الحرب الإسرائيلية- الفلسطينية.. نزاع عقاري في "الشيخ جراح"، هذه بدايته

الحرب الإسرائيلية- الفلسطينية.. نزاع عقاري في "الشيخ جراح"، هذه بدايته
2021-05-12T17:25:30+00:00

شفق نيوز/ في فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، تقول سيدة فلسطينية لأحد المستوطنين بلهجة معاتبة: "يعقوب، انت تعلم ان هذا ليس منزلك. انت تسرق بيتي"، ثم يرد عليها المستوطن قائلا فورا "اذا لم أسرقه انا، سيسرقه أحد آخر".

يختصر هذا الحوار القصير الكثير من مشهد الشرارة التي أشتعلت من حي الشيخ جراح في مدينة القدس، المواجهة العسكرية الحالية بين اسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة، والتي تشهد أيضا مواجهات في مدن الضفة الغربية، وبين الفلسطينيين العرب داخل ما يسمى "الخط الأخضر" تحت الحكم الاسرائيلي، وبين الاسرائيليين والمستوطنين.

والقضية شائكة لدرجة لا يمكن فهمها من دون محاولة التدقيق في خلفية النزاع القضائي القائم حول حي الشيخ جراح الذي يعتبر من مناطق القدس الشرقية التي يعتبرها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم المأمولة، ويعتبرها الإسرائيليون عاصمة فعلية لهم، وهو اعتقاد عززه ولو رمزيا، اعتراف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالسيادة الاسرائيلية على كل القدس.

ولهذا، ففي مكان ما، يتصرف الاسرائيليون على انهم يمارسون حقوقهم السيادية على ارض تابعة لهم، على غرار ما قاله المستوطن للسيدة الفلسطينية التي كانت تعاتبه عندما قال عن منزلها "إذا لم أسرقه انا، سيسرقه أحد آخر"، متجاهلا في الوقت نفسه ان هناك نزاعاً قضائياً جارياً أمام المحاكم الاسرائيلية.

وهنا تكمن جذور المشكلة الحقيقية. فهناك عائلات فلسطينية هجرت من الحي خلال حرب العام 1948، وهناك عائلات بقيت. وظل الحي باعتباره جزءا من مدينة القدس تحت السيادة الادارية للمملكة الاردنية التي قامت ببناء منازل لعائلات فلسطينية مهجرة بسبب الحرب وحصل المقيمون على عقود إيجار من السلطات الاردنية بالمنازل التي أقيمت، وظلت بحوزتهم طوال عقود، الى يومنا هذا.

وظل الوضع على هذا المنوال الى ان احتلت اسرائيل مدينة القدس بأكملها خلال حرب العام 1967 فتغير ميزان القوى والمعادلات. فباحتلال المدينة تبدل الوضع جذريا. ولم يطل الامر كثيرا حيث بدأت منذ العام 1972 تحركات لجمعيات ومنظمات يهودية للتأكيد على ان الاراضي المقام عليها منازل حي الشيخ جراح، هي بالأساس لملاك يهود، وبالتالي على الفلسطينيين الخروج منها.

وتستند الرواية اليهودية على فكرة أن جمعيات يهودية اشترت تلك الأراضي منذ أكثر من مئة سنة، أي قبل إنشاء إسرائيل بعقود، وباعتها على مر السنين إلى عائلات من المستوطنين اليهود بالرغم من وجود 28 عائلة فلسطينية مقيمة وفق عقود التأجير، الاردنية الأصل.

الا ان المشكلة تكمن في جانب آخر، وهو أن الفلسطينيين يشككون في وثائق الملكية التي يعرضها اليهود، حيث يقولون إن تسجيل الأراضي باسم الجمعية الاستيطانية حدث عن طريق الغش والخداع بالتواطؤ مع مأمور الأملاك العامة ومسجل الأراضي الإسرائيلية، وهم لذلك يطالبون المستشار القضائي للحكومة الاسرائيلية، بأن يكشف كيف تم تسجيل هذه العقارات.

وبعد انفجار الوضع الأمني في القدس من خلال الاشتباكات بين المتظاهرين الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية منذ اكثر من اسبوعين، حاولت إسرائيل احتواء الموقف، بتأجيل البت فيه لثلاثين يوما، على امل تهدئة الشارع اولا. فقبل نحو أسبوع، وافقت المحكمة العليا على طلب المدعي العام الإسرائيلي تأجيل جلستها، للنظر في عمليات إخلاء اربع عائلات فلسطينية من الحي حتى يدرس إمكانية المشاركة في الدعوى من عدمها.

لكن من المهم الاشارة الى ان المحكمة المركزية في القدس كانت قد أمرت سابقا بإخلاء منازل فلسطينية من الحي، والذي جرى ان الشرطة الاسرائيلية كانت تحاول اجبار العائلات على الخروج من المنازل، او مساعدة مجموعات من المستوطنين، لا علاقة مباشرة لهم بالخلاف القضائي، بدخول المنازل للاقامة فيها، في تضييق واضح على العائلات الفلسطينية، وهو ما أشعل شرارة المواجهات التي اوقعت العديد من الضحايا الفلسطينيين.

كما من المهم التذكير بأن السيطرة الاردنية لم تكن على القدس فقط، وإنما على مجمل مناطق الضفة الغربية التي احتلتها اسرائيل لاحقا في العام 1967. اما الامم المتحدة، وغالبية دول العالم، فلا تزال تعتبر ان الوجود الاسرائيلي في القدس ومناطق الضفة هو "احتلال" وفق القانون الدولي، وهو ما لا يجيز لها فرض تغييرات سكانية او ديمغرافية على المناطق التي تحتلها. ولهذا، لم يكن من المستغرب ان مسؤولي الامم المتحدة وصفوا محاولات اسرائيل اخلاء العائلات الفلسطينية بالقوة على انه قد يشكل "جرائم حرب" بحسب القانون الدولي.

المفارقة الاخرى التي يجب التوقف عندها في هذا الصراع الذي انفجر حربا بالصواريخ الفلسطينية والغارات الجوية الاسرائيلية، ان مبدأ استرداد أرض مشتراه قبل أكثر من مئة سنة على اساس ان ملكيتها يهودية، يتنافى تماما مع السياسة الاسرائيلية المتبعة منذ العام 1948، حيث لا تعترف السلطات الاسرائيلية بأية ممتلكات للفلسطينيين التي صودرت في مناطق انشاء اسرائيل قبل 70 سنة، كما انها تنازع الفلسطينيين الآن على ما تبقى لهم في الضفة الغربية التي ابتلعت المستوطنات اليهودية مساحات هائلة من أراضيها.

إذن، بينما تشرع اسرائيل عبر قوانينها حق المستوطنين بأراض (لو صحت مقولة ملكيتها لهم اساسا) تعود الى ما قبل الصراع اليهودي-الفلسطيني بعقود طويلة، فإنها تحرم الفلسطينيين من المطالبة بعقارات وممتلكات من منازل واراضي سيطرت عليها اسرائيل من انشائها وصارت الاف العائلات اليهودية تقيم فيها.

المهم ايضا الاشارة الى ان حي الشيخ جراح، وهو بحسب كتابات المؤرخين والوثائق العثمانية القديمة، كان وقفا اسلاميا بالاساس، وجرى السكن فيها عبر مئات السنين، يسمح لاسرائيل اذا وضعت يدها عليه، بأحكام طوق التواجد اليهودي عبر المستوطنات والمنازل اليهودية، حول المنطقة التاريخية التي يتواجد فيها مسجد قبة الصخرة، أحد أهم المقدسات عند المسلمين، بالاضافة الى حائط البراق (المبكى) المقدس عند اليهود.

وبكل الاحوال، فان التقديرات تشير إلى أن ال200 ألف مستوطن يهودي في القدس، يقيمون بالفعل على عقارات وفي منازل كان يملكها الفلسطينيون، لكنهم اما هجروا منها بعد احتلالها في العام 1967، او أجبروا بعد سلسلة من القوانين والاجراءات الاسرائيلية الشائكة خاصة عبر ما يسمى هيئة الاراضي الاسرائيلية، على إخلائها على مر الأعوام الخمسين الماضية. وكان الوجود السكاني اليهودي في القدس محدودا عبر مئات السنين، فيما يبلغ عدد الفلسطينيين الذين ما زالوا يقيمون في القدس الآن، نحو 300 ألف شخص.

وبحسب القانون الدولي، فان وجود المستوطنات الاسرائيلية في القدس يعتبر غير شرعي ومخالفة للقانون الدولي. وبكل الاحوال، فان قضية القدس مدرجة بحسب مفاوضات السلام الاسرائيلية -الفلسطينية التي بدأت منذ أكثر من 30 سنة، ضمن ما يسمى "قضايا الوضع النهائي"، وحسم السيطرة عليها يهوديا، يستبق نتائج المفاوضات مستقبلا.

وفي ظل هذه الخلفية لمشهد الاحداث الان حول القدس، من الواضح ان التوتر الدموي الذي نشهده ليس "خلافاً عقارياً"، وقد يظل على هذه الحالة من المد والجزر، وأحيانا الكثير من الدم، ما لم يتم التوصل الى تسوية عادلة وشاملة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon