11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

التسوّق الإلكتروني يصبح "فخّاً" للعراقيين وشركات التوصيل بين "نار" البائع والزبون

التسوّق الإلكتروني يصبح "فخّاً" للعراقيين وشركات التوصيل بين "نار" البائع والزبون
2026-06-26T12:38:31+00:00

شفق نيوز- كركوك

لم يعد التسوق الإلكتروني في العراق "خياراً هامشياً" بل تحول مؤخراً إلى أحد أبرز أنماط التجارة الحديثة، مدفوعاً بانتشار الهواتف الذكية، وتوسع استخدام الإنترنت، واعتماد مواقع التواصل الاجتماعي منصاتٍ للبيع والشراء.

ورغم ما وفّره هذا التحول من خيارات أوسع للمستهلكين وأسهم في خلق فرص عمل جديدة لشركات التوصيل، برزت في المقابل تحديات تتعلق بجودة المنتجات، وانتشار الصفحات الوهمية، وضعف الضمانات القانونية، الأمر الذي جعل ثقة المستهلك العراقي على المحك.

الأسواق العراقية شهدت خلال السنوات الأخيرة، ظهور مئات الصفحات والمتاجر الإلكترونية التي تعرض مختلف السلع، ويعتمد معظمها على نظام "الدفع عند الاستلام"، وهو ما شجع شريحة واسعة من المواطنين على خوض تجربة الشراء الإلكتروني دون الحاجة إلى بطاقات مصرفية أو وسائل دفع إلكترونية.

ورغم الإقبال المتزايد، فإن كثيراً من المتسوقين يؤكدون أن التجربة لا تخلو من المخاطر، إذ يصل المنتج في أحيان كثيرة مختلفاً عن الصور أو المواصفات التي تم الاتفاق عليها، فيما تختفي بعض صفحات البيع بعد إتمام عملية التسليم، لتبقى الخسارة على عاتق المشتري.

وبين وقوع الزبون ضحية "الصفحات الوهمية"، تبرز معاناة أصحاب التوصيل الذين لا "حول لهم ولا قوة"، بسبب رفض الزبائن استلام الطلب وعدم منحهم أجور النقل.

إغلاق الصفحات بعد البيع

وتقول الموظفة الحكومية أسماء علي (40 عاماً)، إنها أصبحت تعتمد على التسوق الإلكتروني لتوفير الوقت والجهد، لكنها لا تتعامل إلا مع الصفحات التي تمتلك سمعة جيدة وتقييماً مرتفعاً من الزبائن.

وتضيف في تصريح لوكالة شفق نيوز، أن تجربتها السابقة مع استلام منتج أقل جودة من المعلن عنه دفعتها إلى توخي الحذر قبل إتمام أي عملية شراء، مشيرة إلى أن غياب آليات واضحة لاسترجاع المنتجات المخالفة يقلل من ثقة المواطنين بهذا النوع من التجارة.

أما الطالبة الجامعية براء الحسان، فتقول لوكالة شفق نيوز، إن بعض صفحات البيع تعرض منتجات بصور احترافية وأسعار مغرية، وبعد الاتفاق على السعر والحجم والجودة، يطلب منها إرسال "الاسم والمحافظة ورقم الهاتف" ليتم إرسال الطلب عبر إحدى شركات التوصيل.

وتضيف: "لكن عند استلام البضاعة أكتشف أنها تختلف تماماً عن المواصفات التي تم الاتفاق عليها، وعندما أطلب إعادتها يرفض موظف التوصيل كونه غير مخول بذلك، وعند العودة إلى الصفحة التي باعت المنتج أجد أنها أغلقت أو توقفت عن الرد، فتكون الخسارة من نصيب المشتري".

وتصف الحسان، هذه الممارسات بأنها "تمثل نوعاً من النصب والاحتيال الإلكتروني الذي يستوجب رقابة حكومية وتشريعات أكثر صرامة".

شركات التوصيل ضحية البائع

"موظفو التوصيل ليسوا طرفاً في عملية البيع، ولا يتحملون مسؤولية جودة المنتجات أو مطابقتها للمواصفات"، بحسب ما يؤكده العامل في توصيل الطلبات خالد محمود.

