لا سيطرة لبغداد عليها.. صراع القوى في المنطقة يهدد العراق بـ"خطر اقتصادي كبير"
شفق نيوز- ترجمة خاصة
لم يعد نهج بغداد الحذر في التعامل مع التحديات الداخلية والإقليمية مستداما، بحسب ما تقوله صحيفة "ذا ناشيونال" الصادرة بالانجليزية التي رأت أن سنوات تمتع العراق بالسلام والاستقرار والنمو الاقتصادي، ربما تصبح كلها بخطر بسبب التداعيات السياسية للحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.
وقالت الصحيفة الصادرة في "أبوظبي" في تقرير لها ترجمته وكالة شفق نيوز، إن عدم رغبة بغداد أو عدم قدرتها على اتخاذ موقف حازم بشأن الحرب، ربما يعني أنها يمكن أن تقع فريسة للجهات الفاعلة العدوانية بشكل متزايد في المستقبل، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إعادة العراق إلى مرحلة تتسم بأزمات طويلة وعدم استقرار.
وأوضح التقرير أن النظام الدستوري العراقي سمح منذ العام 2003، لبعض الجهات الفاعلة أن تؤدي دوراً كبيراً في سياسات البلد، خصوصا الجماعات المتحالفة مع إيران والتي عززت بدرجة كبيرة من سيطرتها الاقتصادية وتعمل حاليا باستقلالية مالية.
إلا أن التقرير أشار إلى أنه رغم التوترات المتكررة بين مؤسسات الدولة وهذه الجماعات، إلا أن الحكومات المتعاقبة تجنبت المواجهة المباشرة معها، وهو نهج ظل قائما بشكل مستمر، مما ساهم في أكثر الفترات استقرارا في التاريخ الحديث للبلد.
وبعدما لفت إلى أن الجماعات المتحالفة مع إيران تجنبت الانخراط في حرب غزة، حتى مع تعرض بعضها للضغط لاستهداف الأصول الأميركية أو الإسرائيلية، أوضح أن هذه الجماعات ضربت خلال الحرب الحالية المنشآت الأميركية في بغداد وكذلك أهدافاً في إقليم كوردستان ودول الخليج على الرغم من النيران الأميركية الانتقامية، لافتاً إلى أن العراق هو الدولة الوحيدة في المنطقة التي استهدفتها جميع الأطراف بشكل مباشر.
ورأى التقرير أن قرار بغداد بالامتناع عن مواجهة الفصائل المتحالفة مع إيران في الماضي لا يتعلق بأنه أقل قوة منها عسكريا، وإنما هو بدافع الرغبة في تجنب اندلاع مواجهة مزعزعة للاستقرار مع طهران، وتجنب اندلاع اشتباكات داخلية كبيرة، بالإضافة إلى الخشية من أن يؤدي ذلك إلى انشقاق في صفوف الأجهزة الأمنية، برغم أن بعض المحللين يقولون إن هذه المخاوف مبالغ فيها.
وبرغم أن التقرير اعتبر أنه من المستحيل معرفة كيف ستتطور مثل هذه المواجهة، إلا أنه رأى أنه على أقل تقدير، من شأن ذلك أن يعجل باندلاع أزمة سياسية داخلية حادة يمكن أن تستغرق سنوات لحلها.
وبعدما تناول التقرير تعقيدات العملية السياسية وتشكيل الحكومة التي تأجلت بسبب الحرب، أشار إلى أنه على القدر نفسه من الأهمية، لا يزال الجمهور منقسما بشكل كبير حول استجابة بلادهم للحرب الإيرانية، ففي حين أن المواطنين في إقليم كوردستان يعارضون بشدة التشابك، فإن بقية المواطنين في بقية البلد منقسمون بشكل حاد حول هذه القضية.
وأوضح التقرير أنه لا تتوفر مقاييس دقيقة، إلا أنه ليس هناك شك في أن شريحة كبيرة من سكان العراق، بما في ذلك بعض الجماعات التي يحتاج رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى دعمها في حال كان يرغب في العودة كرئيس للوزراء، أما أن تتعاطف مع إيران أو تظل معادية بشكل علني لكل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وتابع قائلا إن هناك أدلة متزايدة على أن شرائح محددة من المجتمع قد تشددت أكثر بسبب الأحداث الأخيرة، ولهذا فإن التحرك ضد الجماعات المتحالفة مع إيران في المناخ الحالي، سيعتبر بمثابة خيانة للعديد من العراقيين.
وفي حين أشار التقرير إلى هذه البيئة الأمنية المتقلبة و المتفاقمة، تطرق إلى حالة الطوارئ الاقتصادية التي تلوح في الأفق، لافتا إلى أن قرار إيران بإغلاق مضيق هرمز، كلف صناعة النفط العراقية مليارات الايرادات، وهو ما يهدد قدرة الدولة على دفع الرواتب والمعاشات التقاعدية، كما أظهر مدى تأثر العراق بالمصالح الاستراتيجية الإيرانية.
وتابع التقرير أن "نهج بغداد الحذر لم يعد مستداما"، موضحا أنه في ظل عدم احتمال أن تؤدي المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى حل دائم، "ستصر كلتا القوتين على أن تنحاز دول المنطقة، بما في ذلك تلك التي تعاني من تناقضات داخلية، وهو ما يجري بالفعل في لبنان"، مضيفا أنه فيما يتعلق بالعراق، فإن الولايات المتحدة وحكومة إقليم كوردستان وبعض دول الخليج قد تطالب بغداد باتخاذ إجراءات جدية ضد القوى المتحالفة مع إيران، وقد تلجأ واشنطن إلى تهديد الحكومة العراقية بعقوبات اقتصادية.
ورجح التقرير أن تكثف هذه الجماعات "سلوكها المفترس" من أجل تعزيز موقف طهران، وربما تكون قد تشجعت بسبب الموقف المتساهل لبغداد، مضيفا في الوقت نفسه أنه من غير المرجح أن تتمكن الحكومة العراقية، المحاصرة بين القوتين، من حل تناقضاتها الداخلية أو تحدي هذه الجماعات لسياساتها على أرض الواقع.
وخلص التقرير إلى القول: "هنا يكمن الخطر الحاسم الذي خلقته الحرب على العراق"، موضحا أنه في إطار البيئة الجديدة، فإن واشنطن ستفسر الموقف الافتراضي للحكومة، أي تجنب المواجهة الداخلية حتى بشأن أصغر القضايا، على أنه قبول ودعم لإيران.
ونبه التقرير إلى أنه في حال حدوث ذلك، فإنه "يجب ان نتوقع المزيد من المواجهة العسكرية في العراق ووقوع المزيد من الخسائر الاقتصادية".
وختم التقرير قائلاً إن العراقيين صوتوا قبل بضعة شهور، وكانوا يستعدون لقيام حكومة جديدة بتولي المسؤولية والاستمرار في التركيز على التنمية والاستقرار، إلا أنه بدلا من ذلك، أصبحت دولتهم الآن خلفية في صراع بين قوى لا سيطرة لها عليها.