"حبل مشدود".. مركز أبحاث يرصد أثر الصراع الإيراني على مستقبل العراق
شفق نيوز/ تظاهرة لأنصار الفصائل في بغداد - 3 نيسان 2026
شفق نيوز- ترجمة خاصة
رصد معهد "مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية"، ملامح مستقبل العراق في ظل الصراع الإيراني في المنطقة، مسلطاً الضوء على تحولات جوهرية تطال النفوذ الإيراني، ومستقبل العلاقات العراقية مع دول الخليج والولايات المتحدة، إضافة إلى دور الفصائل المسلحة.
وقال المعهد الذي يتخذ من الدوحة مقراً له، في تقرير صادر بالإنجليزية وترجمته وكالة شفق نيوز، إن الحرب الإيرانية ليست مجرد أزمة إقليمية تمتد عبر حدود العراق، بل لها تأثير عميق داخله، ما يعزز المخاطر المرتبطة بانقسامات السلطة والنظام السياسي والسيادة وصولاً إلى التحالفات الإقليمية.
وأوضح التقرير أن التغييرات التي تحدث في هذه الملفات ليست نتيجة للحرب وحدها، بل أنها جرت بالفعل خلال مرحلة تحولية داخل البيئة السياسية العراقية التي سبقت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 شباط/ فبراير الماضي، والحرب التي جرت لاحقاً.
ولفت إلى أن وضع إيران داخل العراق بات أكثر إثارة للجدل خلال السنوات الماضية، وكانت دول الخليج تعيد ضبط نهجها تجاه بغداد، في حين أن قادة العراق كانوا يتصارعون مع كيفية إدارة الفصائل المسلحة القوية التي تعمل داخل الدولة وخارجها.
ولهذا، اعتبر المعهد أن الحرب وبدلاً من خلق واقع سياسي جديد بالكامل، فإنها ساهمت في تسريع التحولات الجارية، وكشفت عن التوترات التي لم تتم تسويتها، فيما تضطر بغداد إلى التنقل بين قضايا طويلة تتعلق بالسيادة والأمن والمواءمة الإقليمية تحت ضغط أكبر بكثير.
ورأى التقرير أن إيران خرجت المستفيد الرئيسي من الحرب الأميركية على العراق عام 2003، وزرعت "الوكلاء" السياسيين والفصائل داخل مجلس النواب والوزارات، وهو ما تعزز بعد تشكيل الحشد الشعبي العراقي الذي عملت إيران على تحويله إلى أدوات لاستراتيجيتها الإقليمية.
كما تحدث المعهد عن مواقف مختلفة وتنوع أيديولوجي داخل النخبة السياسية الشيعية، مشيراً في هذا الجانب إلى مواقف الحركة الصدرية ومواقف عمار الحكيم، متناولاً أيضاً مطالب حركة احتجاجات تشرين عام 2019.
وأشار التقرير إلى أن الحرب الإيرانية الأخيرة سرعان ما استقطبت العراق إلى مدارها، حيث شنت فصائل مسلحة هجمات على المصالح الأميركية في داخل البلاد والدول المجاورة، ووجدت بغداد نفسها في نفس الوقت عرضة للضربات العسكرية الأميركية، مما عزز صورتها كساحة تنافس في معركة الأجندات الخارجية.
وبحسب التقرير فإن التداعيات الاقتصادية كانت بنفس القدر من الحدة، إذ تسببت عرقلة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز في توجيه ضربة حاسمة لعائدات النفط العراقية، التي تمثل أكثر من 90% من الميزانية، وهو ما يهدد قدرة الحكومة على تمويل الخدمات والحفاظ على عقدها الاجتماعي الهش مع مواطنيها.
ورأى التقرير أن هذه التطورات أثارت مجدداً السؤال القديم في السياسة العراقية، حول ما يجب القيام به إزاء الفصائل، لافتاً إلى أن الاحتواء كان يمثل الموقف الافتراضي للحكومات المتعاقبة، مع الإقرار بأن تفكيك قوات الحشد ليس ممكناً سياسياً ولا حكيماً عسكرياً.
لكن تقرير المعهد أشار إلى أن الفصائل الأكثر تحالفاً مع إيران، تصرفت مراراً خارج أوامر الدولة، خصوصاً في موقفها الأكثر وضوحاً تجاه الولايات المتحدة، حيث عمدت بعض الفصائل إلى مواجهة القوات الأميركية باعتبار ذلك واجباً أيديولوجياً، في حين أن البعض الآخر كان يفضل خفض التصعيد خشية تعرضها لضربات مدمرة وتآكل شرعية الدولة العراقية.
لكن التقرير، وبينما لفت إلى أن بغداد واجهت ضغوطاً خارجية متزايدة للقيام بما هو أكثر من الاحتواء، فإنه أوضح أن الظروف الهيكلية التي جعلت تفكيك قوات الحشد غير معقول قبل الحرب، لا تزال قائمة.
وتحدث التقرير عن كيفية استفادة إيران بذكاء من سنوات علاقات العراق المتوترة مع جيرانه في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك على عكس منافسيها الخليجيين، حيث اعتبرت طهران أن نفوذها لا يتم تأمينه من خلال العلاقة الرسمية مع بغداد فقط، وهو ما سمح لإيران بتحقيق التفوق.
وأضاف أن الحرب الأخيرة دفعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى وضع دبلوماسي أكثر حزماً إزاء بغداد بعدما شنت الفصائل المتحالفة مع إيران ضربات مباشرة ضد دول الخليج.
أما بالنسبة للقادة العراقيين، فإن تحقيق التوازن في سياستهم أصبح أكثر صعوبة، وفقاً لتقرير المعهد، مذكراً بأن بغداد سعت بعد هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى عزل نفسها عن الصراعات من خلال سياسة "العراق أولاً".
لكن مع توسع الحرب، وجد المسؤولون العراقيون أنفسهم مجدداً يسيرون على "حبل مشدود"، بحسب التقرير، مبيناً تلك الرؤية بالقول "إذ تجدهم يقدمون تعازيهم على اغتيال علي خامنئي لكنهم يرفضون الضغط الإيراني لدخول الحرب، ويوجهون قوات الأمن لحماية البعثات الدبلوماسية وحقول النفط، ويقومون بإقالة كبار الضباط العسكريين والاستخباراتيين لإثبات عزمهم".
ووفقاً للمعهد، فإن "الحرب الإيرانية لم تحل هذه التوترات، وإنما فاقمتها، وأن التساؤل الرئيسي الآن يتعلق بمدى إمكانية بغداد - في ظل هذه التقلبات الجيوسياسية القوية - تقليص الشبكات المتحالفة مع إيران في وقت واحد، والحفاظ على شراكاتها الخارجية، وتعزيز سيادة الدولة، دون إثارة التمزق داخلياً أو التصعيد خارجياً".
وخلص إلى أن على الولايات المتحدة ودول الخليج اتخاذ خطوات في هذا الصدد أيضاً، مع ضمان ألا يتجه الضغط على العراق ويتحول إلى عزلة قد تستغلها طهران بسهولة لإعادة التأكيد على نفوذها الذي تسعى تلك الأطراف إلى الحد منه.