"دبلوماسية السفن الحربية".. تقرير بريطاني: ترمب يتخطى "مبدأ مونرو" لفرض هيمنته
شفق
نيوز- ترجمة خاصة
تمثل
استعادة الولايات المتحدة لـ"دبلوماسية السفن الحربية" التي تعود إلى
القرن التاسع عشر للاستيلاء على موارد الدول الأضعف، تعزيزاً لنهج المواجهة
ومحاولة احتكار النفوذ في النصف الغربي للكرة الأرضية، من خلال ما جرى في فنزويلا
الذي يمثل رسالة إلى الصين، وأكثر "تهوراً" من حملة جورج بوش في العراق،
وذلك بحسب ما خلص إليه موقع "العلاقات الدولية آي" البريطاني.
وبعدما
أشار الموقع البريطاني في تقرير تحت عنوان "تكرار العراق في فنزويلا: رؤساء
مختلفون ونفس الأخطاء"، الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن اختطاف الرئيس
الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ووصفه ذلك بأنه "انتهاك خطير للسيادة
الفنزويلية وميثاق الامم المتحدة"، قال إن نهج ترمب الحازم يشبه "دبلوماسية
السفن الحربية" في خمسينيات القرن التاسع عشر.
"دبلوماسية
السفن الحربية"
وبين
أن "دبلوماسية السفن الحربية" تتمثل بأن القوى العسكرية كانت تستولي على
الموارد من الدول الأضعف، ونهج المواجهة هذا يعزز الرأي القائل إن السياسة
الخارجية المعتادة للولايات المتحدة في القرن الحادي والشعرين تؤكد على "العنف
والهيمنة".
ولفت
التقرير البريطاني إلى أن الخطوة الأميركية الأخيرة ضد فنزويلا ترتبط بإستراتيجية
الأمن القومي الأميركية الجديدة التي تستند على "مبدأ مونرو" الذي يعود إلى
الرئيس الأسبق جيمس مونرو في العام 1823 في الدفاع عن هذه المنطقة من العالم بلا
تردد.
وبحسب
التقرير فإن إدارة ترمب تسعى بوضوح خلف فنزويلا من أجل احتياطياتها النفطية
الهائلة، وهي الأكبر على مستوى العالم، وليس من أجل "ادعاء غير مدعوم" بأن
مادورو يشارك في تجارة المخدرات.
وذكّر
التقرير بأن الهجوم الأخير على فنزويلا لم يكن المرة الأولى التي تتخذ فيها
الولايات المتحدة إجراء ضد ذلك البلد، حيث أنها بدأت منذ عهد الرئيس السابق هوغو
تشافيز الذي حاول الحد من سيطرة شركات النفط العملاقة على قطاع الطاقة الفنزويلي.
النفط
وعوامل أخرى
لكنه
لفت أيضاً إلى العديد من العوامل الأخرى التي ساهمت في أزمة فنزويلا، بما في ذلك
سوء إدارة الثروة النفطية والجريمة والسوق السوداء، مضيفاً أن التراجع العالمي في أسعار
النفط كان السبب الرئيسي لصعوبات فنزويلا الحالية بالإضافة إلى العقوبات التي
فرضتها واشنطن على كاراكاس.
وإلى
جانب محاولة السيطرة على احتياطات النفط المقدرة بـ300 مليار برميل، بالإضافة إلى
العديد من المعادن الحيوية، قال التقرير إن هناك دافعاً جيوسياسياً واضحاً خلف هذا
العدوان تجاه فنزويلا، حيث أنه بالإمكان النظر إلى تصرفات ترمب على أنها جهد إستراتيجي
لمنع القوى الأخرى من الوصول إلى موارد فنزويلا الغنية.
وأشارت
إلى ما أقدم عليه ترمب هو بمثابة تحذير "لأي شخص يهدد المصالح الأميركية"
حيث لفت ترمب إلى العقيدة الأمنية الجديدة قائلاً: "الهيمنة الأميركية في نصف
الكرة الغربي لن يتم التشكيك فيها مرة أخرى".
وتابع
التقرير قائلاً إن الأهداف المباشرة لهذه السياسة الأميركية "هي الحكومات في أميركا
اللاتينية التي قد تعمل ضد المصالح الإمبريالية الأميركية"، لافتاً في هذا الإطار
إلى تهديدات ترمب المتكررة ضد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو.
إلا
أن التقرير رأى أيضاً أن التهديدات تتجاوز أميركا اللاتينية، مذكراً بأن ترمب يهدد
كل من الحلفاء والأعداء في جميع أنحاء نصف الكرة الأرضية، وأنه إلى جانب فنزويلا وإيران،
فإن الولايات المتحدة شنت ضربات في خمس دول أخرى في العام الماضي هي سوريا والعراق
واليمن والصومال ونيجيريا، بينما هدد بالحرب مع المكسيك، واقترح ضم غرينلاند
وكندا، وأصرّ على أن قناة بنما يجب أن تخضع للسيطرة الأميركية.
وتابع
التقرير قائلاً إن "الرسالة إلى الصين صريحة وحازمة"، لافتاً إلى أن
الهجوم على فنزويلا جاء بعد ساعات على لقاءات لوفد صيني رفيع المستوى في كاراكاس
للتأكيد على التعاون في مجال الطاقة.
وأشار
إلى أن الغارة الأميركية كانت بمثابة "خطوة استفزازية" تهدف إلى تعطيل
العلاقة المتوسعة بين الصين وأميركا اللاتينية، حيث أن الصين تجاوزت بالفعل
الولايات المتحدة كشريك تجاري رئيسي لأميركا الجنوبية ومن المتوقع أن تصبح الشريك
الرئيسي في جميع أنحاء أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بحلول العام 2035.
العراق
واعتبر
التقرير أن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترمب "تظهر مستوى خطيراً من
التهور"، مذكراً بأن ترمب نفسه ناقد حاد للغزو الأميركي للعراق.
وأورد
التقرير تصريح الأستاذة في كلية الحقوق في نوتردام، ماري إيلين أوكونيل، التي شبهت
هذه الإجراءات بغزو العراق حيث تسبب هذا الغزو بانهيار اقتصادي قوي، وارتفاع
البطالة، وزيادة الانقسام داخل البلد، وتزايد المقاومة العنيفة، والصراع الأهلي،
وتمكين بعض تنظيم "داعش" لاحقاً.
وتابع
التقرير أنه عندما أعلن الرئيس الأسبق باراك أوباما النهاية الرسمية لحرب العراق
وبدء انسحاب القوات في العام 2011، أصيب العراق بصدمة عميقة بسبب انهيار الاقتصاد،
حيث استمر الصراع ثمان سنوات، مما أدى إلى مقتل أكثر من 200 ألف مدني عراقي وخسارة
4492 من أفراد الخدمة الأميركية.
وتابع
التقرير أن غزو العام 2003 كان خطأ كبيراً ومكلفاً، مشيراً إلى أنه حتى بعض
المدافعين البارزين عن الحرب وصفوها منذ ذلك الحين بأنها "خطأ كبير" أو "كارثة"
أو "أسوأ قرار تم اتخاذه على الإطلاق".
ولفت
التقرير إلى أنه على غرار ما أعلنه ترمب وإدارته مراراً، بأنهم يهتمون الآن بفنزويلا
ويعدون بالحرية لشعبها والازدهار، فإن الرئيس جورج بوش قدم قبل ثلاثة أسابيع من
الغزو، وعوداً مشابهة حول العراق، متعهداً بإقامة "عراق حر" من خلال
"حماية الموارد الطبيعية للعراق من التخريب" والإطاحة بالدكتاتورية.
ونوه
التقرير إلى أنه في الفترة التي سبقت غزو العام 2003، فإن العراق غالباً ما كان
يوصف في مختلف وسائل الإعلام والخطاب السياسي بأنه دولة على وشك "الانهيار
تتصارع مع التفكك الاجتماعي والاقتصادي"، مشيراً إلى أن نفس اللغة تقريباً يمكن
إيجادها في وسائل الإعلام الرئيسية في الغرب فيما يتعلق بفنزويلا في عهد مادورو.
ومع
ذلك، قال التقرير إن "الإجراءات الجارية ضد فنزويلا، تعتبر أكثر تهوراً من
حملة بوش في العراق، حيث يبدو أنها كارثة ستقع".
ولفت
إلى أن ترمب "سيفرض دكتاتورية" في فنزويلا من خلال إدارتها من جانب
مسؤولين أميركيين، وذلك فيما يمثل تجاهلاً لحقيقة أن فنزويلا، التي يبلغ عدد
سكانها 30 مليون نسمة ومساحتها نحو مليون كيلومتر مربع، لا يمكن أن تحكمها شخصيات
من واشنطن، لأن احتلالاً كهذا سيتطلب مئات الآلاف من الجنود الأميركيين وجهود
عسكرية تتعلق بالحرب الحضرية للتعامل مع مقاومة واسعة.
وذكر
التقرير بأن العراق تطلب أكثر من 125 ألف جندي أميركي، وانتشار نحو 340 ألف جندي
في أنحاء المنطقة عموماً، مشيراً إلى أن العراق الذي يقل عدد سكانه عن فنزويلا،
كان قد عانى بالفعل من عشر سنوات من العقوبات.
وأضاف
أن الاحتلال العسكري المطلوب للسيطرة على فنزويلا بسرعة قد يتسبب بصراع دموي وممتد
في كل أنحاء أميركا اللاتينية وربما خارجها.
"فضيحة
إبستين"
واعتبر
التقرير أنه ليس بالإمكان فهم موقف إدارة ترمب بشكل كامل إلا ضمن الأزمة الأوسع
للهيمنة الأميركية، مشيراً إلى أنه من المرجح أن تشكل العديد من الدوافع الخفية
تصرفات ترمب، بما في ذلك الجهود المبذولة لصرف الانتباه عن الكشف الصادم عن
"شبكة إبستين" للاتجار بالجنس، والتي شملت شخصيات بارزة من القطاع
المالي والجهاز الحكومي، وهو ما يعني أن المصالح الأميركية الأكبر على المحك.
وفي
الوقت نفسه، قال التقرير إن الولايات المتحدة تسعى إلى مواجهة تدهورها الاقتصادي
على المدى الطويل من خلال اللجوء إلى النزعة العسكرية والحرب، مشيراً إلى أن قواعد
الهيمنة العالمية للولايات المتحدة ضعفت بشكل كبير.
وتابع
أن أسعار الذهب وصلت إلى 4300 دولار للأونصة، مما يشير إلى انخفاض الثقة في
الدولار كعملة احتياطية في العالم.
ولفت
إلى أنه في ظل تخطي الدين الوطني 38 تريليون دولار، فإن الالتزامات المالية الأميركية
وصلت إلى مستويات قياسية، مضيفاً أن النخبة الحاكمة تعتبر أن محاولات السيطرة على
نفط فنزويلا والنفوذ الأميركي المتجدد على نصف الكرة الغربي، تعتبر حاسمة من أجل
الحفاظ على قوتها الاقتصادية والجيوسياسية.
نفوذ
القوى العظمى
وأشار
إلى أن هذا يمكن أن يكون مقدمة لاتفاق واضح للنفوذ مع القوى في نصف الكرة الشرقي
والمتمثلة بالصين وروسيا وربما القوى النفطية في الشرق الأوسط.
وختم
التقرير قائلاً إنه عندما يتراجع تأثير قوة كبرى أو قوة عظمى، فأنه يؤثر على
النظام العالمي ويثير عدم استقرار، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة في تراجع على
مدى السنوات الأربعين الماضية، وهو اتجاه أصبح أكثر وضوحاً بعد الحرب الباردة.
وأضاف
قائلاً إنه برغم أن الولايات المتحدة ما تزال القوة الاقتصادية والعسكرية الرائدة
في العالم، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة مثل النمو الاقتصادي البطيء وتراجع قطاعها
الصناعي على المدى الطويل.
وأكد
التقرير أن "العالم حالياً في حالة اختلال هش" مع استمرار تراجع الهيمنة
العالمية، فيما "يظهر ترمب عدواناً إمبريالياً مشابهاً لعدوان القرن التاسع
عشر" وهو ما فاقم وقتها من التوترات بين القوى العسكرية الكبرى في العالم وأدى
إلى نشوب صراعات خطيرة بلغت ذروتها في نهاية الأمر باندلاع الحرب العالمية الأولى.