بين الصفقة والضربة.. مجلة أميركية: استراتيجية ترمب مرتبكة حيال إيران
شفق نيوز- ترجمة خاصة
رأى تقرير لمجلة "ذا أتلانتيك الأميركية"، أن الولايات المتحدة تحتاج إلى التريث في مسارها الحالي تجاه إيران؛ فهي ليست بحاجة ملحّة لإبرام صفقة شاملة مع طهران، كما أنها ليست مضطرة للجوء إلى خيار الحرب ضدها، متساءلة في الوقت نفسه عن سبب كل هذا الاستعجال، لطالما أن واشنطن تمتلك أوراق ضغط أخرى؟.
وأشار تقرير المجلة، الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حشّد أكبر قوة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، وهو ما يمثل ما بين 40% و50% من إجمالي القوة الجوية الأميركية القابلة للنشر عالمياً.
ونبه التقرير الأميركي، إلى أن "الحرب قد تكون وشيكة، إلا أن هذه التعزيزات العسكرية تخفي ارتباكاً إستراتيجياً عميقاً".
وأوضح أن الولايات المتحدة لا تحتاج حالياً إلى صفقة شاملة مع إيران، بل ربما تكون في وضع أفضل من دونها في الوقت الراهن.
وأضاف التقرير أن الحرب ليست ضرورية، إذ إن الوقت لا يداهم واشنطن، التي تمتلك هامشاً كافياً لممارسة الضغط واستخدام نفوذها لمنح الشعب الإيراني فرصة لإحداث التغيير، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي أفضل مستقبلاً.
ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل طرحتا مطالب قصوى على إيران، تشمل التخلي عن أي قدرة على تخصيب اليورانيوم — حتى ضمن قيود وعمليات تفتيش مشابهة لما نص عليه الاتفاق النووي لعام 2015 — إضافة إلى تفكيك البنية التحتية النووية، وفرض قيود على برنامجها الصاروخي ووكلائها في المنطقة.
إلا أن التقرير رأى أن هذا الطرح يتجاهل نقطة مهمة، إذ لا يأخذ في الحسبان الأحداث التي وقعت في حزيران/يونيو 2025، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات استمرت 12 يوماً على أهداف عسكرية ونووية إيرانية.
ورغم أن تلك الضربات لم تدمر البرنامج النووي الإيراني بالكامل، فإنها ألحقت به أضراراً كبيرة، ويبدو أنها أعادته سنوات إلى الوراء.
وأشار التقرير إلى أن إيران باتت تدرك، بعد تلك الضربات، أن محاولات إعادة بناء برنامجها النووي قد تؤدي إلى هجمات إضافية، ومع ذلك تتصرف الإدارة الأميركية كما لو لم يتم كسب أي وقت، وكأن نافذة منع إيران من امتلاك قنبلة نووية توشك على الإغلاق سريعاً.
وأضاف التقرير أن النظام الإيراني اليوم أضعف مما كان عليه في أي وقت منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل لحظة هشاشة للنظام، وليس لحظة قوة، وأن هذه الهشاشة ينبغي أن تشكّل أساس الإستراتيجية الأميركية عبر مواصلة الضغط والسماح لهذه الثغرات بالتعمق.
ووفقاً لهذه الرؤية، فإن الإدارة الأميركية تطرح خياراً ثنائياً: إما الصفقة أو الحرب، رغم أن واشنطن لا تحتاج حالياً إلى اتفاق شامل.
وحذّر التقرير من أن اتفاقاً نووياً واسعاً يُلزم إيران بالتخلي الكامل عن التخصيب سيستدعي رفعاً واسعاً للعقوبات، ما قد يمنح النظام الإيراني مليارات الدولارات ومخرجاً من العزلة، في وقت يواجه فيه ضغوطاً داخلية متزايدة.
ورأى التقرير أن بإمكان الولايات المتحدة القبول بنسخة أقوى من اتفاق 2015 — من دون سقف زمني، ومن دون مخزونات، وبمستوى تخصيب أدنى — مقابل تخفيف محدود للعقوبات وفرص اقتصادية أقل مما قد يُعرض في حال موافقة إيران على "صفر تخصيب".
ومن شأن مثل هذا الاتفاق المحدود إبقاء الضغط على النظام، خصوصاً أن ضربات حزيران/يونيو 2025 فرضت كلفة حقيقية على البرنامج النووي ومددت الجدول الزمني لأي اختراق نووي محتمل.
ولهذا، اعتبر التقرير أنه لا يوجد استعجال لعقد اتفاق الآن، إذ يمكن للإدارة الأميركية التريث، سواء فضّلت عدم تقديم تخفيف للعقوبات في هذه المرحلة أو رأت أنها لا تستطيع القبول بأي مستوى من التخصيب.
ولم يستبعد التقرير احتمال أن يكون ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير جادين أساساً في التوصل إلى صفقة، وأن الضغوط الحالية قد تكون مجرد تمهيد لضربة عسكرية مدمرة ضد نظام يترنح على حافة الانهيار.
لكنه شدّد على أن الضغط الاقتصادي والدبلوماسي يختلف جذرياً عن شن حرب لإسقاط النظام.
ورغم إقرار التقرير بإمكانية إلحاق الولايات المتحدة وإسرائيل هزيمة سريعة بإيران، فإنه حذّر من احتمال انزلاق الوضع إلى صراع إقليمي مفتوح، إذ قد يخلص النظام الإيراني المحاصر إلى أن السبيل الوحيد لوقف الهجمات هو إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الأميركية وحلفائها في الخليج.
كما أشار إلى احتمال أن يكون هيكل السلطة في إيران أكثر صلابة مما يُعتقد، وأن حرباً كبرى في الشرق الأوسط قد تستمر أسابيع أو شهوراً، ما سيُلحق أضراراً كبيرة بجهوزية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويستنزف مخزوناتها من الذخيرة، ويخلّف تداعيات طويلة الأمد.
وحذّر التقرير أيضاً من أن الضربات المحدودة قد تفشل وتتحول إلى حرب لتغيير النظام، في ظل غموض الأهداف وغياب خطة واضحة لمرحلة ما بعد إسقاطه، إضافة إلى افتقار مثل هذه الحرب لتفويض من الكونغرس، في وقت يرفض فيه الناخبون الأميركيون حروب تغيير الأنظمة المفتوحة.
وأكد التقرير أن الإدارة الأميركية لم تقدم حتى الآن مبرراً قانونياً أو إستراتيجياً واضحاً لهذه الحرب، سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي.
وخلصت مجلة "ذا أتلانتيك" إلى أن الولايات المتحدة تواجه خياراً حقيقياً، لكنه ليس بين صفقة شاملة أو حرب كبرى، بل بين استثمار النفوذ الذي وفرته الأحداث الأخيرة أو التفريط به.
فهجمات حزيران/يونيو 2025 غيّرت المشهد الاستراتيجي عبر إضعاف البرنامج النووي الإيراني وتعميق هشاشة النظام وتوفير وقت إضافي.
وختم التقرير بالتأكيد على أنه قبل اتخاذ الخطوة التالية — سواء نحو صفقة أو حرب — يجب الإجابة عن سؤال أساسي: ما الذي تغيّر تحديداً منذ حزيران/يونيو ليبرر الآن الانتقال إلى مسار أكثر تطرفاً؟ وحتى يتم تقديم إجابة واضحة، فإن مبررات الاستعجال بالحرب لا تبدو مقنعة.