11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

الشعائر الحسينية في العراق.. من البكاء الأول إلى جدل الممارسات المعاصرة

الشعائر الحسينية في العراق.. من البكاء الأول إلى جدل الممارسات المعاصرة موكب زنجيل في كربلاء/ وكالة شفق نيوز
2026-06-25T07:25:40+00:00

شفق نيوز- بغداد/ كربلاء

تعد الشعائر الحسينية من أبرز مظاهر التدين الشعبي لدى المسلمين الشيعة في العراق ومناطق أخرى، وتمتد جذورها – بحسب باحثين – إلى لحظة ما بعد واقعة كربلاء عام 61 هـ، حيث ارتبطت أولى صورها بالفعل العاطفي الأشد حضوراً وهو البكاء على الإمام الحسين بن علي.

لكن هذه الشعائر التي تطورت عبر قرون طويلة، أصبحت اليوم محور جدل واسع بين من يراها امتداداً لهوية دينية وروحية أصيلة، وبين من يعتبر أن جزءاً منها تداخل مع موروثات اجتماعية وتاريخية "دخيلة" تحتاج إلى مراجعة وتنقية.

أول شعيرة

وفي هذا السياق، يرى الباحث جسام السعيدي، أن "أقدم الشعائر الحسينية هي البكاء"، مضيفاً أن هذا الفعل ارتبط بالنبي محمد -جد الإمام الحسين- بحسب الروايات الدينية، ثم بالإمام الحسن -شقيق الإمام الحسين- وأهل البيت، وصولاً إلى واقعة الطف وما تلاها من بكاء السيدة زينب -شقيقة الإمام الحسين- والإمام زين العابدين -ابن الإمام الحسين-.

ويقول السعيدي لوكالة شفق نيوز، إن "البكاء واللطم على الرأس والصدر شكّلا النواة الأولى للشعائر"، قبل أن تتطور لاحقاً إلى أشكال متعددة.

ويضيف أن كثيراً من الممارسات ظهرت لاحقاً بتأثير البيئة الاجتماعية، مشيراً إلى أن بعض الطقوس مثل "الزنجيل" ظهرت في بغداد خلال الحقبة البويهية عام 369هـ، عندما فُرضت مظاهر حزن عامة في الدولة العباسية، ومنها تعطيل الأسواق وتنظيم مسيرات عسكرية ذات طابع استعراضي للحزن.

ويذهب السعيدي إلى أن أدوات التعبير عن الحزن تغيّرت مع الزمن، موضحاً أن "الزنجيل" استُبدل في بداياته بأدوات قريبة من معدات الجند، قبل أن يتطور لاحقاً إلى شكله المعروف اليوم.

كما يشير إلى أن بعض الممارسات مثل "عزاء طويريج" يعود إلى قرون لاحقة، في حين أن "المشي إلى زيارة الحسين" يُعد ممارسة قديمة تعود إلى عصر الأئمة -أبناء وأحفاد الإمام الحسين-.

ويرى الباحث أن اختلاف الشعائر بين بلد وآخر يعود إلى "الطبيعة الثقافية لكل مجتمع"، مضيفاً أن "التطبير والتطيين" على سبيل المثال تعود جذورهما -بحسب قراءات أنثروبولوجية- إلى عادات قديمة للتعبير عن الحزن في حضارات ما قبل الإسلام.

ويؤكد السعيدي أن "المحاضرات والندوات" تُعد من أهم الشعائر المعاصرة، مستشهداً بدور السيدة زينب والإمام زين العابدين في "إحياء الخطاب التوعوي" بعد كربلاء.

جدل فقهي واجتماعي

في المقابل، يرى الباحث الإسلامي، الشيخ حيدر التميمي، أن جزءاً من الممارسات الحالية "لا يمت إلى الدين بصلة مباشرة"، بل يمثل "سلوكيات فردية وجمعية دخيلة".

ويقول التميمي لوكالة شفق نيوز، إن "بعض هذه الممارسات أصبحت محل انتقاد حتى من داخل البيئة الحسينية، لأنها تعطي انطباعاً سلبياً في الإعلام العالمي".

ويشير إلى أن بعض الظواهر الحديثة مثل الطين أو بعض أشكال الزحف في المسيرات "لا أصل لها في النصوص"، محذراً من تحول الممارسات مع الوقت إلى "ثوابت اجتماعية يصعب تغييرها لاحقاً".

ويضيف أن "إدخال الإيقاعات الصاخبة أو الأزياء غير المناسبة" قد يفرغ المناسبة من بعدها الحزين، مؤكداً أن الأصل في زيارة الإمام الحسين هو "الطهارة والوقار لا المظاهر غير المنضبطة".

ويستند التميمي إلى قاعدة فقهية شائعة في النقاشات الدينية، هي "حرمة الإضرار بالنفس ووهن المذهب"، معتبراً أن أي ممارسة تسيء لصورة المذهب أو تضر بالجسد تحتاج إلى مراجعة شرعية دقيقة.

"تنقية الشعائر"

من جانبه، يقول الشيخ نور الساعدي، إن الشعائر الحسينية "تحمل أبعاداً روحية وتربوية عميقة"، لكنها في الوقت ذاته شهدت "بعض السلوكيات المستحدثة".

ويؤكد الساعدي لوكالة شفق نيوز، أن الفقهاء يميزون بين نوعين من الممارسات الأولى شعائر أصيلة مثل البكاء، والمجالس، واللباس الأسود، وزيارة المراقد، والثانية هي ممارسات مستحدثة تخضع للضوابط الشرعية.

ويضيف أن المرجعيات الفقهية تعتمد غالباً على قاعدتين أساسيتين هما حرمة الإضرار البليغ بالنفس، وحرمة توهين الدين أو المذهب في نظر المجتمع.

ويقول: "ليس كل ما يُمارس باسم العزاء جائزاً شرعاً، خصوصاً إذا أدى إلى تشويه صورة المذهب أو الإساءة إليه إعلامياً".

كما يدعو إلى ما يسميه "إعادة توجيه الشعائر"، عبر تحويل جزء من الجهد إلى "العمل الخدمي والتوعوي"، مثل التبرع بالدم، وخدمة الفقراء، وحملات النظافة، والمواكب الثقافية.

وفي السياق الشعبي، تقول المُلَّاية أم زهراء من كربلاء، إن المجالس الحسينية تمثل "العمود الأساسي" لإحياء ذكرى عاشوراء، -المُلَّاية امرأة تقرأ تلقي قصائد الرثاء في مجالس العزاء النسوية-.

وتضيف السيدة لوكالة شفق نيوز، أن الطقوس اليومية في محرم تشمل "المجالس، والبكاء، وقراءة القرآن، والضيافة"، معتبرة أن هذه الممارسات "تجمع بين العبادة والعزاء الاجتماعي"، خاصة في الأيام الأخيرة من محرم مثل "دفن الإمام الحسين في 13 محرم" وفق التقاليد الشعبية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon