43 مليون دولار خسائر العراق بسبب إغلاق الأجواء
شفق نيوز/ طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية العراقية
شفق نيوز- بغداد
تحولت سماء العراق، التي كانت حتى وقت قريب أحد أقصر وأهم الممرات الجوية التي تربط شرق آسيا بأوروبا، إلى منطقة مغلقة مع دخول الحرب الإقليمية يومها التاسع عشر، مخلفة وراءها فاتورة خسائر أولية ثقيلة لقطاع النقل والملاحة في البلاد تقدر بنحو 43 مليون دولار، بما يعادل نحو 2.26 مليون دولار يومياً.
فمنذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي وإغلاق الأجواء العراقية بالكامل، تكبد القطاع الملاحي خسائر كبيرة تمثلت بتوقف حركة الطيران المدني، وتعطل عمل المطارات، وانقطاع إيرادات عبور الطائرات الأجنبية، فضلاً عن خسائر مباشرة تكبدها الناقل الوطني.
ويرى مراقبون ومسؤولون أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على الجانب المالي فحسب، بل امتدت لتؤثر على ثقة شركات الطيران العالمية بالأجواء العراقية، في وقت يسجل فيه الناقل الوطني خسائر يومية في مبيعات التذاكر تبلغ 500 مليون دينار.
إغلاق الأجواء
ويرسم المتحدث باسم وزارة النقل العراقية، ميثم الصافي، صورة ميدانية لما خلفته الحرب في مفاصل القطاع، مؤكداً أن "الأحداث العسكرية التي تعصف بالمنطقة ألقت بظلالها على قطاع النقل في العراق، بعد اتخاذ قرار إغلاق الأجواء العراقية بشكل تام".
ويوضح الصافي لوكالة شفق نيوز، أن هذا الإغلاق أدى إلى توقف حركة الطيران بشكل كامل، سواء الطائرات العابرة للأجواء العراقية أو الرحلات المغادرة والهابطة في المطارات المحلية، ما تسبب بتراجع واضح في إيرادات هذه المفاصل الحيوية.
ويضيف المتحدث، أن أسطول الخطوط الجوية العراقية توقف بالكامل نتيجة غياب حركة الطيران، الأمر الذي انعكس على العديد من التشكيلات المرتبطة بالملاحة الجوية والمطارات.
ورغم ذلك، يشير الصافي إلى أن بعض القطاعات التابعة للوزارة ما تزال تعمل، مثل نقل المسافرين والوفود والنقل البري والأنواء الجوية، مؤكداً أن الأزمة تتركز بشكل أساسي في القطاعات المرتبطة بالملاحة الجوية والموانئ.
خسائر العبور
وبلغة الأرقام، تبدو الخسائر واضحة ومباشرة، إذ يكشف مصدر مسؤول، أن رسوم عبور الأجواء العراقية تختلف باختلاف نوع الطائرة، حيث تبلغ الرسوم الأساسية نحو 375 دولاراً، وترتفع إلى نحو 400 دولار للطائرات المدنية، بينما تصل إلى نحو 700 دولار لطائرات الشحن، بمتوسط تقريبي يصل إلى 450 دولاراً لكل رحلة عابرة.
وقبل الأزمة، يوضح المسؤول لوكالة شفق نيوز، أن الأجواء العراقية كانت تشهد مرور ما بين 600 إلى 700 طائرة يومياً، وباحتساب الحد الأدنى لهذا الرقم، فإن العراق يخسر نحو 270 ألف دولار يومياً من رسوم العبور فقط، أي ما يعادل نحو 8.1 ملايين دولار شهرياً.
ويضيف أن هذه الإيرادات لا تذهب إلى خزينة الدولة فقط، بل تشكل مورداً أساسياً لصيانة أنظمة الرادار والمعدات الملاحية في المطارات، فضلاً عن تمويل حوافز المراقبين الجويين والكوادر الفنية العاملة في قطاع الملاحة.
كما أن إغلاق الأجواء العراقية، التي تعد أحد أقصر المسارات الجوية بين آسيا وأوروبا، يجبر شركات الطيران على تغيير مساراتها الجوية، ما يؤدي إلى زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف الوقود والتشغيل، بحسب المسؤول.
مسارات الأزمة
من جانبه، يحدد الخبير في مجال الطيران فارس الجوراني، ثلاثة مسارات رئيسية للأزمة التي يواجهها قطاع الطيران في العراق، مبيناً أن المسار الأول يتمثل في خسارة الإيرادات السيادية الناتجة عن رسوم عبور الطائرات، حيث فقد العراق رسوم عبور أكثر من 13 ألف رحلة جوية خلال 19 يوماً فقط من عمر الأزمة.
أما المسار الثاني فيتعلق بتوقف المطارات العراقية الستة التي كانت تدير نحو 200 رحلة يومياً، ويؤكد الجوراني لوكالة شفق نيوز، أن هذا التوقف أدى إلى فقدان دخل مباشر يقدر بنحو 12.8 مليون دولار خلال أسبوعين فقط من رسوم الخدمات الأرضية.
ويتمثل المسار الثالث في الخسائر التي يتكبدها الناقل الوطني، إذ يواجه أسطول الخطوط الجوية العراقية خسائر يومية في مبيعات التذاكر تقدر بنحو 500 مليون دينار عراقي، لتصل الخسائر التراكمية خلال 19 يوماً إلى نحو 9.5 مليارات دينار.
ويحذر الجوراني من أن استمرار إغلاق الأجواء لفترة أطول سيؤدي إلى تفاقم هذه الخسائر، خاصة مع استمرار التزامات الشركة بدفع الرواتب وتكاليف الصيانة والتأمين، التي ارتفعت بعد تصنيف المنطقة كـ"منطقة حرب".
اهتزاز الثقة
ولا تقتصر الخسائر على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى سمعة الأجواء العراقية على المستوى الدولي، إذ يقول الخبير الاقتصادي كريم الحلو، إن العراق كان خلال السنوات الأخيرة أحد الممرات الجوية المفضلة لشركات الطيران العالمية، خصوصاً بعد حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية في طهران عام 2020، حيث تجنبت الشركات الأجواء الإيرانية ولجأت للعراق.
ويضيف الحلو لوكالة شفق نيوز، أن العراق اليوم يجد نفسه مجبراً على إغلاق أجوائه بسبب موقعه الجغرافي في قلب الصراع، في وقت أغلقت فيه أجواء عدة دول في المنطقة أيضاً.
ويشير الحلو إلى أن الأزمة في العراق لا تتوقف عند قطاع الطيران فقط، بل تمتد إلى قطاعات اقتصادية أخرى، خصوصاً بعد توقف صادرات النفط وتعطل طرق الملاحة البحرية في المنطقة عقب إغلاق مضيق هرمز.
بطء التعافي
ويؤكد خبراء الطيران أن التعافي لن يكون فورياً حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، فبحسب الجوراني، يحتاج قطاع الطيران في العراق ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر لاستعادة ثقة شركات الطيران الدولية وإعادة حركة العبور إلى مستوياتها السابقة، خاصة بعد تحول الأجواء العراقية إلى مسرح للعمليات العسكرية.
في المقابل، يرى الباحث في الشأن الأمني كاظم الجحيشي، أن العامل الاقتصادي هو الأكثر تأثيراً في ملف إغلاق الأجواء، قائلاً إن الملاحة الجوية المدنية في سماء العراق لا تشكل خطراً أمنياً مباشراً على الدولة، لكن إغلاق الأجواء يعني خسارة مورد اقتصادي مهم يدر ملايين الدولارات سنوياً.
ويضيف الجحيشي لوكالة شفق نيوز، أن الاستفادة من الأجواء الجوية تمثل مورداً مالياً مهماً للعراق، وأن توقف هذا المورد يعكس حجم التأثير الاقتصادي للتوترات الإقليمية على البلاد.
خسائر مباشرة
وعند تحليل الخسائر المباشرة للقطاع الجوي العراقي خلال 19 يوماً من إغلاق الأجواء، يظهر أن الضرر يوزع بين عدة بنود رئيسية أبرزها رسوم عبور الطائرات التي فقدت الدولة نحو 5.14 مليون دولار، وخسائر الناقل الوطني التي بلغت نحو 6.55 مليون دولار.
كما تقدر خسائر المطارات والخدمات الأرضية بنحو 17.32 مليون دولار، وتكاليف التشغيل الإضافية لمسارات بديلة بما يقارب 13.97 مليون دولار.
وبناءً على ذلك، يصل إجمالي الخسائر المباشرة إلى نحو 42.98 مليون دولار تقريباً، دون احتساب الخسائر غير المباشرة مثل تراجع ثقة شركات الطيران الدولية والتأثير على الحركة المستقبلية.
وتأتي هذه الخسائر الكبيرة رغم أن العراق ليس طرفاً مباشراً في الحرب الإقليمية، لكنه يتحمل تداعياتها على اقتصاد هش ومتضرر، خصوصاً بعد انعكاس إغلاق مضيق هرمز الذي تعتمد عليه صادرات النفط، والتي تغطي نحو 95% من الموازنة العامة.
وإلى جانب الخسائر المباشرة، تعكس هذه الأوضاع صورة سلبية عن بيئة الاستقرار في البلاد، في وقت يسعى العراق لتعزيز موقعه الإقليمي وجذب المزيد من الحركة الجوية والاستثمارات في قطاع النقل.
ويؤكد مراقبون في النهاية، أن أي استمرار للتوتر أو الصراع قد يضطر شركات الطيران العالمية إلى تغيير مساراتها نحو بدائل أطول عبر دول مجاورة، ما يزيد من تكاليف الرحلات ويُضعف موقع العراق التنافسي كممر جوي مختصر.