العراق أنموذجاً.. كيف أصبح الإعلام لاعباً في استقرار المنطقة؟
شفق نيوز- بغداد/ كربلاء
في عالم اليوم، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلاً سياسياً واجتماعياً قادراً على تهدئة الصراعات أو تأجيجها، بحسب طبيعة خطاباته ودرجة التزامه بالمهنية والمسؤولية الاجتماعية.
ويؤكد أستاذ الإعلام في جامعة كربلاء، حيدر شلال متعب، أن الخطاب الإعلامي يستطيع أن يكون أداة دبلوماسية فعالة إذا اعتمد مقاربات تحليلية عقلانية، قدمت السياق التاريخي والسياسي للصراعات وفسحت المجال لتعدد وجهات النظر وعزز قيم الحوار والتفاهم بدلاً من التحريض والاستقطاب.
ويشرح متعب، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن الإعلام يمكن أن يدعم الوساطة السياسية ويخفض منسوب التوتر عندما يلتزم بالمعايير المهنية، مبيناً أن "الإعلام يصبح فاعلاً داعماً للدبلوماسية العامة من خلال تفكيك الصور النمطية وتوجيه الرأي العام نحو حلول سلمية."
مع ذلك، يشير الواقع إلى أن الإعلام في كثير من مناطق النزاع بات يؤدي دوراً معاكساً، حيث تحولت بعض المؤسسات الإعلامية إلى أدوات لأجندات سلطوية أو فئوية، فيما ساهم انتشار الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في تسريع تداول الخطابات الشعبوية والمضللة وتعميق الانقسامات الطائفية والهوياتية. بهذه الطريقة، يتحول الإعلام من صمام أمان إلى وقود للصراع، ما يجعل تقييم تأثيره على استقرار المنطقة أمراً مركباً وغير أحادي الاتجاه.
من جهته، يقول المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء، ضياء الناصري، إن الخطاب الإعلامي بات يشكل ركناً أساسياً في العمل السياسي والحراك العام، مشيراً إلى أن أي فعل سياسي اليوم لا يمكن أن يحقق تأثيره من دون موازاة إعلامية قادرة على توجيه الرأي العام أو موازنته وفق متطلبات المرحلة.
ويوضح الناصري، لوكالة شفق نيوز، أن معظم الساسة يعتمدون بشكل متزايد على تحريك الجهات الإعلامية الداعمة لهم، لافتاً إلى أن هذه الجهات تنتظر مواقف واضحة يمكن البناء عليها في صناعة خطاب مؤثر.
ويعتبر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يُعد من أبرز الشخصيات القادرة على تغيير اتجاهات الرأي العام عبر وسائل الإعلام، لما يتسم به خطابه من أساليب غير مألوفة وخارجة عن الإطار التقليدي.
ويضيف أن الإعلام في الحركات السياسية يمثل أداة محورية ليس في التعبئة والتأثير فقط، بل أحياناً في التمويه وصرف الأنظار عن قرارات أو مسارات محددة، وهو ما ظهر بوضوح في الآونة الأخيرة.
أما المحلل السياسي العراقي مجاشع التميمي، فيرى أن الإعلام في المنطقة يكرر نمطاً مهدداً للاستقرار، قائلاً إن "إعلام الأزمات يعتمد على ثلاث آليات خطرة تتمثل بالانتقائية في نقل الوقائع واللغة التعبوية العاطفية وإنتاج ثنائيات أخلاقية حادة (مع/ضد)."
ويؤكد التميمي، خلال حديثه للوكالة، أن "هذا النهج لا يترك مجالاً للتهدئة أو الحوار، حتى الدعوات إلى السلام تقدم أحياناً كجزء من حرب خطابية لا كمسار عقلاني."
ويشير إلى أن الحل يكمن في استقلالية الإعلام ووضوح أهدافه المهنية، مبيناً أن "الخطاب الإعلامي المهدئ يتطلب إطاراً تحليلياً يربط الحدث بجذوره السياسية والاقتصادية لا بالاستهلاك اللحظي، من دون ذلك، سيبقى الإعلام وقوداً للصراع لا صمام أمان له."
وتدعم هذه الآراء ما أشارت إليه الدراسات الحديثة عن الإعلام التنويري والمسؤول، الذي يمكن أن يحقق تهدئة النزاعات من خلال تقديم السياق التاريخي والسياسي، وتعزيز الحوار بين المجتمعات المختلفة ورفع قيم التسامح، وتوجيه الرأي العام نحو الحلول السلمية بدل الانجراف وراء الإثارة والتحريض.
لكن في المقابل، يُظهر الواقع أن الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي سهلت انتشار المعلومات المضللة والخطابات الشعبوية، مما يجعل من الضروري تعزيز التدريب المهني والاستقلالية التحريرية ومصداقية المؤسسات الإعلامية لحماية استقرار المنطقة.