ويقول محمود لوكالة شفق نيوز، إن عمله يبدأ بعد استلام الطرود من إحدى شركات التوصيل التي تستلمها بدورها من صفحات البيع أو المتاجر الإلكترونية، ثم يقوم بإيصالها إلى الزبون واستيفاء قيمتها وإعادتها المال إلى الشركة، مقابل أجور النقل.

ويضيف، أن دخله يتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف دينار عراقي عن كل رحلة توصيل، بحسب عدد الطلبات والمسافات، حيث لا يكون العمل يومياً، وإنما بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع، وفق حجم الطلبات.

ويبين محمود، أن حالات اعتراض الزبائن على جودة المنتجات تتكرر باستمرار، إلا أن موظف التوصيل لا يمتلك صلاحية إرجاع البضاعة أو استبدالها.

وفي السياق، يقول علي حسين، وهو أحد العاملين في التوسط بين البائع والمشتري، إن أغلب المشكلات التي تواجه العاملين في هذا القطاع تعود إلى "عدم التزام" بعض صفحات البيع بالمواصفات التي تعلن عنها.

ويؤكد حسين لوكالة شفق نيوز، أن الوسيط يحاول تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أن اختفاء بعض الصفحات بعد البيع يجعل حل المشكلة أمراً شبه مستحيل.

ويضيف، أن اعتماد صفحات موثقة وسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع سيسهم في "تقليل النزاعات" وزيادة ثقة المواطنين بالتجارة الإلكترونية.

تجارة بمليار دولار سنوياً

وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي علي خليل، أن التجارة الإلكترونية في العراق أصبحت واحدة من أسرع القطاعات نمواً خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من التحول الرقمي واتساع استخدام الهواتف الذكية والإنترنت.

ويقول خليل لوكالة شفق نيوز، إن التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن عشرات آلاف عمليات الشراء الإلكترونية تُنفذ يومياً في العراق، بينما تنمو أعداد صفحات البيع وشركات التوصيل بصورة مستمرة.

ويضيف، أن هذا القطاع يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء في التوصيل أو التخزين أو التسويق الإلكتروني أو خدمة الزبائن.

ويستطرد المحلل الاقتصادي، أن نسبة كبيرة من عمليات البيع تعتمد على الدفع عند الاستلام، وهو ما ساعد على توسع السوق، لكنه في الوقت نفسه زاد من فرص الاحتيال بسبب غياب التحقق المسبق من هوية البائع أو جودة المنتج.

ويشدد خليل، على أهمية سن تشريعات تنظم التجارة الإلكترونية، وإلزام المتاجر بسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع، وإنشاء منصات رسمية لتسجيل المتاجر الإلكترونية، بما يسهم في الحد من "الصفحات الوهمية" وحماية حقوق المستهلكين.

وتفيد تقديرات السوق بأن إيرادات التجارة الإلكترونية في العراق تجاوزت 700 مليون دولار خلال عام 2024، مع استمرار وتيرة النمو خلال عامي 2025 و2026، بحسب ما يوضحه الخبير الاقتصادي الذي توقّع أن يتجاوز حجم السوق مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة إذا استمرت عملية التحول الرقمي بالمعدلات الحالية.

ويتابع أن ما بين 60 و70% من عمليات الشراء الإلكترونية في العراق ما تزال تعتمد على الدفع عند الاستلام، وهو ما يعكس استمرار تفضيل المستهلك العراقي لمعاينة المنتج قبل تسديد ثمنه، رغم التوسع التدريجي في خدمات الدفع الإلكتروني.

ويشير خليل، إلى أن استمرار نمو السوق يتطلب سن تشريعات تنظم التجارة الإلكترونية، وتعزز حماية المستهلك من "الغش والاحتيال"، وتلزم المتاجر الإلكترونية بسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع، بما يسهم في ترسيخ ثقة المواطنين وتشجيع الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي.

وفي ظل التوسع المستمر للتجارة الإلكترونية، يبدو أن هذا القطاع مرشحاً لمزيد من النمو خلال السنوات المقبلة، إلا أن استدامة هذا النمو ستبقى مرهونة بقدرة الجهات المعنية على تنظيم السوق، وتعزيز حماية المستهلك، وتشجيع المتاجر الموثوقة، بما يحقق التوازن بين مصالح البائعين وحقوق المشترين، ويجعل التجارة الإلكترونية في العراق أكثر أمناً وثقة واستقراراً.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon