في سوريا.. "قرية بلا رجال" تثير الفضول والجدل (صور)
شفق نيوز- دمشق
وسط السهول الزراعية في ريف مدينة "الدرباسية" بمحافظة الحسكة السورية، تواصل قرية "جينوار" حضورها كواحدة من أكثر التجارب الاجتماعية إثارة للاهتمام في البلاد، بعدما تحولت منذ تأسيسها عام 2018 إلى نموذج غير مألوف يقوم على تولي النساء وإدارة شؤون الحياة اليومية بصورة جماعية، في تجربة جمعت بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
تأسيس القرية جاء في مرحلة شهدت فيها سوريا تحولات عميقة بفعل الحرب وما خلفته من خسائر بشرية واجتماعية، خصوصاً بين النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو معيلهن، أو وجدن أنفسهن في ظروف معيشية صعبة نتيجة النزوح والعنف وتفكك الروابط الاجتماعية.
وتضم القرية، عشرات المنازل المشيدة بمواد طبيعية، إلى جانب مرافق خدمية وتعليمية وصحية ومساحات زراعية، فيما تعتمد المقيمات فيها، على العمل الجماعي في الزراعة وتربية الحيوانات وبعض المشاريع الإنتاجية الصغيرة، بهدف تأمين مصادر دخل وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
استقرار أكثر
وفي هذا الصدد، تقول إحدى المقيمات بالقرية لوكالة شفق نيوز: "أنا من النساء المقيمات في جينوار منذ عدة سنوات. وجدت في القرية فرصة لبناء حياة أكثر استقراراً لي ولأطفالي بعد ظروف صعبة مررت بها، نعتمد هنا على العمل المشترك في الزراعة وبعض المشاريع الإنتاجية ونتعلم اللغة الكوردية، ما يساعدنا على تأمين جزء من احتياجاتنا اليومية".
وتضيف: "رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، نحاول الاستمرار وتطوير أعمالنا. بالنسبة لي، الأهم في هذه التجربة أنها منحتني شعوراً بالاستقلالية والثقة بالنفس، وأتمنى أن تبقى القرية مساحة تدعم النساء وتوفر لهن فرصة لبداية جديدة".
تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً
ويقول القائمون على المشروع، إن الهدف الأساسي يتمثل في توفير بيئة مستقرة وآمنة للنساء وأطفالهن، وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً من خلال المشاركة المباشرة في إدارة شؤون المجتمع المحلي والعمل والإنتاج والتعليم.
ورغم أن القرية حظيت باهتمام إعلامي ومنظمات دولية عديدة خلال السنوات الماضية بوصفها تجربة فريدة في المنطقة، فإنها بقيت في الوقت ذاته، محل نقاش بين مؤيدين يرون فيها نموذجاً لدعم النساء وتعزيز استقلاليتهن، فيما يعتبر بعض المنتقدين أن الحلول المستدامة لقضايا المرأة يجب أن تكون ضمن المجتمع ككل، وليس من خلال إنشاء مجتمعات منفصلة.
ومع التغيرات السياسية والإدارية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، تواجه القرية تحديات جديدة تتعلق بقدرتها على الحفاظ على نموذجها واستمرارية مشاريعها الاقتصادية والخدمية، في ظل أوضاع معيشية صعبة تعاني منها مختلف المناطق السورية.
ويرى متابعون للشأن الاجتماعي في شمال شرق سوريا، أن أهمية "جينوار" لا تكمن فقط في كونها تجمعاً سكنياً للنساء، بل في كونها تجربة تسلط الضوء على قضايا أوسع تتعلق بدور المرأة في المجتمع السوري، وإمكانية مشاركتها في إدارة المشاريع الاقتصادية والتنموية، ومدى قدرتها على تحقيق الاستقلال المالي في بيئة ما تزال تعاني من آثار سنوات طويلة من الصراع.