"حلقة زائدة".. هل اقتربت نهاية مجالس المحافظات في العراق؟

"حلقة زائدة".. هل اقتربت نهاية مجالس المحافظات في العراق؟
2026-08-10T21:01:35+00:00

شفق نيوز- بغداد/ بابل/ كربلاء

عاد الحديث مجدداً في العراق إلى تجميد عمل مجالس المحافظات أو إعادة النظر في وجودها وصلاحياتها، بعد أن تقدم نواب، بطلب رسمي إلى رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي لإدراج مقترح يقضي بتجميد عمل مجالس المحافظات وموازناتها للدورة الحالية على جدول أعمال أقرب جلسة تمهيداً للتصويت عليه، في خطوة تعيد إلى الواجهة أحد أبرز ملفات الجدل بشأن نظام اللامركزية العراقي.

ويأتي التحرك في وقت يواجه فيه العراق أزمة مالية تضغط على الإنفاق العام ورواتب موظفي الدولة، وفي وقت تتصاعد فيه الانتقادات لأداء مجالس المحافظات، التي عادت إلى العمل مطلع 2024 بعد انتخابات 18 كانون الأول/ ديسمبر 2023، إثر توقف دام نحو أربع سنوات منذ تعليق عملها في خضم "احتجاجات تشرين" عام 2019.

وبحسب وثيقة اطلعت عليها وكالة شفق نيوز، استند مقدمو الطلب، أمس الأحد، إلى المادة 20/ أولاً من قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل، وإلى النصوص التي تتحدث عن مسؤولية المجلس عند حصول إخلال جسيم بالمهام أو مخالفة الدستور والقوانين، فضلاً عن خضوعه للرقابة البرلمانية.

لكن الخطوة لا تبدو محسومة سياسياً أو قانونياً، فبينما يقول أحد النواب المشاركين في الحراك إن عدد التواقيع تجاوز 120 توقيعاً، يرى آخرون أن تجميد مجالس منتخبة في دورة ما زالت قائمة يختلف عن إنهاء عمل المجالس السابقة عام 2019، فيما يذهب فريق ثالث إلى أن الأزمة لا تحتاج إلى تجميد مؤقت أصلاً، بل إلى إلغاء المجالس وإعادة تصميم نظام الحكم المحلي.

معضلة التجميد

وفي التفاصيل، يقول النائب حامد الفتلاوي، إن جمع التواقيع يهدف إلى تجميد مجالس المحافظات، وليس حلها، لأن وجودها يستند إلى الدستور، وبالتالي فإن الإلغاء النهائي لا يمكن أن يتم بالطريقة نفسها.

ويوضح الفتلاوي لوكالة شفق نيوز، أن "جمع التواقيع هي لتجميد مجالس المحافظات كونها دستورية، لذلك حل مجلس المحافظات ليس قانونياً ولا دستورياً"، مشيراً إلى أن التجميد له سابقة في العراق، حين أُنهي عمل المجالس السابقة بعد تجاوزها مدتها الانتخابية.

وبحسب الفتلاوي، فإن المدة المتبقية من الدورة الحالية تبلغ، نحو سنة وشهرين، الأمر الذي يجعل الإقدام على التجميد الآن أكثر إشكالية من الناحية القانونية والسياسية، خصوصاً أن المجالس الحالية جاءت نتيجة انتخابات مباشرة.

ويذهب إلى أن الحل الأفضل على المدى الأبعد يتمثل في تعديل قانون مجالس المحافظات ومنح المحافظ صلاحيات أوسع، بحيث لا يكون مقيداً بتقاطعات المجلس في إدارة المحافظة، لكنه يرى أن الأزمة المالية الراهنة والخلل في أداء المجالس يدفعان باتجاه التجميد.

ويرى إن ما يُرصد من موازنات للمحافظات وتنمية الأقاليم ومشاريع وزارية لا ينعكس، بالقدر المطلوب على أرض الواقع، متهماً مجالس المحافظات بانتشار الفساد وتوزيع الحصص والمناصب وبيعها، وهو ما قال إنه ينعكس على المال العام وتنفيذ المشاريع.

ومع ذلك، لم يتوقع الفتلاوي أن يكون تمرير التجميد أمراً سهلاً، وقال إن بقاء نحو سنة وشهرين من عمر الدورة يجعل الخطوة صعبة في الوقت الراهن، مرجحاً أن يؤدي استمرار الأزمة المالية إلى إعادة النظر حتى في إمكانية إجراء انتخابات مجالس المحافظات المقبلة إذا لم تتوافر السيولة المالية اللازمة.

الأزمة تفرض التقشف

ويأتي الحراك النيابي في وقت بات فيه الإنفاق الحكومي العراقي تحت ضغط شديد، حيث تُظهر الأرقام المثارة مؤخراً أن الالتزامات الشهرية للرواتب تبلغ نحو 7.8 تريليون دينار، فيما تحتاج الحكومة إلى نحو 10.8 تريليون دينار شهرياً لتغطية مجمل الرواتب والنفقات العامة.

في المقابل، تصطدم هذه النفقات بإيرادات نفطية شحيحة لا تتجاوز 2.5 تريليون دينار شهرياً، ويعود هذا الانخفاض الحاد إلى تراجع الصادرات وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز على خلفية التصعيد والحرب الإقليمية.

وقد انعكس الضغط المالي على انتظام صرف الرواتب، بعدما تأخرت رواتب شهر تموز/ يوليو الماضي، فيما اتسعت الدعوات داخل البرلمان إلى خفض الإنفاق، بدءاً من المؤسسات والدرجات العليا والمستشارين ونفقات الرئاسات الثلاث، وصولاً إلى مجالس المحافظات.

وتقول التحركات النيابية الحالية إن تجميد المجالس يمكن أن يكون جزءاً من ترشيد الإنفاق، إلى جانب تقليص أعداد المستشارين في الرئاسات والوزارات وخفض رواتب ومخصصات أصحاب الدرجات الخاصة.

لكن قيمة المجالس في الموازنة ليست وحدها محور الجدل، فالمشكلة الأوسع تتعلق بما إذا كان تقليص مؤسسة منتخبة سيؤدي فعلاً إلى توفير ملموس، أم أن كلفتها ستنتقل إلى أجهزة أخرى من دون معالجة أصل الخلل الإداري والمالي.

الإلغاء بدل التجميد

على الضفة الأخرى، يذهب النائب محما خليل، إلى أبعد من مقترح التجميد، إذ يرى أن إنهاء مجالس المحافظات أصبح مطلباً شعبياً واستحقاقاً مرحلياً.

ويقول خليل لوكالة شفق نيوز، إن المجالس أصبحت، سبباً في "اضطراب تشريعي" داخل الهيكل الإداري، فضلاً عن كونها تستهلك أموالاً من الموازنة من دون أن تحقق الغرض الذي أنشئت من أجله.

ويضيف أن الهدف من إنشاء هذه المجالس كان تقديم الخدمات للمواطنين، إلا أنها تحولت، إلى حلقة إضافية أمام السلطة التنفيذية، وإلى ساحة للمصالح والمنافع السياسية.

ويرى خليل أن أدوات الرقابة لم تعد محصورة بالمجلس المحلي، في ظل وجود ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وغيرها من المؤسسات الرقابية، ولذلك يفضل إنهاء المجالس بدلاً من تجميدها مؤقتاً.

ويقول إن "مجلس المحافظة مهمته تقديم الخدمات للمواطنين، لكنه فشل في تقديم الخدمات"، معتبراً أن إلغاءه يمكن أن ينهي ما وصفه بحلقة زائدة من الهيكل الإداري، ومشيراً إلى تجربة إنهاء مجالس الأقضية.

لكن هذا الطرح يصطدم مباشرة بالسؤال الدستوري حول مصير مؤسسة نص الدستور على تنظيم انتخابها وصلاحياتها.

الجدل الدستوري

وينص الدستور العراقي في المادة 116 على أن النظام الاتحادي يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية، فيما تمنح المادة 122 المحافظات غير المنتظمة في إقليم صلاحيات إدارية ومالية واسعة وفق مبدأ اللامركزية الإدارية.

وتنص المادة نفسها على أن انتخاب مجلس المحافظة والمحافظ وصلاحياتهما ينظم بقانون، وأن مجلس المحافظة لا يخضع لسيطرة أو إشراف وزارة أو جهة غير مرتبطة بوزارة وله مالية مستقلة.

كما أكدت المحكمة الاتحادية العليا في تفسير سابق أن أصل وجود مجالس المحافظات هو الدستور، واعتبرتها هيئات دستورية إدارية محلية منتخبة، وأشارت إلى أن اللامركزية الإدارية تقوم على مشاركة أبناء المحافظات في إدارة شؤونها المحلية عبر مجالس منتخبة.

وفي الوقت نفسه، أكدت المحكمة أهمية الرقابة باعتبارها ركناً في نظام اللامركزية.

لكن المحكمة نفسها تناولت في عام 2019 مسألة انتهاء عمل المجالس السابقة، على نحو ارتبط بانتهاء الدورة الانتخابية وتنظيم القانون لذلك، وهو ما يجعل المقارنة بين عامي 2019 و2026 غير مباشرة؛ فالمجالس الحالية منتخبة لدورة جديدة ولم تبلغ نهايتها بعد.

وهنا تكمن إحدى أبرز الإشكالات في الحراك الحالي، فالرقابة البرلمانية على مجلس المحافظة شيء، وتعطيل عمل مجلس منتخب شيء آخر.

وقد سبق لمجلس النواب أن ناقش العلاقة الرقابية مع مجالس المحافظات، بما في ذلك دور لجنة الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والاستضافة وطلب المعلومات والزيارات الميدانية والاستعانة بديوان الرقابة المالية، مع التأكيد على ضرورة ألا تتحول الرقابة إلى تداخل سياسي مع اللامركزية.

انقسام من الداخل

وفي المحافظات نفسها، لا يبدو الموقف موحداً، ففي بابل، يقول عضو مجلس المحافظة، حسين الدهموشي، إن المجالس، إذا عملت بصورة صحيحة، يمكنها تحقيق الغاية التي شُكلت من أجلها.

لكن الدهموشي يقر في حديثه لوكالة شفق نيوز، بأن وضعها الحالي يشبه، "الموت السريري" بسبب المحاصصة السياسية ومخالفة القوانين والأنظمة والتعليمات.

ويقول إن تجميد عمل المجالس قد يكون أفضل في حال استمرار هذا الوضع، شرط أن تُسند صلاحياتها وأعمالها إلى جهة رقابية وفق القانون، حتى لا ينشأ فراغ في الرقابة والإدارة المحلية.

أما عضو مجلس محافظة بابل، محمد المنصوري، فكان أكثر حدة، إذ يقول إن "غلق مجالس المحافظات المحاصصاتية ضرورة وطنية ملحة".

كما يصف المنصوري خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، المجالس بأنها "مسلوبة الإرادة وغائبة القرار الحاسم" وتنفذ ما يُملى عليها.

لماذا المجالس؟

في المقابل، يرفض عضو مجلس محافظة كربلاء، محمد المسعودي، التحرك النيابي، معتبراً أن جمع التواقيع لتجميد المجالس يمثل مخالفة دستورية، لأن القانون والدستور نظما وجودها ومنحاها الشرعية.

ويقول المسعودي لوكالة شفق نيوز، إن مجلس محافظة كربلاء يؤدي دوراً في الرقابة ومحاسبة المقصرين والاطلاع على مشكلات المواطنين والسعي إلى إيجاد معالجات لها.

ويرى أن دوافع بعض النواب وراء التحرك قد تكون سياسية، مضيفاً أن المجالس، لا تكلف الدولة إلا مبالغ محدودة مقارنة بكلف رواتب ومخصصات أعضاء البرلمان وحماياتهم والرئاسات الثلاث.

محطات متقلبة

ولم تكن مجالس المحافظات تجربة قصيرة في العراق؛ فقد انتُخبت أولى مجالس المحافظات بعد التغيير في 30 كانون الثاني/ يناير 2005، ضمن المرحلة الانتقالية، قبل دخول دستور 2005 حيز التطبيق الكامل، وقبل تشريع قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008.

ثم جاءت انتخابات 31 كانون الثاني/ يناير 2009، بعد الدستور الدائم والقانون المنظم للامركزية، تلتها انتخابات 20 نيسان/ أبريل 2013.

وبعد ذلك انقطعت الانتخابات المحلية لسنوات، إلى أن أوقف البرلمان عمل المجالس في 2019 على خلفية "احتجاجات تشرين".

وفي 18 كانون الأول/ ديسمبر 2023 أُعيد انتخاب المجالس، وبدأت الجديدة ممارسة عملها مطلع 2024.

وبذلك انتقلت التجربة من مرحلة التأسيس إلى تحديات تطبيق اللامركزية ونقل الصلاحيات، ثم إلى الصدام مع الشارع، فالتجميد، ثم العودة، قبل أن تجد نفسها في 2026 أمام دعوة جديدة إلى التجميد.

اللامركزية المتعثرة

ويقول باحثون ومراقبون إن أزمة مجالس المحافظات لا يمكن فصلها عن أزمة اللامركزية العراقية نفسها.

فالمجالس يفترض أن تشكل إحدى ركائز نقل القرار والموارد من بغداد إلى المحافظات، إلا أن التجربة واجهت منذ سنوات مشاكل في الصلاحيات والتمويل والتداخل مع الوزارات الاتحادية.

وقد حاول المشرّع، خصوصاً عبر تعديلات قانون المحافظات في 2013، نقل صلاحيات خدمية من وزارات اتحادية إلى المحافظات، لكن التطبيق واجه صعوبات كبيرة بسبب تضارب الصلاحيات وضعف التنسيق والتمويل.

وفي المقابل، تحولت المجالس في كثير من المحافظات إلى ساحات للمساومات السياسية والمحاصصة، فيما تعطلت عمليات تشكيل الحكومات المحلية في بعض المحافظات لفترات طويلة بسبب صراعات القوى السياسية.

وبعد انتخابات 2023، عادت هذه المشكلة إلى الواجهة في عدد من المحافظات، مع تأخر تشكيل الحكومات المحلية بسبب التنافس على المناصب والنفوذ.

وهكذا أصبحت الانتخابات المحلية نفسها تُقرأ في كثير من الأحيان بوصفها مؤشراً على توازنات القوى السياسية المركزية، أكثر من كونها منافسة محلية خالصة حول الخدمات والإدارة.

عبء بيروقراطي

وفي ضوء ذلك، يؤيد المحلل السياسي، مجاشع التميمي، الاتجاه نحو إنهاء المجالس، ويرى أن الدعوات الحالية تستحق دعماً جدياً، خصوصاً في ظل الأزمة المالية.

ويقول التميمي لوكالة شفق نيوز، إن مجالس المحافظات تحولت، في حالات كثيرة، من أداة لتحسين الإدارة المحلية إلى حلقة إضافية من البيروقراطية والمساومات السياسية، فضلاً عن شبهات الابتزاز والتدخل في عمل المحافظات وهدر المال العام.

ويضيف أن العراق بحاجة إلى تقليل الإنفاق الحكومي وإلغاء المؤسسات التي لا تقدم قيمة مضافة واضحة للمواطن، معتبراً أن مجرد وجود مجالس المحافظات دستورياً لا يبرر استمرار كلفتها المالية والسياسية إذا لم تستطع خلال سنوات تقديم نموذج مقنع للحكم المحلي الرشيد.

أزمة اللامركزية

من جهته، يحذر المحلل السياسي، علاء نجاح، من اختزال القضية في ملف النفقات، قائلاً إن الحديث عن تجميد مجالس المحافظات لا ينبغي اختزاله في إجراء لتقليل الإنفاق أو معالجة ضعف الأداء، لأن القضية ترتبط بمفهوم المركزية الإدارية وطبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية.

ويرى نجاح خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن المجالس المنتخبة لا ينبغي إلغاؤها لمجرد وجود ضعف في الأداء، بل يجب أن تخضع للتقييم والمحاسبة والتدقيق والإصلاح.

ويقول إنه إذا ثبت وجود مجالس ضعيفة أو أعضاء متورطين بشبهات فساد، فالمطلوب هو فتح الملفات ومحاسبة المقصرين، لا اللجوء إلى الإلغاء والتعطيل كخيار أول، لكنه في الوقت نفسه يرفض الدفاع عن المجالس لمجرد أنها منتخبة.

ويوضح أن السؤال المقابل مشروع أيضاً، ماذا قدمت هذه المجالس؟ وما حجم الإنفاق عليها؟ وما أثر قراراتها؟ وماذا أنتجت الخلافات بينها وبين المحافظين ودوائر المحافظة من تعطيل للمشاريع الاستثمارية؟.

وفي تقييمه، يرى نجاح أن مجلس المحافظة قد يكون "حلقة زائدة" في النموذج الحالي، خصوصاً مع وجود المحافظ ودوائر الدولة وأعضاء مجلس النواب المنتخبين عن كل محافظة.

ويخلص إلى أن المشكلة ليست في وجود المجلس فقط، وإنما في طريقة عمله، وحجم صلاحياته، ومستوى الرقابة والمحاسبة عليه، وطبيعة الإصلاحات التي يجب إدخالها على النظام المحلي.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon