العراق نموذجاً.. العقوبات الدولية "حرب بوسائل أخرى" تدفع ثمنها الشعوب

العراق نموذجاً.. العقوبات الدولية "حرب بوسائل أخرى" تدفع ثمنها الشعوب
2026-04-15T14:59:56+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

تعكس العقوبات التي تفرضها دول على أخرى، مثلما حصل في العراق منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى العام 2003، وما يجري في إيران وكوبا، شكلاً من أشكال "الحرب بوسائل أخرى"، وتتسبب بوفيات تعادل خسائر الحروب العسكرية نفسها كما تقول شبكة "تي آر تي" التركية.

وأوضحت الشبكة التركية الناطقة بالإنكليزية، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أنه في حين يستمر تساقط القنابل في الشرق الأوسط رغم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، فإنه يوجد هناك شكل آخر من العنف المتواصل، حتى وإن كان أقل حدة، وهو العقوبات، والتي تعرّفها الأمم المتحدة بأنها إجراءات لا تتضمن استخدام القوة المسلحة.

إلا أن التقرير لفت إلى أن أهم هذه الإجراءات التي تكون أحادية الجانب، هي قيود تفرضها جهة ما لإجبار دولة أخرى على تغيير سلوكها، موضحاً أن كوبا، الخاضعة للعقوبات الأميركية منذ العام 1960، وإيران منذ العام 1979، تعكسان هذا الأمر بوضوح، وكذلك العراق الذي شهد عقوبات متعددة الأطراف فرضت عليه منذ العام 1990، إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا عرقلتا رفعها.

عقوبات على المدنيين

ولفت التقرير إلى أنه يتم تقديم هذه العقوبات كبديل غير عسكري يستهدف الحكومات، إلا أنها تؤثر على المدنيين بشكل غير متناسب، لأنها تضعف الأنظمة الصحية وتقيد التجارة، وتتسبب بتآكل اقتصادات الدول التي تعاني من أجل توفير الاحتياجات الأساسية.

واستعان التقرير بالدراسة التي نشرتها مجلة "ذا لانسيت غلوبال هيلث" في العام 2025 تحت عنوان "تأثير العقوبات الاقتصادية الدولية على معدلات الوفيات"، التي تناولت بيانات 152 دولة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1971 و2021، وقدرت أن العقوبات تسببت بزيادة الوفيات بنحو 564 ألف حالة وفاة سنوياً.

وهو رقم يقارب بعض التقديرات لإجمالي وفيات الحروب السنوية، بما في ذلك ما يشمل المدنيين، في حين ان 51% من هذه الوفيات تحدث بين الاطفال دون سن الخامسة، وبين كبار السن الذين تتراوح أعمارهم بين الستين والثمانين.

وتابع قائلاً إن العقوبات قد تكون أكثر "فتكاً"، وتعمل كـ"حرب بوسائل أخرى"، بل وتمهد الطريق لاستخدام القوة مجدداً، وتستخدم ضد العديد من دول الجنوب، كأدوات للعقاب والاستنزاف وفرض تغيير السلوك، وإضعاف قدرة الدولة على العمل.

وأشار إلى أن تزايد استخدام الولايات المتحدة لهذه العقوبات، بنسبة تزيد عن 900% خلال الـ20 سنة الماضية، يظهر مدى رسوخ منطق الإكراه، مضيفاً أن نماذج إيران وكوبا والعراق تظهر كيف يتخذ هذا الضغط أشكالاً مختلفة، إلا أنه يتبع المنطق نفسه من خلال الخنق الاقتصادي، والتفاوض القسري، والتهديد الدائم بالتدخل العسكري.

سابقة العراق

وذكر التقرير أن تجربة العراق أظهرت كيف يمكن للعقوبات التي يفرضها مجلس الأمن أن تتجاوز هدفها المعلن، وأن تتحول، من خلال عرقلة رفعها، إلى أداة استنزاف طويلة.

وبعدما ذكّر التقرير بأنه بعد غزو العراق للكويت العام 1990، فرضت عقوبات واسعة من خلال القرار 661، ثم بعد حرب 1991، جعل القرار 687 رفع هذه العقوبات مشروطاً بنزع سلاح العراق، أوضح أن آثار العقوبات كانت وخيمة حيث أنه في غضون ستة أسابيع، نفدت الإمدادات، وبحلول نهاية العام 1990، تفاقمت أزمة نقص الغذاء.

وأشار إلى أن هذه الكارثة الإنسانية قادت ثلاثة مسؤولين كبار في الأمم المتحدة، وهم دينيس هاليداي، وهانز فون سبونيك، وجوتا بورغاردت، إلى الاستقالة.

ولفت التقرير إلى تصريح هاليداي بأن تأثير العقوبات بأنه "إبادة جماعية"، وهو ما يتوافق مع تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" لعام 1995، والتي تسببت بأكثر من مليون حالة وفاة بين البالغين و567 ألف حالة وفاة بين الأطفال.

وأضاف أنه على الرغم من أن الوكالات المسؤولة أنهت عملها بين عامي 1997 و1998 إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا صوتتا ضد رفع الحظر، وهو ما تسبب في إطالة أمد العقوبات التي استنزفت العراق، وتحولت في نهاية المطاف إلى جزء من إستراتيجية تغيير النظام، ثم جاءت الضربة القاضية العام 2003 مع الغزو الأميركي للعراق، وذلك بدعم حاسم من بريطانيا، بذريعة "أسلحة الدمار الشامل".

وبعدما ذكّر بموقف الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان بأن هذا الغزو مخالف للقانون الدولي، قال التقرير إن الغزو أدى خلال العقدين التاليين، إلى دوامة من الاحتلال، وتفكك الدولة، والتفتت، والعنف.

وتابع قائلاً إنه مثلما هو الحال مع إيران حالياً، فقد جرى تبرير استخدام القوة بـ"تهديد" يشكك بمصداقيته المفتشون الدوليون.

إيران

وذكر التقرير بأن الولايات المتحدة فرضت عقوبات أحادية على إيران منذ العام 1979، بعد الثورة التي أطاحت بالشاه، أحد أبرز حلفائها الإقليميين، واقتحام سفارتها في طهران، إلا أن واشنطن مع مرور الوقت وسعت نطاق هذه العقوبات، متذرعة باتهامات تتعلق بـ"الإرهاب" و"انتهاكات حقوق الإنسان" والبرنامج النووي.

ولفت التقرير إلى أن الحظر التجاري الأولي تبعته قيود على النفط والغاز والخدمات المصرفية والنقل، بالإضافة إلى عقوبات على الشركات والبنوك الأجنبية التي تتعامل مع إيران، ثم انضمت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى جهود العقوبات منذ العام 2006، وإن كانت بمبادرات محدودة أكثر وتركز على البرنامج النووي.

وبعدما استعرض التقرير مسار العقوبات والاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى، قال إن تأثير العقوبات صار محرجاً حيث انخفضت قيمة العملة، وتزايد التضخم فيما يتحدث المواطنون عن نقص في الادوية الأساسية، في حين تلا كل ذلك حرب في حزيران/ يونيو 2025، ثم الحرب الأميركية - الإسرائيلية الآن على إيران برغم أن المفاوضات النووية كانت قد استؤنفت.

كوبا

وأشار التقرير إلى أن كوبا تعتبر نسخة أخرى من المنطق نفسه، إلا أنها ازدادت حدة مع عودة ترمب حيث أنه لا وجود لحرب مفتوحة حاليا، وإنما إستراتيجية خنق طويلة مرفقة بتهديدات بالتدخل لإخضاع البلد.

وأشار التقرير إلى أن العقوبات الأميركية بدأت بحظر جزئي في العام 1960، ثم تحولت إلى حظر تجاري شامل في العام 1962، لافتاً إلى أن الحظر صار مع الوقت يطال الوقود والواردات الأساسية، وهو ما أثر بشكل كبير على التنمية الاقتصادية، وفاقم من هشاشة وضع الطاقة، وأضعف الإمدادات الغذائية، على الرغم من أن خبراء الأمم المتحدة الحصار بأنه "انتهاك خطير للقانون الدولي".

وتابع التقرير أن الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، صرح مؤخراً بأن الجزيرة لم تتلق أي نفط منذ ثلاثة شهور، وأن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى 40% من احتياجاتها من الوقود.

أما ترمب، بحسب التقرير، فقد لخص المنطق الكامن وراء الضغط بقوله إن هافانا لا تملك مالاً ولا نفطاً ولا غذاءً، ولذلك فهي تريد "مساعدة" من واشنطن، مضيفاً أنه بعد إيران، "ستكون كوبا هي التالية".

وبحسب التقرير، فإن قضية العراق أدت إلى تقويض نموذج العقوبات الشاملة ضد دولة ما في الأمم المتحدة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول تأثيراتها الإنسانية، مضيفاً أن مجلس الأمن الدولي لم يعد يفرض مثل هذه الإجراءات، وتحول التركيز على العقوبات الاحادية، التي باتت الآن محوراً أساسياً في السياسة القسرية للغرب.

وتابع قائلاً إن العديد من الخبراء يتساءلون عما إذا كانت العقوبات فعلاً تمثل حلاً بديلاً "أنظف" من الحرب.

واستند التقرير على مقال تحت عنوان "أسلحة ضد الضعفاء: القانون الدولي والاقتصاد السياسي للإكراه"، تؤكد فيه الأستاذة في جامعة ييل الأميركية أصلي يو. بالي، أن العقوبات تنتج "جوعاً وأوبئة كان من الممكن تجنبها"، وغالباً ما تخفي أهدافاً إستراتيجية تحت ستار "حقوق الإنسان" أو "الديمقراطية".

وخلص التقرير إلى القول إن السؤال الجوهري ليس فقط ما تحققه العقوبات، بل من يملك صلاحية فرضها وعلى من؟، مضيفا أن السؤال هو من يعاقب ومن يملك سلطة فرض العقوبات؟.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon