المالكي والسياسة الخارجية.. خطوة براغماتية أم مناورة مرحلية؟
شفق نيوز- بغداد
تتجه الأنظار مجدداً نحو زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق ومرشح تحالف الإطار التنسيقي - الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في البلاد - لرئاسة الحكومة، في ظل خطاب خارجي جديد يعتمد على لغة الانفتاح والدبلوماسية، خصوصاً تجاه سوريا والمجتمع الدولي.
ويُعرف المالكي (75 عاماً)، الذي تولى منصب رئاسة الوزراء خلال فترتين متتاليتين بين 2006 و2014، بخبرته الطويلة في الساحة السياسية العراقية وقدرته على اتخاذ القرارات الحاسمة في الأزمات، لكنه يواجه تحديات مزدوجة تتمثل بالموروث السياسي الداخلي والضغوط الدولية التي تتخذ مواقفه السابقة حجة ضد ترشحه للولاية الثالثة.
نضج سياسي
وفي هذا الصدد، يرى الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر، أن المالكي "ربما يعد أكثر السياسيين العراقيين نضجاً وإدراكاً لحجم المسؤولية وجسامتها، ودائماً ما تؤخذ مواقفه مواقف رجل الدولة".
ويضيف البيدر لوكالة سفق نيوز: "فعندما يتطلب الموقف من المالكي التواجد في الجانب التنفيذي فهو مؤهل لذلك، وعندما يبقى موقفه كزعيم سياسي، فهو أقوى تأثيراً وحضوراً من وجوده كرئيس للوزراء".
ويصف البيدر التحول الحالي للمالكي بأنه "منطقي وبراغماتي ويصب في مصلحة البلاد"، موضحاً أن المالكي "لا يناور ولا يعمل بأسلوب الخديعة، وقد يكون الأكثر صراحة وشفافية في التعاطي مع الأحداث والتفاصيل الداخلية".
ويؤكد المحلل أن هذا الخطاب البراغماتي يسهم في تفادي الانزلاق نحو أزمات سياسية محتملة، ويعتبر خطوة مهمة للعراق في هذه المرحلة الحرجة.
الخطاب الدبلوماسي
ويتفق الباحث في الشأن السياسي مهند الراوي مع ما ذهب إليه علي البيدر، بأن المالكي بدا في الظهور الأخير، براغماتياً في مواقفه الخارجية، قائلاً إن "موقف المالكي كان واضحاً وصريحاً في التحول الخارجي والعلاقات الدولية، خاصة تجاه الرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف مخاطبة المجتمع الدولي بأن العراق والحكومة المقبلة ليست لديها أي مشكلة مع سوريا وتوجهاتها".
ويرى الراوي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز أن "هذه الرسالة ليست موجهة لسوريا فقط، بل للولايات المتحدة والمجتمع الدولي، الذي يرى ضرورة تحسين العلاقات بين العراق وسوريا".
ويؤكد الباحث أن المالكي لا يزال "رقماً صعباً في العملية السياسية العراقية، ولديه القدرة على توصيل رسائل قوية إلى العالم، مع الحفاظ على موقفه الثابت بشأن رفض أي وصاية من الخارج ومواصلة ترشيحه لرئاسة الحكومة".
النهج التصالحي
بدوره، يعتبر الباحث السياسي أبو ميثاق اليساري أن الإطار التنسيقي، الذي يضم ائتلاف المالكي، "يعتمد خطاباً معتدلاً يركز على مصلحة العراق والتهدئة وترحيل المشاكل"، مضيفاً أن "اللحظة الفارقة التي يمر بها العراق تتطلب خطاباً هادئاً يسعى إلى كسب ود الآخرين وتهدئة الساحة الملتهبة".
ويتابع أبو ميثاق حديثه لوكالة شفق نيوز أن "هذا النهج التصالحي استبقه الجانب السوري، الذي يسعى إلى تعزيز التعاون مع العراق وضبط الحدود، ويضع نصب عينيه مصلحة العراق وأمنه"، مؤكداً أن استراتيجية التهدئة تهدف إلى تعزيز التواصل الإقليمي والدولي، مع تركيز على استقرار البلاد وتفادي أي أزمات إضافية.
التحفظات الخارجية
لكن هذه الصورة المتفائلة لا تغطي كل الأبعاد، وفق الباحث رمضان البدران، الذي يقول إن "المالكي شخصية متصالحة مع نفسه ويعتقد أن كل ما فعله صحيح ومطلوب، لكن هذه القراءة ليست بالضرورة متوافقة مع رؤية العالم، داخلياً أو خارجياً".
ويضيف البدران لوكالة شفق نيوز أن "العالم يحتاج إلى أسلوب سياسي وكاريزما تختلف عن ما يقدمه المالكي، خصوصاً في سياق إدارة الملفات في وقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمنطقة الحساسة"، مبيناً أن "المالكي يريد رؤية الأمور كما يراها، لكن الواقع السياسي يتطلب مرونة أكبر وانفتاحاً دولياً".
ويختتم البدران تحليله بالقول إن "تاريخ المالكي ومواقفه تجاه سوريا والملفات الإقليمية لا يضمن قبولاً دولياً واسعاً، لذلك يحتاج العراق إلى شخصية يمكنها إدارة التوازن بين الداخل والخارج بكفاءة أكبر، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية الحالية".
دبلوماسية متجددة
وكان المالكي قد أثار في خطابه الأخير، أول أمس الثلاثاء، اهتمام المراقبين بتوجهه الجديد نحو الانفتاح الخارجي والدبلوماسية، حيث عبر عن رغبته في علاقات طيبة مع سوريا حتى وصف الرئيس السوري أحمد الشرع بـ"أخي".
كما شدد المالكي على أن العراق يطمح إلى تعاون بناء يحافظ على أمن الحدود مع سوريا ويخدم مصلحة الشعبين، في إشارة واضحة إلى تعزيز التواصل والتفاهم بين البلدين بعد سنوات من التوتر والتحديات الإقليمية، واتهام النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد بـ"تصدير الإرهاب" إلى العراق.
ورد المالكي أيضاً على تصريحات ترمب التي حذر فيها من عودته إلى رئاسة الوزراء، مؤكداً أن قرار ترشيحه شأن عراقي داخلي بحت وماضٍ به، نافياً أن يكون لذلك أي أثر سلبي على علاقات بغداد مع واشنطن، ومعتبراً أن ما صدر عن ترمب كان مبنياً على معلومات مضللة من أطراف داخلية وخارجية.
وكان ترمب قد اعتبر أن عودة المالكي لرئاسة الحكومة قد تعيد العراق إلى فترة الفوضى السياسية والأمنية السابقة، وأن سياساته المقربة من إيران قد تؤثر سلباً على الدعم الأميركي للعراق.