"إرث بغداد" في أبوظبي.. معرض فني لنوادر عراقية من حقبة الخمسينيات
شفق نيوز- ترجمة خاصة
سلطت صحيفة "ذا ناشيونال" الصادرة بالإنجليزية، الضوء عل استضافة جامعة نيويورك بمدينة أبوظبي عاصمة الإمارات معرضاً للفن العراقي، حيث يعود ذلك المعرض إلى حقبة الخمسينيات والتي شكلت أسس الهوية الفنية للعراق خلال العصر الحديث، وذلك عبر لوحات ومنحوتات ومواد ارشيفية، لم يعرض الكثير منها إلا نادراً.
وذكرت الصحيفة الصادرة في أبوظبي في تقرير لها ترجمته وكالة شفق نيوز، أن اللغة البصرية التي تطورت في بغداد في مطلع خمسينيات القرن الماضي، لم تقتصر على تحديث الفن العراقي فقط، وإنما رسخت أسس الهوية الفنية في العصر الحديث، وهو ما يحتفي به المعرض الجديد في جامعة نيويورك في أبوظبي تحت عنوان "كل الأشكال التجريبية: إرث مجموعة بغداد للفن الحديث".
وأشار التقرير إلى أن العراق في حقبة بداية الخمسينيات كان قد استقل حديثا، وخرج من تحت الحكم الاستعماري، ويكافح من أجل تحديد هويته، ولهذا فإن المعرض في أبوظبي، الذي أشرفت عليه المؤرخة الفنية العراقية ندى شبوط، يتتبع نشأة مجموعة بغداد للفن الحديث التي أسسها جواد سليم وشاكر حسن السعيد في العام 1951.
وذكر التقرير بأن العراق بعدما استقل في العام 1932، كان لديه علم وجواز سفر ومتحف للآثار، إلا أنه لم يكن لديه متحف للفن الحديث، وكان لديه مدرسة فنية ناشئة، ولهذا، فإنه بالنسبة لفناني جيل سليم والسعيد، لم يكن السؤال يتعلق بما إذا كان ينبغي تبني الهوية الوطنية، وإنما كيف يمكن تجسيد هذه الهوية الوطنية، وكيف سيبدو المشهد الفني العراقي المعاصر؟.
ولفت التقرير إلى أن الإجابة على ذلك تكمن في فكرة أطلقت عليها المجموعة اسم "الإلهام التراثي" الذي يعني استلهام الإبداع من خلال التراث.
وبحسب التقرير، فإن ما يظهره معرض جامعة نيويورك في أبوظبي، هو مدى الجرأة في هذا الطرح، حيث أنه عوضا عن التعامل مع الحداثة كظاهرة غربية مستوردة ومقلدة، فإن مجموعة بغداد للفن الحديث طرحتها كحوار عالمي، واستلهمت من ماضي العراق المنحوتات السومرية، والمخطوطات العباسية، وفنون الخط، والثقافة البصرية الشعبية، وقامت بإعادة صياغة هذه العناصر بأشكال معاصرة.
وأشار التقرير إلى أن الوثائق الأرشيفية الموجودة في المعرض، تعكس عمق المشروع الفكري، وهي توثق الملصقات والبيانات والصور الفوتوغرافية، والمعارض التي نظمتها المجموعة خلال خمسينيات القرن الماضي، وهو عقد تميز بالاضطرابات السياسية، إلا أنه أيضا تميز بالتفاؤل في العراق، حيث تظهر بغداد كمدينة مفتوحة للنقاش والطموح، والتي يلتقي فيها الفنانون والشعراء والمعماريون لإجراء مناقشات حول الجمال والهوية.
وبحسب التقرير فإن نصب الحرية لجواد سليم يشكل محور المعرض، مذكرا بان سليم جرى تكليفه بنحته بعد ثورة 1958، ويعتبر أول نصب تذكاري عام حديث في العراق من إعداد فنان عراقي.
وتابع أن التماثيل السابقة في بغداد كانت تخلد ذكرى شخصيات استعمارية أو ملكية، إلا أن نصب الحرية لسليم يروي أحداث ما قبل الثورة، والثورة نفسها وما بعدها، من خلال سلسلة من المنحوتات وبالخط العربي، لكن العمل يستلهم من النقوش السومرية والرموز المحلية المميزة.
وعلى الرغم من أن التقرير لفت إلى أن سليم توفي قبل أن يستكمل النصب، إلا أن أثره كان مستداما وقد تحول إلى رمز وطني وبمثابة نموذج للاحتذاء من خلال التفكير الفني، ولا يزال العديد من الفنانين الشباب في بغداد حتى يومنا هذا يعرفون سليم بشكل أساسي من خلال هذا العمل.
وتابع التقرير أن السعيد من جهته، عبر عن العمق الفلسفي للحراك الفني، حيث أن كتاباته ولوحاته، التي يعرض بعضها في معرض أبوظبي، تعبر عن تطور منطق إلهام التراث إلى التجريد.
وذكر التقرير، أن تركيز المعرض في أبوظبي على الخط، يعتبر أحد أبرز محاوره، لافتا إلى أن الفن العراقي طور جمالية مميزة عبر فنون الخط سواء في النحت والرسم والتجريد والتي تعبر ايضا عن التراث.
وقال التقرير إن معرض أبوظبي يظهر أيضا أن المجموعة لم تكن كيانا جامداً، وكانت العضوية فيها مرنة، مشيرا إلى أن فنانين مثل مديحة عمر كانوا يجربون تجريد الحروف العربية قبل أن تصيغ المجموعة بيانها الرسمي.
وأضاف أن المجموعة أرست أعمالها، التي فصلت فن الخط إلى أشكال تعبيرية، وشكلت أساسا مهما للتطورات اللاحقة في فن الحروف، بينما وسع آخرون، بمن فيهم ضياء العزاوي، مدى الحوار خلال ستينيات القرن الماضي وما بعدها، في تعبير عن الاضطرابات الإقليمية والقومية العربية، مع الحفاظ على التزامهم بالأفكار التأسيسية للمجموعة.
وتابع التقرير أن المواد الارشيفية تحظى بأهمية خاصة في أنحاء المعرض، موضحا أنه بالنظر إلى تدمير وتشتيت الأعمال الفنية العراقية على مدى عقود من الصراع، فإن الوثائق غالبا ما تحل مكان القطع المفقودة. وتابع قائلا إن الرسائل وكتالوجات المعارض والصور الفوتوغرافية لا يقتصر دورها على إغناء الأعمال الفنية، مضيفا أن المعرض يصبح بمثابة عمل من أعمال الحفظ.
وخلص التقرير الى القول ان مجموعة بغداد للفن الحديث لم تكتف بتأسيس اسلوب فني، وإنما خلقت إطارا من الفنانين العراقيين من التفاعل بين التراث والحداثة والانتماء الوطني، مع الحفاظ على هوية عراقية مميزة، وتقديم سرديات حول الصمود، حيث انه خلال الثورات، وتغيير الأنظمة، والحروب، والمنفى، فإن الفنانين العراقيين واصلوا مواجهة الأسئلة الجوهرية نفسها التي طرحت للمرة الأولى في العام 1951، مثل كيف يكون المرء حديثا من دون أن يلغي الماضي، وكيف يستعيد تراثه من دون أن يكون أسيرا له.
وختم التقرير بالقول إنه في الوقت الذي يعاد فيه تقييم تاريخ الفن العالمي، فإن معرض جامعة نيويورك في أبوظبي يقدم اضافة ثمينة، حيث أنه يصور بغداد لا كملتقى هامشي للحداثة، وإنما كموقع للإنتاج الفكري الذي أعاد صياغة أسس الحوار، وهو لم ينته بعد، ويساهم في رسم ملامح الفن العراقي اليوم.