اختفاء العملات النقدية الصغيرة يتسبب بـ"إرباك يومي" في الأسواق العراقية

اختفاء العملات النقدية الصغيرة يتسبب بـ"إرباك يومي" في الأسواق العراقية
2026-09-03T08:05:12+00:00

شفق نيوز- كركوك

تشهد الأسواق المحلية في محافظة كركوك صعوبة متزايدة في الحصول على العملات النقدية الصغيرة من فئات 250 و500 و1000 دينار، وسط شكاوى من التجار والمواطنين من ندرتها في التعاملات اليومية، فيما يقول أصحاب محال تجارية إن ما يتوفر منها غالباً يكون قديماً ومتهالكاً أو ممزقاً، الأمر الذي يزيد من صعوبة استخدامه في عمليات البيع والشراء.

وتبدو المشكلة للوهلة الأولى متناقضة مع الأرقام المتاحة عن حجم الأوراق النقدية الصغيرة في العراق، إذ تشير بيانات حديثة إلى وجود مئات الملايين من الأوراق من هذه الفئات، إلا أن وجودها ضمن البيانات النقدية لا يعني بالضرورة أن جميعها متاح للتداول فعلياً أو بحالة جيدة، وهو ما يفتح تساؤلات عن دورة النقد وآليات سحب الأوراق التالفة واستبدالها وضخ البدائل الجديدة في الأسواق.

إرباك يومي

ويقول أحد أصحاب المتاجر في سوق شارع الأطباء بكركوك، عباس أحمد، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "الحصول على فئات 250 و500 و1000 دينار أصبح أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق، والمشكلة تظهر بصورة واضحة عندما يدفع الزبون حسابه بعملات نقدية كبيرة، ما يضطرنا إلى الطلب من الزبون شراء سلعة أخرى بالمبلغ المتبقي".

ويشير إلى أن بعض الأوراق الصغيرة التي تصل إلى المحال تكون في حالة سيئة، إذ تكون ممزقة أو متسخة أو مهترئة نتيجة كثرة التداول، ما يجعل قبولها من قبل بعض التجار والمواطنين أمراً صعباً.

ويضيف: "استمرار هذا الأمر يخلق إرباكاً يومياً في الأسواق، خصوصاً بالنسبة للمتاجر التي تتعامل مع أعداد كبيرة من الزبائن"، مؤكداً أن المشكلة لا تتعلق بقيمة الورقة النقدية الصغيرة بقدر ما تتعلق بدورها في إكمال المعاملات التجارية.

من جانبه، يقول صاحب أحد محال الصيرفة في شارع الجمهورية بكركوك، سمير عبد الله، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن الطلب على العملات الصغيرة ارتفع بشكل ملحوظ، في مقابل صعوبة توفيرها بالكميات التي يحتاجها السوق.

ويبين أن المواطنين والتجار يلجؤون إلى محال الصيرفة للحصول على الفئات الصغيرة، إلا أن الكميات المتاحة لا تكون مستقرة، فيما تزداد المشكلة عندما تكون الأوراق المعروضة للاستبدال بحالة متضررة.

ويضيف أن الورقة النقدية الصغيرة تنتقل بين أعداد كبيرة من الأشخاص خلال فترة قصيرة، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للتلف مقارنة بالفئات الكبيرة، لافتاً إلى أن جزءاً من الأوراق التي تصل إلى الصيرفة يكون بحاجة إلى الاستبدال بدلاً من إعادة طرحه في السوق.

ويرى عبد الله أن الحل لا يقتصر على ضخ أوراق جديدة فقط، وإنما يتطلب أيضاً سحب الأوراق التالفة من التداول بصورة منتظمة، لأن استمرار وجودها يقلل من كمية النقد الصالح للاستخدام حتى لو كانت الأرقام الرسمية تشير إلى وجود أعداد كبيرة من هذه الفئات.

وفي سوق القلعة بكركوك، يواجه تجار الجملة المشكلة نفسها، إذ يقول صاحب أحد محال بيع الجملة، حمزة الجباري، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن نقص الفئات الصغيرة أصبح جزءاً من التعاملات اليومية في السوق.

ويضيف: "عمليات البيع بالجملة والمفرد تحتاج أحياناً إلى إعادة مبالغ صغيرة للزبائن، إلا أن عدم توفرها يجعل التاجر أمام خيارات محدودة، منها تقريب السعر أو إضافة سلعة أخرى بدلاً من المبلغ النقدي المتبقي".

ويشير إلى أن بعض التجار يحتفظون بما يصل إليهم من أوراق 250 و500 و1000 دينار وعدم استخدامها في تعاملات أخرى إلا عند الضرورة، خوفاً من عدم تمكنهم من الحصول عليها مرة أخرى، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تقليل حركة هذه الفئات داخل السوق.

ويلفت إلى أن "المشكلة تبدو بسيطة من الناحية المالية، لكن آثارها تتوسع عندما تتكرر آلاف المرات يومياً، خصوصاً في الأسواق الشعبية ومحال المواد الغذائية والمخابز ووسائل النقل وغيرها من الأنشطة التي تعتمد على التعامل النقدي المباشر".

مئات الملايين من الأوراق

وتشير أحدث تقديرات منشورة في 2026 إلى أن حجم الأوراق النقدية من الفئات الصغيرة لا يعكس بالضرورة ما يراه المواطن في السوق.

وبحسب متابعة وكالة شفق نيوز لبيانات الإصدار النقدي، ارتفع عدد أوراق فئة 1000 دينار من 718 مليون ورقة عام 2022 إلى 775 مليون ورقة في 2026، فيما ارتفع عدد أوراق فئة 250 ديناراً من 795 مليون ورقة إلى 818 مليون ورقة خلال الفترة نفسها، بينما تراجعت فئة 500 دينار بشكل طفيف من 147 مليون ورقة إلى 145.4 مليون ورقة.

وبذلك يبلغ مجموع الأوراق من الفئات الثلاث نحو 1.738 مليار ورقة وفق هذه التقديرات لعام 2026، مقابل نحو 1.660 مليار ورقة عام 2022، بزيادة تقارب 78.4 مليون ورقة.

وتظهر الأرقام أن فئة الألف دينار سجلت زيادة بنحو 57 مليون ورقة، فيما ارتفعت فئة 250 ديناراً بنحو 23 مليون ورقة، بينما انخفضت فئة 500 دينار بنحو 1.6 مليون ورقة.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن 1.738 مليار ورقة موجودة جميعها في جيوب المواطنين أو خزائن المتاجر وبحالة صالحة للتداول، إذ إنها تعكس أعداد الأوراق ضمن بيانات الإصدار النقدي، ولا تمثل مسحاً ميدانياً لكمية الأوراق الموجودة فعلياً في الأسواق أو نسبة التالف منها. وهذه نقطة أساسية عند تفسير مشكلة نقص العملات الصغيرة.

كما أن البنك المركزي العراقي ما زال يدرج فئات 250 و500 و1000 دينار ضمن الأوراق النقدية المتداولة رسمياً، مؤكداً عند إصدار الطبعة الثانية من الأوراق النقدية أن الأوراق السابقة تستمر بالتداول إلى جانب الإصدارات الجديدة، من دون نية لسحبها من التداول.

مشكلة التالف

ويرى الخبير الاقتصادي علي خليل، في تصريح لوكالة شفق نيوز، أن مشكلة العملات الصغيرة يجب ألا تقاس فقط بعدد الأوراق التي أصدرها البنك المركزي، وإنما بعدد الأوراق الصالحة فعلياً للتداول.

ويقول إن الفئات الصغيرة تتعرض لمعدلات مرتفعة من الاستهلاك والتلف بسبب كثرة انتقالها بين الأفراد، وبالتالي فإن جزءاً من الكمية المصدرة قد يكون خرج من التداول أو أصبح بحاجة إلى الاستبدال.

ويضيف أن "وجود أكثر من مليار ورقة من الفئات الثلاث ضمن البيانات النقدية لا يعني بالضرورة وجود فائض منها في الأسواق، لأن الورقة النقدية التي تصبح تالفة تفقد قدرتها العملية على أداء وظيفتها، حتى وإن بقيت محسوبة ضمن أعداد الأوراق التي تم إصدارها".

ويشير إلى أن معالجة المشكلة تتطلب تعزيز آليات استبدال الأوراق التالفة، وضمان وصول الأوراق الجديدة إلى الأسواق بصورة مستمرة، إلى جانب متابعة حركة النقد بين المصارف والصيرفة والتجار.

ويؤكد خليل أن "نقص الفئات الصغيرة ينعكس على التسعير اليومي، وقد يؤدي إلى تقريب الأسعار بصورة غير دقيقة، الأمر الذي يمكن أن يحمل المستهلك أحياناً مبالغ إضافية صغيرة، لكنها تصبح ذات أثر عندما تتكرر بصورة مستمرة".

تعليمات البنك المركزي

وتشير البيانات الرسمية إلى أن البنك المركزي العراقي لديه بالفعل آليات محددة للتعامل مع الأوراق النقدية التالفة، إذ نشر معايير رسمية لاستبدالها، تتضمن شروطاً وإجراءات مختلفة بحسب طبيعة الضرر الذي تعرضت له الورقة النقدية.

كما تتوفر خدمة إلكترونية رسمية عبر بوابة أور لتقديم طلبات استبدال الأوراق النقدية التالفة لدى البنك المركزي العراقي، بما يتيح للمواطنين تقديم طلباتهم وفق الإجراءات المعتمدة.

وتشير هذه الإجراءات إلى أن التعامل مع الأوراق التالفة ليس مسؤولية المواطن وحده، بل جزء من منظومة إدارة النقد التي تشمل المصارف والبنك المركزي وآليات سحب الأوراق غير الصالحة وإبدالها بأوراق قابلة للتداول.

وكان البنك المركزي قد أصدر في عام 2020 قراراً بإعادة فرض غرامة النقص على الفئات الصغيرة، وهي 1000 و500 و250 ديناراً، اعتباراً من الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2020، وفق تعليمات معايير تداول الأوراق النقدية واستبدالها وآليات العد والفرز.

ويعكس ذلك اهتمام السياسة النقدية بتوفير الفئات الصغيرة في النظام النقدي، نظراً إلى استخدامها الواسع في المعاملات اليومية.

المواطن في مواجهة أزمة "الباقي"

وتقول الموظفة سهاد إبراهيم، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن المواطنين هم الطرف الأكثر تأثراً بالمشكلة، لأنهم لا يستطيعون التحكم في توفر الفئات الصغيرة عندما يشترون حاجاتهم اليومية.

وتضيف أن الزبون قد يدفع مبلغاً أكبر من قيمة السلعة، لكنه لا يحصل أحياناً على كامل الباقي، أو يضطر إلى شراء شيء آخر حتى لا يخسر المبلغ المتبقي، مشيرة إلى أن هذه المشكلة تتكرر في المحال والأسواق ووسائل النقل.

وتوضح إن توفير العملات الصغيرة بحالة جيدة سيجعل التعاملات اليومية أكثر سهولة، خصوصاً بالنسبة للموظفين وأصحاب الدخل المحدود الذين يتعاملون بمبالغ صغيرة ومتكررة.

بين الأرقام والواقع

وتكشف مشكلة العملات الصغيرة عن فجوة محتملة بين حجم النقد المسجل ضمن بيانات الإصدار النقدي وبين النقد المتاح فعلياً للتداول اليومي بحالة جيدة.

فالأرقام المتاحة تشير إلى وجود مئات الملايين من الأوراق من فئات 250 و500 و1000 دينار، لكن التجار في كركوك يقولون إنهم يواجهون صعوبة في الحصول عليها، فيما يؤكد أصحاب الصيرفة أن جزءاً مما يصلهم يكون تالفاً أو متهالكاً.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه لا يتعلق فقط بعدد الأوراق التي أُصدرت، وإنما بحجم الأوراق الصالحة فعلياً للتداول، ومقدار ما تم سحبه من السوق بسبب التلف، ومدى سرعة استبداله بأوراق جديدة.

ويرى اقتصاديون أن معالجة المشكلة تحتاج إلى بيانات أكثر تفصيلاً حول أعداد الأوراق التالفة التي يتم سحبها سنوياً، وكميات الأوراق الجديدة التي يتم ضخها في كل فئة، وتوزيعها جغرافياً بين المحافظات.

وفي ظل استمرار اعتماد شريحة واسعة من العراقيين على التعامل النقدي، فإن الفئات الصغيرة تبقى جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية اليومية، رغم انخفاض قيمتها الاسمية.

وبينما تظهر البيانات المتاحة ارتفاع أعداد أوراق فئتي 250 و1000 دينار منذ عام 2022، وتراجعاً طفيفاً لفئة 500 دينار، فإن شكاوى الأسواق تشير إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في توافر هذه الأوراق بحالة جيدة وفي المكان والوقت المناسبين.

ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى تعزيز دورة استبدال النقد التالف، وضمان وصول الفئات الصغيرة إلى المصارف ومحال الصيرفة والأسواق، بما يمنع تحول مشكلة "الباقي" إلى أزمة يومية للمواطن والتاجر على حد سواء.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon