"لا انحياز ولا وساطة".. الصين توازن بين بغداد وأربيل بالمصالح الاقتصادية

"لا انحياز ولا وساطة".. الصين توازن بين بغداد وأربيل بالمصالح الاقتصادية
2026-10-28T10:31:14+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

تنتهج الصين سياسة تتسم بـ"التوازن الهادئ" في علاقاتها مع بغداد وإقليم كوردستان، إذ لم تسمح لعلاقاتها مع أربيل بأن تصبح جزءاً من النزاع الأوسع بين بغداد وأربيل، خلافاً للعديد من الدول الأخرى التي تعاملت مع علاقاتها بالإقليم، بالدرجة الأولى، من منظور المنافسة الجيوسياسية التي تشمل بغداد وطهران وأنقرة.

وبحسب تقرير "منتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا" البريطاني، بعنوان "استراتيجية الصين ذات المسار المزدوج بين بغداد وإقليم كوردستان في العراق"، فإن بكين لا تنظر إلى إقليم كوردستان بوصفه بديلاً عن الحكومة المركزية العراقية، بل باعتباره جزءاً من الهيكل السياسي والاقتصادي الأوسع للعراق.

ووفقاً لهذه الرؤية، التي نشرها المنتدى في تقرير على موقع "منارة"، وترجمته وكالة شفق نيوز، يمكن لأربيل أن تسهم، إلى جانب بغداد، في حماية مصالح الصين طويلة الأمد في العراق.

ولهذا، وسّعت الصين علاقاتها مع الحكومة الاتحادية، خصوصاً في مجالات الطاقة والبنية التحتية والمشاريع المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق"، وفي الوقت نفسه، حافظت على علاقات اقتصادية مع إقليم كوردستان، من دون السماح لهذه العلاقات بأن تصبح جزءاً من النزاع الأوسع بين بغداد وأربيل.

يختلف هذا النهج عن سياسات العديد من الجهات الفاعلة الغربية التي طوّرت علاقات مؤسسية أوثق مع إقليم كوردستان، وواجهت أحياناً انتقادات من بغداد بسبب تجاوز سلطة الحكومة المركزية أو تقويضها، وبحسب التقرير.

وتناول التقرير عاملاً آخر يؤثر في نهج الصين، يتمثل في المنافسة بين القوى الإقليمية في شمال العراق، موضحاً أن الإقليم يقع عند تقاطع مصالح إيران وتركيا والولايات المتحدة، وبدرجة أقل دول الخليج. وتدرك الصين أن الانخراط المباشر في هذه المنافسات قد يعرّض استثماراتها لمخاطر سياسية وأمنية كبيرة.

تابع: "ولهذا، وضعت الصين نفسها، بخلاف واشنطن التي لها وجود أمني وعسكري في الإقليم، وتركيا التي تركز على المخاوف الأمنية المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني، في موقع الشريك الاقتصادي بالدرجة الأولى".

وأوضح أن هذا النهج يعني أن الصين لم تسعَ إلى التوسط في النزاعات بين بغداد وأربيل، ولم تنخرط في المنافسات بين الأحزاب السياسية الكوردية، مختصراً سياسة الصين بأنها تقوم على "تعظيم المصالح الاقتصادية مع الحد من المخاطر الجيوسياسية".

وأشار إلى أن هذا النهج يتضح في تعامل الصين مع العديد من مناطق الشرق الأوسط التي تشهد أزمات، إذ سعت بكين إلى توسيع نفوذها من خلال الاستثمار والتجارة والدبلوماسية الاقتصادية، من دون الانخراط في التحالفات الأمنية أو الانحياز علناً إلى طرف على حساب آخر في الصراعات الإقليمية، كما يتضح في أزمات سوريا وغزة ولبنان.

وفيما يتعلق بإقليم كوردستان، قال التقرير إن بكين ترى أن الحفاظ على الاستقرار السياسي وضمان استمرار إنتاج الطاقة وتصديرها أكثر أهمية من محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى بين الجهات الفاعلة المحلية، ولذلك لم تسعَ الصين إلى التوسط في النزاعات بين بغداد وأربيل، ولم تنخرط في المنافسات بين الأحزاب السياسية الكوردية.

ولفت إلى أن نهج الصين يختلف عن نهج الولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية التي أدت أدواراً نشطة في أزمات الشرق الأوسط، من خلال وجودها العسكري أو دعمها الأمني لحلفائها. وفي المقابل، فضّلت الصين تقديم نفسها بوصفها "قوة منخرطة اقتصادياً، لكنها مقيدة استراتيجياً".

وبهذا المعنى، لا ترى الصين ضرورة لحماية استثماراتها من خلال الوجود العسكري، بل تعتمد على الحفاظ على العلاقات مع القوى الفاعلة الرئيسية في المنطقة، واحتواء التوترات حيثما أمكن، مع الابتعاد عن المنافسات الجيوسياسية المباشرة.

وأضاف التقرير أن "هذا النهج يعكس تركيز السياسة الخارجية الصينية الأوسع على التنمية دون مواجهة، مع إيلاء أهمية أكبر للتعاون الاقتصادي والاستقرار والمنفعة المتبادلة، بدلاً من المنافسة العسكرية أو الصراع الأيديولوجي".

وبشأن بغداد وإقليم كوردستان، أوضح التقرير أن مسألة الشرعية السياسية تستند إلى اعتراف الصين بالحكومة الاتحادية باعتبارها السلطة القانونية الوحيدة في العراق، حيث يُعدّ هذا المبدأ أحد المرتكزات الأساسية للدبلوماسية الصينية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، لهذا وعلى الرغم من امتلاك إقليم كوردستان قدراً كبيراً من الحكم الذاتي السياسي والأمني والاقتصادي، فإن الصين ما تزال تنظر إليه بوصفه جزءاً من دولة عراقية موحدة.

وبين التقرير أن وثائق التعاون الاستراتيجي والاتفاقات الحكومية والمشاركة في مبادرة "الحزام والطريق"، فضلاً عن الترتيبات المصرفية والمالية والاتصالات الدبلوماسية الرسمية، تمر عبر بغداد، كما لم تؤيد بكين استفتاء استقلال إقليم كوردستان الذي جرى عام 2017، بسبب مخاوفها من التداعيات المحتملة على قضايا الأقاليم والمناطق التي تواجه فيها تحديات مماثلة، مثل شينجيانغ والتبت وتايوان.

وبما أن الشرعية السياسية تمثل مبدأً أساسياً بالنسبة للصين، فإن بكين، وفقاً للتقرير، تجنبت عموماً المساومة على هذا المبدأ سعياً إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية، حتى عندما كانت لديها مصالح اقتصادية كبيرة في إقليم كوردستان.

ومع ذلك، يتسم الانخراط الاقتصادي الصيني في الإقليم بالمرونة، إذ تعمل بكين مع المؤسسات المحلية ووزارة الموارد الطبيعية في حكومة الإقليم والشركات الخاصة وغيرها من الجهات الاقتصادية، من دون اتخاذ موقف بشأن الوضع القانوني أو السياسي لإقليم كوردستان.

وتناول التقرير بعض أوجه النشاط الاقتصادي الصيني في الإقليم، بما في ذلك نشاط شركات مثل "سينوبك"، التي استحوذت على شركة "أداكس بتروليوم"، إلى جانب "جيو جايد بتروليوم" ومجموعة من المقاولين الصينيين العاملين في مجالات الطاقة والبناء والاتصالات والبنية التحتية للطرق وتوريد المعدات.

ورأى أن ذلك يعكس اعتبار بكين إقليم كوردستان سوقاً جذابة تجارياً، وجزءاً مفيداً من استراتيجيتها الأوسع لأمن الطاقة.

كما أوضح التقرير أن الصين تسعى إلى إبعاد العلاقات الاقتصادية عن التسييس، من خلال إبقاء الاستثمار والتجارة منفصلين إلى حد كبير عن النزاعات المتعلقة بالهوية والعرق والمنافسة السياسية، مبيناً أن أشكال التعاون هذه أُديرت بطريقة لا تخلق احتكاكاً مع العلاقات الاستراتيجية للصين مع الحكومة الاتحادية، ما أتاح لبكين الحفاظ على علاقات مستقرة نسبياً مع بغداد وأربيل وطهران وأنقرة في الوقت نفسه، مع الحد من تعرضها للمنافسات السياسية الداخلية في العراق والصراعات الإقليمية الأوسع.

ونوه إلى أن العلاقات بين إقليم كوردستان والصين ركزت خلال العقدين الماضيين بصورة رئيسية على التعاون الاقتصادي والتجاري، وبالمقارنة مع العلاقة الاستراتيجية التي تربط بكين بالحكومة المركزية، ظلت العلاقات السياسية والأمنية مع الإقليم محدودة، في ظل التزام الصين بمبدأ "الدبلوماسية من دولة إلى دولة".

وخلص التقرير إلى أنه يمكن وصف علاقات الصين مع إقليم كوردستان بأنها شكل من أشكال "البراغماتية الاقتصادية بلا التزام سياسي"، إذ تحظى الطاقة والمصالح التجارية بأولوية أكبر من الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية، مع تمسك بكين إقليمياً بالحفاظ على الحياد السياسي وتجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon