الصفقة الكوردية بين الحزبين الرئيسيين.. كوردستان واختبار "المرونة والاستمرار"
شفق نيوز– ترجمة خاصة
ما تزال صيغة التنافس المتوازن بين القوى الكوردية تحافظ على الاستقرار الأساسي لإقليم كوردستان، رغم أن بنية تقاسم السلطة بين الحزبين الأكبر تتعرض لضغوط متجددة، سواء في سياق الحرب الإقليمية أو في سياق العلاقة مع الحكومة الاتحادية، وهو ما يراه معهد "منتدى الخليج الدولي" الأميركي.
وبعد الإشارة إلى التوتر القائم داخل النظام السياسي الكوردي، تحدث التقرير الأميركي، أنه خفّ في الفترة الماضية، رغم ما يبدو مرتبطاً بموقف الاتحاد الوطني الكوردستاني من تأمين التفاهم حول منصب رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى تأييد الحزب للمرشح التركماني في كركوك، موضحاً أنه للوهلة الأولى قد تشير هذه التطورات إلى ضعف مؤسسي أو انقسام داخل الإقليم، إلا أن مثل هذه القراءة تخاطر بإساءة وصف الديناميات الأساسية.
التكيف مع الأزمات
وأوضح المعهد في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن ما يجري هو إعادة هيكلة صفقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، من خلال إضفاء الطابع الخارجي على المنافسة الكوردية في الساحات الاتحادية، وهو ما يعيد تشكيل كل من النفوذ الكوردي وحدود السلطة الاتحادية العراقية.
وتابع التقرير، قائلاً إنه بدلاً من الإشارة إلى التدهور الممنهج، فإن الاحتكاكات بين الحزبين تشير إلى توحيد غير مكتوب لكيان سياسي ناشئ، تمكن تاريخياً من التكيف مع الأزمات المتتالية مع الحفاظ على الاستمرارية المؤسسية.
ووصف إقليم كوردستان، بأنه أول كيان سياسي اتحادي يضفي الطابع المؤسسي على القضية الكوردية ضمن إطار حوكمة الدولة في الشرق الأوسط، لافتاً إلى أنه رغم البيئة الإقليمية المضطربة، أظهر الإقليم مرونة حُكم ملحوظة تشكلت من خلال قدرته على استيعاب الصدمات المتتالية.
وأضاف التقرير، أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لا يعملان كمنافسين انتخابيين فقط، وإنما أيضاً كمرتكزات تنظيمية رئيسية تُدار من خلالها عملية الوساطة في النظام السياسي الإقليمي، لافتاً إلى وجود نمط تاريخي من المرونة التكيفية، يساعد في تفسير ظهور الاحتكاكات السياسية الحالية بوصفها إعادة تشكيل، بدلاً من كونها انهياراً ممنهجاً.
وعلى سبيل المثال، وفي ما يتعلق بهذه المرونة، أكد التقرير، أنه في ظل استمرار بغداد في ممارسة النفوذ والقيود المالية على الإقليم، فإن حكومة الإقليم ضاعفت من توسيع نطاق الرقمنة والخدمات المصرفية الإلكترونية، بما في ذلك مبادرات مثل مشروع دفع الفواتير الإلكترونية الحكومية، إلى جانب الاستثمارات في البنية التحتية والنقل.
وبالإضافة إلى ذلك، تناول التقرير تقدم الإقليم في توفير الخدمات في القطاعات الرئيسية، خصوصاً من خلال مشروع "روناكي" للكهرباء، الذي انتقل في مرحلته الأولى نحو توفير إمدادات طاقة شبه مستمرة في عدة أجزاء من الإقليم.
وبحسب المعهد، فإن مشاريع حكومة الإقليم تستهدف تعزيز كوردستان ككيان سياسي وإداري أكثر تماسكاً، مع نفوذ تفاوضي أكبر ومتانة أعلى في مواجهة السلطات الاتحادية في بغداد، مضيفاً أن استخدام بغداد للأدوات المالية والمؤسسية لا يقتصر على تقييد الحكم الذاتي الكوردي، بل يشمل أيضاً إعادة هيكلة الحوافز التي تحكم المنافسة الكوردية الداخلية.
كما لفت إلى أن انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2024 أعادت إنتاج الديناميات السياسية المألوفة، عبر تقاسم المشهد بين الحزبين الرئيسيين، ذكر أن تشكيل الحكومة ظل معطلاً خلال الربع الأول من عام 2026، في ظل تقلبات إقليمية متزايدة، مضيفاً أنه "يبدو أن النخب الكوردية تعطي الأولوية للاستمرارية السياسية والاستقرار على حساب التجارب المؤسسية، خلال فترة من التوتر الإقليمي، بما في ذلك عدم اليقين المحيط بالديناميات (الأميركية – الإيرانية)، وتشكيل الحكومة المتنازع عليها في بغداد، وامتصاص الصدمات من خلال التكيف التفاوضي بدلاً من التغيير الهيكلي".
موقع أربيل
وذكر التقرير، أن إعادة الضبط الداخلية ظهرت إلى جانب توسيع مدى انخراط أربيل إقليمياً ودولياً.
وتناول، في هذا الإطار، دور أربيل كمحور رئيسي في جهود احتواء التصعيد السوري مؤخراً بين الحكومة والقوى الكوردية، وهو ما عزز مكانة الإقليم كنموذج اتحادي وظيفي ضمن نظام إقليمي مجزأ، ومرجعية محتملة قابلة للتطبيق للقضية الكوردية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، وفقاً للمعد الأميركي.
وأشار إلى متابعة كبار مسؤولي الإقليم للتفاهمات الثنائية مع القادة الأوروبيين والأميركيين، وتعزيز موقع الإقليم كشريك عملي وموثوق وسط الاضطرابات الإقليمية، بما في ذلك من خلال زيارة الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، إلى الفاتيكان ولقائه مع البابا، ومشاركة رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونيخ للأمن ومنتدى أنطاليا الدبلوماسي، وحضور رئيس الوزراء مسرور بارزاني مؤتمرات القمة الدولية في دافوس ودبي، ما عزز حضور الإقليم ككيان اتحادي، في وقت حافظ فيه العراق الاتحادي على صورة دولية أكثر محدودية.
واعتبر أن المسار الأخير للسياسة الكوردية لا يشير إلى ضعف منهجي، بل إلى إعادة تشكيل تحت ضغوط هيكلية، مضيفاً أن آليات التنسيق التقليدية تفسح المجال لاستراتيجيات أكثر تمايزاً في الانخراط مع بغداد، وهو تحول يحمل آثاراً كبيرة.
ووفقاً للتقرير، فإن هذا الوضع رغم أنه يسمح للجهات الفاعلة الفردية، وخصوصاً الاتحاد الوطني الكوردستاني، بالحفاظ على النفوذ عبر تحالفات متعددة الأطراف، فإنه يضعف في الوقت نفسه تماسك الموقف التفاوضي الكوردي على المستوى الاتحادي، مبيناً أن ذلك يعزز قدرة بغداد على تشكيل النتائج عبر النفوذ المالي والمؤسسي والسياسي، ما يؤدي إلى تضييق المساحة الفعلية للنظام الاتحادي في التطبيق العملي.
وأوضح أنه "لا ينبغي قراءة هذه الديناميات بوصفها دليلاً على الهشاشة النظامية، بل تعكس تطوراً تكيفياً لكيان سياسي ناشئ ترسخ تاريخياً عبر الأزمات وإعادة التوجيه"، مشيراً إلى أن النظام السياسي الكوردي يواصل إظهار مرونة، ليس عبر توحيد مؤسسي مكتوب، بل من خلال قدرته على امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم توازنه الداخلي.
وختم التقرير بالتأكيد على أن "ما يظهر ليس تآكل الصفقة الكوردية، بل تحولها إلى نموذج أكثر تنافسية بين النخب، مع تراجع الوساطة الخارجية وتزايد التمايز الاستراتيجي"، مضيفاً أن هذا التوازن المتطور ما يزال قادراً على الحفاظ على الاستقرار الأساسي داخل الإقليم، لكنه يفعل ذلك على حساب تراجع النفوذ الجماعي ودور أكثر تقييداً للنظام الاتحادي كإطار لتقاسم السلطة في العراق.