"وضع كوردستان على طاولة العالم".. واشنطن تقرأ دبلوماسية نيجيرفان بارزاني وتؤشر اختباراً
لقاء نيجيرفان بارزاني مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مؤتمر دافوس/ نوفمبر 2024
شفق نيوز- ترجمة خاصة
سلط تقرير أميركي، الضوء على نجاح رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في تحويل السياسة الكوردية من النهج القائم على "الثورية" إلى أسلوب أكثر حداثة في إدارة الدولة، إلا أن مساره هذا يواجه 3 عوامل رئيسية صعبة داخل الإقليم نفسه، فيما اعتبر أن النافذة الدبلوماسية التي فتحها بارزاني، بإمكانها أن تحقق مكاسب ملموسة للإقليم والشعب الكوردي ككل.
ورأى تقرير لمعهد "ناشيونال إنترست" الأميركي، ترجمته وكالة شفق نيوز، أن دبلوماسية نيجيرفان بارزاني هذه ساهمت في جعل إقليم كوردستان أكثر حضوراً على الصعيد الدولي، وأكثر قدرة على التواصل مع العواصم المنافسة، وأكثر فائدة للشركاء الساعين نحو خفض التصعيد في العراق وسوريا، إلا أنه قال إن "التحدي الأكبر قد لا يكمن في بغداد أو واشنطن أو أنقرة أو طهران أو باريس أو دمشق".
وبحسب التقرير الذي كتبه الأكاديمي سوران ترخاني، الأستاذ في جامعة هامبتون الأميركية، فإن هناك ثلاثة عوامل رئيسية في السياسة الداخلية قد تحد من قدرة السياسة الخارجية الكوردية على تحقيق أهدافها. يتمثل العامل الأول في تعثر عملية تشكيل حكومة الإقليم، فيما يتعلق العامل الثاني بالتصورات القائمة داخل الإقليم وخارجه بشأن تأثير التوازنات الحزبية والعائلية في صناعة القرار، فرغم نجاح نيجيرفان بارزاني في ترسيخ نهج يضع مصالح الإقليم وشعبه في مقدمة الأولويات، فإن تحركه يبقى محكوماً ببيئة سياسية داخلية معقدة وتعدد في مراكز التأثير، أما العامل الثالث، فيرتبط بتجزؤ جهاز صناعة السياسة الخارجية وافتقاره إلى مستوى أعلى من التنسيق والرؤية الاستراتيجية اللازمة لتحويل إنجازات بارزاني الدبلوماسية إلى مكاسب مؤسسية مستدامة.
وفي حين أكد المعهد الأميركي أن فرصة الدبلوماسية التي يفتحها نيجيرفان بارزاني بإمكانها أن تحقق مكاسب ملموسة للإقليم وللشعب الكوردي، إلا أنه رأى أن هذه الفرصة قد تتلاشى في حال لم تتمكن الأحزاب السياسية الكوردية في العراق، من التوصل إلى تسوية بينها وإيجاد طريقة لدعم ازدهار المؤسسات في أربيل.
تأسيس واقع جديد
وذكر التقرير أن الكورد كانوا يخشون دائماً من ضياع ما اكتسبوه من خلال التضحيات الكبيرة بسرعة على طاولة المفاوضات، مضيفاً أن هذه المخاوف ليست مجرد شعار، وإنما تعكس واقعاً عاشته أجيال بسبب التحالفات التي يجري التخلي عنها، والصفقات التي تبرم من فوق رؤوس الكورد، واللحظات التي فشلت فيها المكاسب العسكرية أو الميدانية في التحول إلى ضمانات مستدامة، مشيراً إلى أن هذه المخاوف خلفت آثاراً عميقة في السياسة الكوردية.
ووفق التقرير الأميركي، فإن ذكريات التجارب الماضية عادت بشكل قوي بعد فشل استفتاء الاستقلال عام 2017، الذي عبر عن طموح وطني حقيقي، إلا أنه ترك الإقليم مكشوفاً دبلوماسياً، وهو ما فجر مواجهة مع بغداد انتهت بخسائر "على الأرض" وسياسية، في حين تنحى مسعود بارزاني عن رئاسة الإقليم، وظل المنصب شاغراً حتى تولاه ابن أخيه، نيجيرفان بارزاني، في عام 2019.
ونبه إلى أهمية قراءة رئاسة نيجيرفان في سياق هذا التاريخ، أي بمعنى أن وصوله كان بمثابة محاولة لطي الصفحة.
وأضاف أن أهميته لا تتعلق فقط بكونه قائداً كوردياً آخر ينشط على الساحة الدولية، إذ إن السياسة الكوردية أنتجت مفاوضين بارزين من قبل، مثل جلال طالباني ومسعود بارزاني، إلا أن تميز نيجيرفان مختلف عنهم، لأنه منذ توليه رئاسة الإقليم، بعدما شغل سابقاً منصب رئيس الحكومة، حاول تغيير قواعد عمل الدبلوماسية الكوردية ذاتها.
وطبقاً للتقرير، فإن هذا التغيير يتضح في الانتقال من هيبة الثورة إلى العمل المؤسسي لإدارة الدولة، والتفاوض الوقائي، ومن التعامل مع بغداد كخصم فقط إلى التعامل معها كساحة حتمية يتحتم أن تتم حماية الحكم الذاتي الكوردي من داخلها، مضيفاً أن نيجيرفان بارزاني يسعى إلى الخروج من عباءة التجربة التاريخية الكوردية ليؤكد أن الكورد بمقدورهم التعامل بشكل بناء وإيجابي مع العالم وفقاً لمقتضيات العصر.
كما أشار إلى أن نيجيرفان بارزاني قد يكون الزعيم الكوردي الأكثر شهرة في العواصم الأجنبية حالياً، حيث إنه حفيد مصطفى بارزاني، مؤسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي لا يزال إرثه يلعب دوراً أساسياً في تحديد معالم الخطاب السياسي الكوردي، بالإضافة إلى أنه ابن أخ مسعود بارزاني، الزعيم البارز الذي يمثل الخيال القومي الكوردي، وفق التقرير الأميركي.
ولهذا، قال التقرير إن عائلة بارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني هما من يحددان للقادة والدبلوماسيين الأجانب كيف تتم قراءة خريطة القوة والنفوذ في أربيل.
سياسات الوجاهة
ومع ذلك، شدد تقرير "ناشيونال إنترست" على ضرورة عدم تشويه الأسلوب القديم للدبلوماسية الكوردية، لأنها تشكلت في ظروف "اللا-دولة"، حيث لم يكن لدى القادة الكورد سفارات، ولا جيش معترف به في القانون الدولي، ولا مقعد في الأمم المتحدة، ولا قوة عظمى ترعاهم بشكل دائم.
ولهذا فإن الدبلوماسية اعتمدت في ظل هذه الظروف على الشخصية، والسيرة الذاتية، والنسب العائلي، والولاء الحزبي، والشرعية الثورية، حيث إن القائد الذي حارب وعانى، وخاض المنفى ودفن أقاربه، وحمل القضية الوطنية، كان يتحدث بسلطة أخلاقية ليس بإمكان أي منصب رسمي تعويضها بسهولة، ولهذا فإن مسعود بارزاني يظل التجسيد المعاصر الأبرز لهذا التقليد في الإقليم.
وتابع التقرير أن نيجيرفان بارزاني يخرج عن هذا التقليد، ولكن من دون أن ينفصل عنه بشكل كامل، كما أن أسلوبه الدبلوماسي أقل استعراضاً وأقل تركيزاً على الدراما الأخلاقية للمعاناة الكوردية، وقائم على التواصل الروتيني، واللغة المتوازنة، وطمأنة المحيط الإقليمي، مع التحويل البطيء للحضور إلى أوراق ضغط، مضيفاً أنه لا يحاول كسب التصفيق في لحظة حاسمة واحدة، وإنما يحاول إبقاء الإقليم حاضراً في كل غرفة تجري بداخلها مناقشة مستقبله.
التعامل مع بغداد
وذكر التقرير أن المؤشر الأكثر وضوحاً على التغيير، هو لغة نيجيرفان بارزاني تجاه بغداد، مذكراً بأنه خلال "منتدى العراق" لعام 2023 في بغداد، صرح قائلاً إن "عمقنا الاستراتيجي هو بغداد، وحلول مشاكلنا موجودة في بغداد".
وفيما يتعلق بالسياسة الكوردية، فإن هذه الجملة تشكل أهمية كبيرة، حيث إنها لا تنكر دور الحكومة المركزية التاريخي في سياسات التعريب، ومأساة الأنفال، والصراعات حول المناطق المتنازع عليها، والعزل الاقتصادي وضغوط الموازنة، أو انتهاكات القانون الاتحادي، كما أنها لا تطلب من الكورد نسيان الدولة التي ألحقت الضرر بهم، إلا أنها ترفض وهم إمكانية ضمان الحكم الذاتي من خلال تجاوز الدولة العراقية.
ولفت التقرير إلى أن رئاسة نيجيرفان بارزاني بدأت بعد صدمة نتائج استفتاء الاستقلال، ولهذا، فإن دبلوماسيته حملت دائماً مهمة ما بعد الاستفتاء، وهي إصلاح قنوات التواصل من دون التخلي عن الحقوق الكوردية.
وقال إنه يتحتم فهم نشاط نيجيرفان بارزاني الأخير في بغداد في هذا الإطار، موضحاً على سبيل المثال، أنه زار بغداد في بداية شهر أيار/مايو الجاري لعقد اجتماعات ركزت على تشكيل الحكومة العراقية، والعلاقات بين أربيل وبغداد، والملفات السياسية الأوسع، وكان السؤال المباشر المطروح هو كيفية دفع عملية تشكيل الحكومة بطريقة بناءة، إلا أن المعنى الأكثر عمقاً لزيارته كان استراتيجياً، حيث إن الرواتب، وتحويلات الموازنة، والنفط، والمناطق المتنازع عليها، والتنسيق الأمني، والحقوق الدستورية كلها ملفات تمر عبر الساحة الاتحادية.
وتابع أن بإمكان هذا الزعيم الكوردي أن يندد ببغداد من أربيل، إلا أنه يجب أن يكون بمقدوره التفاوض داخل بغداد، مشيراً إلى أن الهدف من حضور نيجيرفان بارزاني في المفاوضات هو خفض حدة التوتر العاطفي وإبقاء القنوات تعمل بشكل طبيعي، حيث تعامل مع بغداد ليس فقط كمصدر للمشاكل الكوردية، بل كساحة يجب إدارة هذه المشاكل فيها.
وكمثال آخر، أبلغ التقرير الأميركي، بأن نيجيرفان انتقد خلال أزمة موازنة 2020 لغة بغداد العقابية، إلا أنه في الوقت نفسه، شدد على أن "خيارنا في هذه المسألة هو التسوية عبر الحوار"، وأن أربيل "ستستمر في اتباع طريق الحوار".
وأوضح التقرير أن هذه ليست لغة متساهلة تتخلى عن المطالب الكوردية، وإنما هي أسلوب لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً حتى عندما تتعامل بغداد بقسوة مع الإقليم، وهو ما يمثل السبب في أن دبلوماسيته تحظى بأهمية تتخطى السياسة الكوردية، حيث إنه بالنسبة لواشنطن والعواصم الأوروبية، لا تتعلق المسألة فقط بنيل الإقليم للاعتراف أو التعاطف، بل تكمن في مدى قدرة أربيل على البقاء كشريك اتحادي مستقر داخل العراق، وقناة مفيدة حول سوريا، وبمثابة ثقل موازن لتصعيد الفصائل المسلحة، ومكان لا ينهار فيه الحكم الذاتي للأقليات ليتحول إلى عزلة انفصالية أو ذوبان كامل في المركز.
وبحسب التقرير، فإن دبلوماسية نيجيرفان بارزاني هذه تخاطب المشكلة الأوسع، وتستجيب بالتالي لمخاوف الشركاء الرئيسيين في الغرب والشرق الأوسط، الذين يرغبون في رؤية حكومة الإقليم وهي تبذل الجهود للعمل بشكل بناء مع بغداد.
دروس روج آفا
في هذا الصدد، ذكر التقرير أن الملف الكوردي السوري يمثل الاختبار الأقوى لهذه الدبلوماسية الجديدة، لأنه يظهر الفرق بين الدبلوماسية الاستباقية القائمة على الانخراط الإيجابي، وبين دبلوماسية تفاعلية تستند إلى الهيبة الشخصية وإدارة الأضرار.
ولفت إلى الضغوط القوية التي تعرضت لها قوات "قسد" للاندماج في الحكومة السورية الانتقالية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، مما قلص أماكن وجود القوات الكوردية، والذي وصفته صحيفة "لوموند" الفرنسية بأنه ينهي حلم الحكم الذاتي الكوردي في روج آفا، حتى ولو تضمن الاتفاق بنوداً بشأن الحقوق الكوردية، والإدارة المحلية، والتعليم، والاعتراف الثقافي.
واستطرد التقرير بالقول: "هنا يبرز دور نيجيرفان"، لأنه في 17 يناير/كانون الثاني 2026، استقبل المبعوث الأميركي الخاص توم باراك، وأصدرت رئاسة الإقليم بياناً ذكرت فيه أن وفد باراك أشاد بجهوده الدبلوماسية ووساطته، ثم في 22 يناير/ كانون الثاني، التقى نيجيرفان بقائد "قسد" مظلوم عبدي، وأصدرت الرئاسة بياناً آخر يفيد بأن نيجيرفان بارزاني ضغط من أجل الحفاظ على وقف إطلاق النار، وتقليص التوترات، واستئناف المحادثات بين "قسد" ودمشق، وحماية الحقوق الكوردية داخل سوريا موحدة، بينما شكره عبدي وحكومة الإقليم على جهودهم لاستقرار الوضع.
وتابع التقرير أن البيانات الرسمية ليست مهمة فقط لمحتواها المباشر، وإنما للطريقة التي ربط بها مكتب الرئاسة بين هذه المحادثات الخلفية والدبلوماسية العامة.
كما ذكّر بتصريحات نيجيرفان بارزاني أمام مؤتمر ميونيخ الأمني، حيث نصح الأطراف الكوردية السورية بأن "عليهم الذهاب إلى دمشق موحدين.. وأن عليهم التعامل مع دمشق كنظراء وليس كضيوف.. وأن دمشق هي عاصمتهم".
ووفق التقرير، فإن هذه العبارات تقدم مؤشراً واضحاً على أسلوبه الدبلوماسي، حيث إنه لم يكن يدعو إلى انفصال رمزي عن دمشق، بل كان يحث الأطراف الكوردية على الدخول في العملية السياسية السورية كأصحاب مصلحة قبل أن يحدد الآخرون الشروط نيابة عنهم.
وإلى جانب ذلك، تحدث التقرير عن استخدام نيجيرفان بارزاني لقناة أميركية خاصة، حيث أجرى من خلالها تواصلاً مع الزعيم الإنجيلي فرانكلين غراهام، المرتبط بالقيادة السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث وجه غراهام مناشدة إلى ترمب مباشرة حول مصير الكورد السوريين.
وأوضح أن هذا لا يعني أن اتصالاً هاتفياً واحداً كان قادراً على تحديد النتيجة السياسية، إلا أن الحدث يظهر نوع الدبلوماسية التي يمارسها نيجيرفان، حيث إنه لا يعتمد على البروتوكول الرسمي فقط، بل يعمل عبر شبكات متداخلة تشمل مبعوثين، وأعضاء مجلس شيوخ، وقادة دينيين، وقادة عسكريين كورد في العواصم الغربية وفي كل أنحاء المنطقة.
وبالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن نيجيرفان حرص على أن يرى الجمهور حفاظه على الروابط مع النواب الأميركيين المعنيين بالملفات الأمنية الكوردية، مذكراً بأنه في شباط/فبراير 2026، التقى ليندسي غراهام وريتشارد بلومنتال في مؤتمر ميونيخ، وهما العضوان في مجلس الشيوخ اللذان قدما مشروع "قانون إنقاذ الكورد".
ويقول التقرير إن نيجيرفان بارزاني يدرك أن واشنطن ليست كتلة واحدة صلبة، ويدرك أيضاً أن تواصله الإعلامي يجب أن يعكس تنوع الأصوات في العاصمة الأميركية.
ورأى أن ذلك "يعكس اختلاف دبلوماسيته عن الأسلوب الكوردي القديم، حيث إن النهج المعتمد على الهيبة فقط كان ليتعامل مع الملف الكوردي السوري كقضية شرف، أو خيانة، أو تنديد علني، في حين أن نيجيرفان بارزاني تعامل معه كأزمة توقيت، وأوراق ضغط، والحد من الأضرار" مضيفاً أنه بمثابة قائد كوردي بمقدوره التحدث إلى مجموعة واسعة من الأطراف من دون تحويل كل اتصال إلى اختبار للصفاء القومي، كما أن دوره لم يكن "بطولياً" بالمفهوم القديم، بل كان دوراً تشغيلياً وعملياً، بينما تحمل لغته تجاه الدول المجاورة نفس التوازن، حيث إنه في حديثه عن إيران، يتناول "عدم التدخل" بأنه سياسة حكومة الإقليم، لكنه قرن ذلك بطمأنة متبادلة أملاً أن إيران "ستحترم سيادتنا".
وأشار التقرير إلى القول إن "هذا التوازن، المتمثل في الطمأنة دون خضوع، هو جوهر أسلوبه الدبلوماسي".
قيود سياسية
وبحسب التقرير، فإن الهجوم بالطائرات المسيرة في آذار/مارس الماضي على مقر إقامة نيجيرفان بارزاني في دهوك، كشف عن بُعد آخر لدوره، حيث لم يتعامل قادة العالم والصحافة الدولية مع الحادث باعتباره مجرد واقعة محلية ضد سياسي إقليمي، مشيراً في هذا الإطار إلى بيانات التنديد والتضامن من قادة وزعماء بينهم الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأنطونيو غوتيريش، والشيخ محمد بن زايد، ورجب طيب أردوغان وغيرهم، موضحاً أن هذه مجرد تصريحات علنية وليست ضمانات أمنية، إلا أنها تظهر كيف أن الهجمات على القادة الكورد داخل الإقليم تكتسب أهمية تتجاوز أربيل ودهوك، وهو ما يعتبر إلى حد ما بمثابة مصادقة دولية على نهج نيجيرفان بارزاني.
ومع ذلك، قال التقرير إن الحدود الحقيقية لهذا النهج الدبلوماسي الجديد لا تتجلى في قادة العالم في الخارج، وإنما بين الأطراف السياسية المحلية في الداخل، موضحاً أن بإمكان نيجيرفان فتح الأبواب في بغداد، وواشنطن، وأنقرة، وطهران، وباريس، وروما، وأبو ظبي، ودمشق، وبإمكانه أيضاً المشاركة في المؤتمرات الأمنية، واستقبال المبعوثين، ومخاطبة قادة المنطقة، وإبقاء حكومة الإقليم حاضرة في لحظات الأزمات.
وتابع أن نيجيرفان بارزاني ليس بإمكانه الهروب من الركود السياسي الداخلي الذي يسيطر حالياً على الإقليم، حيث يتعامل الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني مع المناصب والمكاسب الحكومية كصراع وجود وبقاء، وليس كجزء من عملية ديمقراطية روتينية ومؤسسية.
وبحسب التقرير، فإن رئيس الإقليم أقر بهذه القيود الداخلية بلغته الخاصة، حيث إنه في مؤتمر ميونيخ الأخير، تناول المناخ السياسي في الإقليم قائلاً إنه "يمر حالياً بحالة جمود"، وأن الاتصالات الأخيرة بين الحزبين "تسير في الاتجاه الصحيح".
وتابع أن هذا الاعتراف يعزز الفكرة السياسية المركزية لهذا التقرير، وهي أن دبلوماسيته بمقدورها فتح الأبواب الخارجية، إلا أنه يتحتم على الأحزاب الكوردية تحويل هذا الوصول إلى نظام سياسي داخلي فاعل، لافتاً إلى أنه من دون وجود حكومة مستقرة، ليس بإمكان الإقليم التفاوض بفعالية مع بغداد، ولا طرح موقف موحد حول الرواتب والنفط، والمناطق المتنازع عليها، والإصلاح الأمني، والعلاقات مع دول الجوار.
التداعيات السياسية
وأوضح التقرير أن في حال أريد لدبلوماسية نيجيرفان بارزاني أن تتحول إلى ما هو أكثر من مجرد قنوات تواصل وعلاقات شخصية، فإنها ستستدعي ركيزة مؤسسية قوية، موضحاً أن الإقليم يحتاج إلى هندسة سياسة خارجية تربط بين الرئاسة، ومجلس الوزراء، والبرلمان، وقيادات الأحزاب، والبيشمركة، والممثلين الكورد في بغداد.
وبخلاف ذلك، فإن كل اجتماع في الخارج يصبح مجرد حدث عابر وليس استراتيجية واضحة، موضحاً أن الإقليم لا يعاني من نقص الانتباه الدولي، وإنما يعاني من نهج مجزأ في صنع السياسات، بحسب تقرير "ناشيونال إنترست" الأميركي.
وفيما يتعلق بالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، فإن الدرس هو أن تشكيل الحكومة أصبح الآن قضية سياسة خارجية أيضاً، وكلما طالت فترة بقاء الإقليم من دون تشكيلة وزارية، فإن الشكوك من جانب الشركاء الخارجيين ستتزايد حول قدرته على التحرك، وسيكون بمقدور بغداد استغلال الانقسامات الكوردية بسهولة أكبر، كما سيكون بمقدور الدول الإقليمية التلاعب بمركز قوة كوردي ضد آخر، في حين بمقدور المجموعات المسلحة اختبار حدود قدرات الردع لدى الإقليم، وقد يتحول التعاطف الدولي إلى شعور بالإحباط.
وفيما يتعلق ببغداد، قال التقرير إن الانخراط مع نيجيرفان بارزاني يوفر قناة عمل عملية للاستقرار الاتحادي، إلا أنه لا ينبغي لبغداد أن تخطئ وتفسر براغماتيته على أنها بمثابة ضعف كوردي.
وأشار إلى أن إقامة علاقة مستدامة بين أربيل وبغداد تتطلب جدية دستورية، وترتيبات وتنسيقاً أمنياً، والتوقف عن التعامل مع الحقوق الكوردية كـ"تنازلات".
ولأجل أن ينجح نيجيرفان بارزاني، نبه تقرير المعهد الأميركي، إلى أهمية قيام بغداد بتمكينه من خلال إظهار أن المفاوضات معه تثمر عن نتائج ملموسة.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة وأوروبا، أظهر التقرير أن الدرس واضح، بحيث إنه يجب أن يكون الهدف هو دعم جهود رئيس الإقليم الدبلوماسية من دون شخصنة السياسة الكوردية، وهو ما يعني أن أي انخراط يجب أن يترافق مع تعاون على المستوى المؤسسي، لدعم حكومة فاعلة في الإقليم، وهياكل موحدة للبيشمركة، وتقاسم موثوق للسلطة، وانخراط كوردي حقيقي في صنع القرار الاتحادي العراقي.
وزاد بالقول: "يتحتم على الأطراف الخارجية تثمين دور نيجيرفان بارزاني الحافظ للاستقرار، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن مرونة الإقليم واستقراره على المدى الطويل يعتمدان على الإصلاح المؤسسي، وليس على سحر الدبلوماسية وحدها.
وفيما يتعلق بنيجيرفان بارزاني، قال التقرير إنه من المهم التنبه إلى أن الفوز الدبلوماسي لا يعني بالضرورة تقديم تنازلات فيما يتعلق بالحقوق الكوردية الأساسية، مضيفاً أن الحقوق لا تبقى حية سوى عندما يتم الدفاع عنها من خلال المؤسسات، والتحالفات، والتوقيت المناسب، والحوكمة الموثوقة.
واعتبر التقرير أن دبلوماسية نيجيرفان بارزاني جعلت إقليم كوردستان أكثر حضوراً على الساحة الدولية، وأكثر قدرة على التحدث مع العواصم المتنافسة، وأكثر فائدة للشركاء الساعين لخفض التصعيد في العراق وسوريا، إلا أن التحدي الأكبر قد لا يكون في بغداد، أو واشنطن، أو أنقرة، أو طهران، أو باريس، أو دمشق، بل قد يكون داخل كوردستان نفسها.
وخلص تقرير معهد "ناشيونال إنترست"، إلى أن هذه الدبلوماسية يمكنها منح الإقليم رؤية واضحة في الخارج، إلا أن الإصلاحات السياسية الكوردية أساسية من أجل استثمار هذه النوايا الدولية الحسنة وتحويلها إلى نتائج دائمة، كما أن السؤال المركزي لا يتعلق بما إذا كان نيجيرفان بارزاني قد غير الدبلوماسية الكوردية، حيث إنه غيرها بالفعل، وإنما السؤال هو: عما إذا كان بمقدور السياسة الكوردية أن تتغير بما يكفي لاستغلال ما اتاحته دبلوماسيته؟