشروطها التفاوضية، لكنه لا يستبعد أن يقدم ترمب على تنفيذ ضربة من هذا النوع.
ويقول القزويني لوكالة شفق نيوز، إن أي هجوم نووي لن تقتصر أضراره على إيران، بل سيمتد إلى المنطقة برمتها، مشيراً إلى أن التهديدات المتكررة أعادت داخل إيران النقاش بشأن ضرورة امتلاك سلاح نووي، معتبراً أن بعض الأصوات الإيرانية ترى أن امتلاك القنبلة كان سيمنع تعرض البلاد للهجمات.
ويربط القزويني تصاعد التهديدات بما يصفه إخفاقاً أميركياً وإسرائيلياً في إخضاع إيران، ويرى في الختام أن استمرار المواجهة وما يرافقها من خسائر وضغوط سياسية واقتصادية قد يدفع ترمب إلى خيارات أكثر خطورة، رغم أن ذلك لا يعني حسم قراره باستخدام السلاح النووي.