"هيبة الوسيط".. كيف وسّع نيجيرفان بارزاني نفوذ أربيل إقليمياً؟

"هيبة الوسيط".. كيف وسّع نيجيرفان بارزاني نفوذ أربيل إقليمياً؟
2026-09-06T08:39:24+00:00

شفق نيوز- أربيل

سلّط تقرير تحليلي صادر عن "بيت الفكر في كوردستان" الضوء على الدور المتنامي لرئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في دبلوماسية الوساطة الإقليمية، معتبراً أن التطورات التي أعقبت استهداف مقره في دهوك بطائرة مسيّرة في 28 آذار 2026 أظهرت انتقاله، خلال أسابيع قليلة، إلى موقع إحدى قنوات التواصل الموثوقة بين واشنطن ومركز القرار الأمني والعسكري في إيران.

واستند التقرير، الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى معلومات نشرها موقع "Axios" الأميركي، تفيد بأن بارزاني تلقى في العاشر من أيار 2026 اتصالاً من مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، بموافقة الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس، لاستكشاف إمكانية فتح قناة اتصال مباشرة مع قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي.

وبعد أربعة أيام، نجح بارزاني في تأمين الاتصال بين الجانبين، وهي واقعة يرى التقرير أنها تكشف جانباً من التحول في موقع إقليم كوردستان ورئيسه ضمن معادلات الوساطة في منطقة تتشابك فيها المصالح والصراعات، بينما تضيق فيها مساحة القنوات الدبلوماسية التقليدية.

رأسمال سياسي بُني على التوازن

ويرى التقرير أن قدرة بارزاني على أداء هذا الدور لا يمكن تفسيرها بالعامل الجغرافي وحده، بل ترتبط أيضاً برأسمال سياسي وشخصي راكمه خلال سنوات طويلة من العمل والعلاقات الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن بارزاني عاش جزءاً من حياته في إيران ودرس في طهران ويتحدث الفارسية بطلاقة، إلى جانب شبكة علاقات نسجها على مدى سنوات مع مؤسسات وشخصيات داخل النظام الإيراني، في وقت حافظ فيه على علاقات واسعة مع واشنطن ومؤسساتها السياسية والأمنية.

وبحسب التقرير، أسهمت هذه التركيبة في جعل رئيس إقليم كوردستان شخصية يمكن لأطراف متعارضة التواصل معها، من دون أن يُنظر إليه باعتباره محسوباً بصورة كاملة على أحد المحاور.

واستشهد التقرير بتوصيف بريت ماكغورك، الذي شغل مناصب مرتبطة بسياسة الشرق الأوسط في إدارات أميركية متعددة، لبارزاني باعتباره سياسياً براغماتياً يمتلك قدرة على التعامل مع الأزمات ويتمتع بعلاقات مع واشنطن وطهران في آن واحد.

غير أن التقرير اعتبر أن هذه الثقة لا ترتبط بشخص بارزاني وحده، وإنما بموقع إقليم كوردستان نفسه، بوصفه شريكاً تاريخياً للولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته مرتبطاً بجغرافيا وحدود ومصالح اقتصادية وأمنية مع إيران وتركيا.

ويرى معدّو التقرير أن هذا الموقع أتاح للإقليم أن يتحول إلى مساحة تواصل بين محاور متعارضة، بدلاً من تموضعه بصورة كاملة داخل أحدها.

أربيل والقناة الخلفية مع طهران

ووفق التقرير، ازدادت أهمية هذا الدور مع تعقّد مركز القرار الإيراني والتحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها الجمهورية الإسلامية خلال عام 2026.

ومع تراجع قدرة القنوات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التصعيد، برزت، بحسب التحليل، حاجة واشنطن إلى الوصول بصورة مباشرة إلى الجهات صاحبة القرار العسكري والأمني في طهران، وهو ما منح قناة أربيل أهمية إضافية.

ولفت استناداً إلى معلومات أميركية، إلى أن دور بارزاني لم يقتصر على نقل الرسائل، بل شمل المساهمة في إيجاد ترتيبات تسمح باستمرار الاتصالات، بعد أن أبدى الجانب الإيراني مخاوف أمنية من عقد اجتماعات سرية في أربيل.

ووضع التقرير هذا التحرك في إطار ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"دبلوماسية القنوات الخلفية"، التي تقوم بدرجة كبيرة على الثقة المتبادلة وقدرة الوسيط على الاحتفاظ بعلاقات مع الطرفين، وليس فقط على موقعه الرسمي أو حجم القوة التي يمثلها.

وبهذا المعنى، يرى التقرير أن القناة التي تحظى بثقة الطرفين قد تصبح، في أوقات الأزمات الحادة، أكثر فاعلية من المسارات الدبلوماسية التقليدية.

وتوقف التقرير عند المفارقة بين الوضع الدستوري لإقليم كوردستان وحجم الدور الذي يمكن أن يؤديه في الملفات الإقليمية.

فمن الناحية الدستورية، يبقى الإقليم جزءاً من الدولة العراقية ولا يمتلك سياسة خارجية مستقلة بالمعنى التقليدي، إلا أن التقرير يرى أن التأثير السياسي لا يقاس دائماً بالحجم القانوني أو العسكري وحده.

وبحسب التحليل، فإن الموقع الجغرافي والاستقرار النسبي وشبكة العلاقات والقدرة على التواصل مع قوى متنافسة، يمكن أن تمنح كياناً دون الدولة ثقلاً يتجاوز حجمه الرسمي.

وفي حالة إقليم كوردستان، يجمع التقرير بين عدة عوامل، أبرزها الشراكة مع الولايات المتحدة، والعلاقات الاقتصادية والأمنية مع تركيا، والتواصل التاريخي مع إيران، إلى جانب الحضور داخل المعادلة السياسية العراقية.

ويرى التقرير أن تداخل هذه العوامل منح أربيل قدرة على فتح قنوات قد تكون مغلقة أمام أطراف أو عواصم أخرى.

ولم يحصر التقرير دبلوماسية نيجيرفان بارزاني في الملف الأميركي الإيراني، بل ربطها أيضاً بتحركاته في الملف السوري.

وأشار إلى الدور الذي لعبه مطلع عام 2026 ضمن جهود التهدئة بين القيادة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، في مرحلة شهدت تطورات أمنية وسياسية حساسة في المناطق الكوردية داخل سوريا.

كما توقف عند زيارة بارزاني إلى دمشق في الثالث من آب 2026، معتبراً أنها وسعت مساحة تحركه الإقليمي، ولا سيما في نقل الرسائل السياسية بين بغداد ودمشق والمساهمة في تهيئة الأرضية لتواصل أكبر بين الحكومتين العراقية والسورية.

ويرى التقرير أن اهتمام أربيل بالملف السوري لا ينطلق من اعتبارات الوساطة السياسية فقط، وإنما يرتبط مباشرة بحسابات أمنية واستراتيجية تخص إقليم كوردستان.

وبحسب هذا التقدير، فإن أي انهيار أمني واسع في المناطق الكوردية السورية قد ينعكس على الإقليم من خلال موجات النزوح والتداعيات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وهو ما يجعل الوساطة، من وجهة نظر التقرير، أداة لحماية الاستقرار الداخلي أيضاً.

انعكاسات على العلاقة مع بغداد

ويربط التقرير بين الحضور الإقليمي المتنامي لأربيل وموقعها داخل المعادلة العراقية، معتبراً أن ازدياد حاجة الأطراف الدولية والإقليمية إلى إقليم كوردستان بوصفه مساحة مستقرة وقناة للتواصل يمنحه أوراقاً إضافية في علاقته مع الحكومة الاتحادية.

وتبرز أهمية ذلك، بحسب التقرير، في الملفات الخلافية بين بغداد وأربيل، ومنها الموازنة ورواتب الموظفين والنفط والغاز والأمن والصلاحيات الدستورية.

ومع ذلك، لا يذهب التقرير إلى اعتبار الدور الخارجي ضمانة تمنح أربيل اليد العليا تلقائياً في خلافاتها مع بغداد، إذ يقر بأن تعقيدات السياسة العراقية والعوامل الداخلية تجعل هذه الملفات أكبر من أن تُحسم بالعلاقات الخارجية وحدها.

لكنه يرى في الوقت ذاته أن امتلاك شبكة علاقات دولية وإقليمية واسعة يوفر للإقليم هامشاً إضافياً للمناورة عندما تدخل الملفات العالقة مرحلة التفاوض.

وعلى المستوى الشخصي، يقرأ التقرير مسار نيجيرفان بارزاني باعتباره انتقالاً تدريجياً من صورة الزعيم الحزبي أو الإقليمي إلى موقع رجل الدولة القادر على مخاطبة أطراف متناقضة والمحافظة على قنوات مفتوحة معها.

ويستخدم التقرير في هذا السياق مفهوم "هيبة الوسيط"، في إشارة إلى المكانة التي تكتسبها الشخصية السياسية نتيجة قدرتها على إبقاء التواصل قائماً بين أطراف يصعب عليها التحاور بصورة مباشرة.

ويشير إلى أن بارزاني حافظ خلال السنوات الماضية على علاقات مع واشنطن وطهران وأنقرة والعواصم الخليجية، بالتوازي مع شبكة واسعة من العلاقات داخل العراق وسوريا.

لكن التقرير ينبه في الوقت نفسه إلى حساسية هذا النوع من الأدوار، إذ إن قيمة الوسيط ترتبط إلى حد بعيد بقناعة الأطراف المتنافسة بأنه لا يتحول إلى أداة بيد أحدها ضد الآخر.

وفي مقابل المكاسب السياسية التي يمكن أن تنتج عن هذا الدور، يشير التقرير إلى أن الوقوف بين القوى المتصارعة يحمل مخاطر لا يمكن تجاهلها.

فإقليم كوردستان يقع جغرافياً داخل واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط تعرضاً للتجاذب، وأي تحول كبير في موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران أو تركيا أو القوى العراقية قد يضع أربيل أمام ضغوط مباشرة.

كما يرى التقرير أن الاعتماد المفرط على دور الوسيط قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا انهارت التفاهمات أو انتقلت المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تقل فيها مساحة الحلول الوسط.

ومن هنا، يربط نجاح هذا النهج بقدرة أربيل على المحافظة على توازن دقيق في علاقاتها ومنع تحول الإقليم إلى جزء مباشر من صراع المحاور.

من ساحة صراع إلى منصة للحوار

ويخلص التقرير إلى أن القيمة الأوسع لهذه الدبلوماسية تكمن في محاولة إعادة تعريف موقع إقليم كوردستان داخل صراعات المنطقة.

فالكورد، بحسب قراءة التقرير، كانوا خلال مراحل مختلفة من تاريخ الشرق الأوسط جزءاً من صراعات القوى الأكبر أو ورقة ضمن تنافساتها، بينما يسعى النهج الحالي إلى نقل الإقليم من موقع المتأثر بصراعات الآخرين إلى طرف قادر على المساهمة في إدارة بعض جوانبها.

ويعتبر التقرير أن نجاح هذه المعادلة يمكن أن يجعل استقرار إقليم كوردستان مصلحة لا تقتصر على الكورد أو العراق، وإنما تمتد إلى القوى الإقليمية والدولية التي تحتاج في أوقات الأزمات إلى قنوات آمنة وموثوقة للتواصل.

ومن هذا المنطلق، يرى معدّو التقرير أن قوة كيان لا يمتلك سيادة دولة كاملة لا تأتي بالضرورة من القدرات العسكرية أو الاقتصادية وحدها، وإنما يمكن أن تُبنى أيضاً على الثقة والموقع الجغرافي والقدرة على أداء أدوار لا يستطيع الآخرون القيام بها.

وبحسب خلاصة التقرير، فإن جوهر النهج الذي يتبعه نيجيرفان بارزاني يتمثل في محاولة تحويل الموقع الكوردي من عنصر يتأثر بصراعات القوى الأكبر إلى عامل يساهم في تخفيفها، ومن مساحة تماس بين المحاور إلى جسر للتواصل بينها.

غير أنه يربط استدامة هذا الدور بقدرة إقليم كوردستان على تطبيق النهج ذاته داخلياً، عبر تقليص الخلافات السياسية وتعزيز التفاهم بين القوى الكوردستانية، باعتبار أن الحضور الخارجي لا يمكن فصله عن مستوى الاستقرار والتماسك في الداخل.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon