بعد إنذار واشنطن.. ما مستقبل العلاقات الاقتصادية بين بغداد وطهران؟
سوق الشورجة المركز التجاري العراقي/ وكالة شفق نيوز
شفق نيوز- بغداد/ طهران
يواجه العراق تحدياً اقتصادياً وسياسياً متزايداً مع دخول حملة الضغط الأميركية على إيران مرحلة جديدة، بعدما وسّعت واشنطن نطاق العقوبات لتشمل قطاعات جديدة وتستهدف نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة، في خطوة قد تنعكس مباشرة على التجارة والطاقة والمصارف العراقية، نظراً لترابط المصالح بين بغداد وطهران.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، أمس الاثنين، إطلاق "عملية المنبوذ الاقتصادي"، محذرة الدول والشركات والمؤسسات المالية التي تواصل التعامل مع القطاعات الإيرانية المستهدفة من عقوبات ثانوية وقيود على الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.
وشملت الإجراءات توسيع نطاق العقوبات إلى قطاعات الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، إلى جانب إدراج عشرات الأشخاص والكيانات والسفن المرتبطة بشبكات النفط والتمويل والبرامج العسكرية والنووية والسيبرانية الإيرانية.
وتكتسب الخطوة الأميركية أهمية خاصة بالنسبة للعراق، الذي تجاوز حجم تجارته مع إيران 10 مليارات دولار خلال عام 2025، فيما ترتبط سوقه بالطاقة الإيرانية عبر استيراد الغاز المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء، فضلاً عن وجود حركة تجارية ومصرفية واسعة بين البلدين.
العراق أمام العقوبات
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، أن الإجراءات الأميركية تمثل، في جانب منها، "طلقة تحذيرية" تستهدف شركات الظل والشبكات التي تنشط في غسل الأموال وتهريب النفط والعملات، مشيراً إلى أن العراق سيكون معنياً بالتأكد من أن تعاملاته مع إيران تمر عبر القنوات الرسمية والنظام المصرفي الدولي.
ويقول الفيلي لوكالة شفق نيوز، إن بغداد "مضطرة إلى التعامل بجدية" مع العقوبات إذا تأكد اتجاه واشنطن إلى حظر التعامل مع إيران، لأن استمرار بعض الأنشطة قد يجعل العراق نفسه عرضة للعقوبات، لافتاً إلى أن العقوبات تستهدف إيران ومن يتعامل مع الجهات الخاضعة لها، في إطار مسعى أميركي لقطع مصادر التمويل عن طهران.
ويضيف أن السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للعراق يتعلق بمدى إمكانية حصوله على استثناءات أميركية، خصوصاً في ملفي الغاز والكهرباء، مشيراً إلى أن بغداد تحتاج إلى التحرك مبكراً ووضع آليات لحماية مصالحها الاقتصادية.
الغاز والكهرباء
ويأتي قطاع الطاقة في مقدمة الملفات التي تجعل العراق أكثر عرضة لتداعيات التصعيد الأميركي الإيراني، فالعراق يعتمد على الغاز الإيراني في تشغيل جزء مهم من منظومة توليد الكهرباء، بينما تتراوح قيمة المدفوعات السنوية مقابل الغاز، وفق تقديرات عراقية أوردتها تقارير سابقة، بين 4 و5 مليارات دولار.
وكانت واشنطن قد منحت بغداد خلال السنوات الماضية إعفاءات مؤقتة للسماح باستيراد الطاقة من إيران، لكن هذه الإعفاءات أصبحت جزءاً من الضغط الأميركي على العراق لتنويع مصادر الطاقة.
وفي هذا الجانب، يؤكد عضو لجنة العلاقات الخارجية النيابية، مختار الموسوي، أن الحكومة العراقية "مضطرة" إلى الالتزام بالعقوبات الأميركية، لكنه يرى أن الوضع معقد بسبب حجم المصالح المالية والتجارية القائمة بين البلدين.
ويقول الموسوي لوكالة شفق نيوز، إن هناك أموالاً عراقية في المصارف الإيرانية وتبادلاً تجارياً يقدره بنحو 30 مليار دولار، ما يجعل التأثير مباشراً، لكنه يرجح إمكانية حصول بغداد على استثناءات إذا خاطبت الحكومة العراقية نظيرتها الأميركية، خصوصاً أن العراق "بحاجة ماسة إلى الغاز الإيراني".
ويشير إلى أن العراق سيكون، في كل الأحوال، من أكثر المتضررين إذا اتسع نطاق العقوبات، وهو ما يجعل ملف الاستثناءات والتفاوض مع واشنطن جزءاً أساسياً من إدارة الأزمة.
وتتزامن هذه المخاوف مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تراجعت حركة السفن عبره بصورة حادة خلال آب/ أغسطس الجاري.
وقالت بيانات تتبع الملاحة إن أقل من 20 سفينة تجارية عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع في 22 و23 آب/ أغسطس، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب المندلعة منذ 28 شباط/ فبراير 2026.
وفي 22 آب/ أغسطس الجاري، منحت إيران إذناً لعدد من ناقلات النفط العراقية بالعبور عبر هرمز بعد اتصالات وضغوط دبلوماسية من بغداد، في مؤشر على حجم ارتباط صادرات العراق النفطية بالتطورات الأمنية والسياسية في المضيق.
التجارة والمصارف
ولا يتوقف الخطر عند الطاقة، فالعقوبات الثانوية تضع الشركات والمصارف الأجنبية أمام خيار صعب بين الاستمرار في التعامل مع جهات إيرانية مستهدفة والمخاطرة بخسارة الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
وهذا يضع القطاع المصرفي العراقي في موقف حرج، خصوصاً أن واشنطن شددت خلال السنوات الماضية رقابتها على التحويلات بالدولار ومنعت مصارف عراقية من الوصول إلى العملة الأميركية بسبب شبهات تتعلق بعمليات غسل الأموال وتمويل شبكات مرتبطة بإيران.
وبالعودة إلى عصام الفيلي، يرى أن طبيعة التعامل في ملفي الغاز والكهرباء تجعل القنوات الرسمية والمصرفية الدولية أمراً لا يمكن للعراق تجاهله، محذراً من أن عدم الالتزام بالعقوبات في حال تحول التهديد الأميركي إلى إجراءات مباشرة ضد المتعاملين مع إيران قد يعرّض العراق للعقوبة.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت في 7 آب/ أغسطس الجاري، إجراءات ضد شبكات إيرانية سرية للعملة تمتد عبر عدة دول، وقالت إن تلك الشبكات ساعدت إيران على نقل مئات ملايين الدولارات، في إطار حملة تستهدف ما تصفه واشنطن بـ"النظام المصرفي الظل" الإيراني.
وأمس الاثنين، قالت الخزانة إن المؤسسات المالية الأجنبية التي تسهّل معاملات كبيرة لحساب جهات إيرانية خاضعة للعقوبات يمكن أن تواجه قيوداً على علاقاتها المصرفية مع الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن تأثير العقوبات على العراق قد يظهر بصورة تدريجية، عبر ارتفاع مخاطر التعاملات، وتشدد المصارف وشركات التحويل، وزيادة تكاليف التجارة والتأمين والشحن، بدلاً من توقف التجارة العراقية الإيرانية بصورة مفاجئة.
مأزق بغداد
وفي الوقت الذي تبحث فيه بغداد عن حماية مصالحها، تؤكد طهران أنها لا تريد أن تتحول علاقاتها مع دول الجوار إلى مصدر ضرر اقتصادي لها.
وفي هذا الصدد، يقول الكاتب والباحث في الشأن الإيراني، صالح القزويني، إن إيران "لا تريد أن تتضرر أي دولة من دول المنطقة بسبب علاقاتها مع إيران أو العقوبات"، مؤكداً أن طهران حريصة على مصالح دول الجوار، وفي مقدمتها العراق.
ويضيف القزويني لوكالة شفق نيوز، أن العقوبات الأميركية، من وجهة النظر الإيرانية، تفتقر إلى مبرر قانوني، وأن الضغط على دول المنطقة للانضمام إلى العقوبات يمثل جزءاً من "العدوان الاقتصادي" على إيران.
لكن بالنسبة إلى بغداد، لا يتعلق الأمر بالموقف السياسي من العقوبات بقدر ما يتعلق بكلفة الالتزام بها أو مخالفتها، فالعراق مرتبط بالنظام المالي العالمي والدولار، وفي الوقت نفسه يعتمد على إيران في جزء مهم من وارداته من الطاقة، بينما ترتبط السوق العراقية بعلاقات تجارية واسعة مع الجار الشرقي.
ويزداد تعقيد الموقف مع استمرار أزمة هرمز، فقد قالت وكالة "رويترز" في 20 آب/ أغسطس الجاري، إن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عقوبات على شركاء إيران أثارت مخاوف بشأن الإمدادات العالمية، في حين بقيت حركة الملاحة عبر المضيق منخفضة.
كما أن العراق بدأ فعلياً البحث عن مسارات بديلة لصادراته النفطية، إذ تدرس بغداد تعزيز التصدير عبر ميناء جيهان التركي ومسارات أخرى عبر سوريا والأردن، فيما تشير تقديرات إلى أن إنشاء خط جديد عبر سوريا قد يستغرق سنوات وكلفة كبيرة.
بدائل إيرانية
وفي طهران، تقلل أصوات سياسية واقتصادية من قدرة العقوبات الجديدة على تحقيق أهدافها، إذ يقول الخبير في الشؤون الإيرانية، مهدي عزيزي، إن العقوبات الأميركية ليست جديدة على إيران، ويرى أن الإجراءات الأخيرة تأتي في إطار حرب اقتصادية ونفسية وإعلامية، بالتزامن مع تحركات ووساطات تهدف إلى إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
ويقر عزيزي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، بإمكانية حدوث تداعيات ومشكلات، لكنه يشير إلى أن إيران تراهن على "اقتصاد مقابل" وتوسيع علاقاتها مع دول الجوار، فضلاً عن الصين وروسيا، والاستفادة من عضويتها وعلاقاتها مع مؤسسات مثل "شنغهاي" و"بريكس"، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي.
وفي وقت سابق من اليوم الثلاثاء، أعلنت الصين أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها، بعدما حذرت واشنطن الدول التي تواصل التعامل مع إيران، وقالت بكين إن سياسة الضغط الاقتصادي لا تحل المشكلات، وإن التعاون الصيني الإيراني يجري ضمن القانون الدولي.
لكن هذه البدائل الإيرانية لا تحل تلقائياً مشكلة العراق، الذي يحتاج إلى بدائل خاصة به لتقليل تعرضه للضغط.
لذلك يرى عصام الفيلي أن بغداد بحاجة إلى بناء رؤية واضحة للتعامل مع التداعيات، وعدم انتظار تحول العقوبات إلى أزمة فعلية في الكهرباء أو التجارة أو القطاع المصرفي.
ويشير إلى أن العراق طرح خلال السنوات الماضية خيارات لتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني، من بينها المنصات العائمة لاستيراد الغاز والربط الكهربائي مع دول أخرى، إلا أن هذه الملفات لا تزال تواجه تحديات تنفيذية وفنية ومالية.
ويؤكد في الختام أن الربط الشبكي وتنويع مصادر الغاز يمكن أن يوفر للعراق هامشاً أكبر في مواجهة أي انقطاع محتمل، لكن ذلك يحتاج إلى قرارات واستثمارات سريعة، لأن البدائل لا يمكن أن تحل محل الغاز الإيراني بين ليلة وضحاها.