خاص.. معلمو غزة يسابقون الزمن لاستعادة حق الأطفال في التعليم (صور)
شفق نيوز- غزة
في خيام النزوح جنوب خان يونس، يحول المعلمون التعليم إلى أداة صمود للأطفال المحرومين من مدارسهم، في سعي لاستعادة حقهم في القراءة والكتابة وسط الدمار والنزوح.
ويقول المعلم عبدالسلام في حديثه لوكالة شفق نيوز، إن "الخيمة هنا ليست صفاً دراسياً، بل آخر حصوننا في وجه الجهل والإبادة"، مؤكدا بالقول: "إذا خسرنا التعليم، نكون قد خسرنا كل شيء".
ويضيف عبدالسلام وهو يشير إلى دفاتر مهترئة: "نعلّم الأطفال كيف يكتبون أسماءهم من جديد، لأن الحرب حاولت محو ذاكرتهم قبل كتبهم هنا، تتحول الخيمة إلى مساحة صمود، يرفض فيها المعلم وطلبته فكرة الانقطاع النهائي عن التعليم".
ولا تبدو المهمة سهلة؛ فالحرب دمّرت أو ألحقت أضراراً جسيمة بأكثر من 97% من مدارس قطاع غزة، في وقت يفتقد فيه المعلمون أبسط المقومات من كتب وقرطاسية ومقاعد، حيث يتلقى الأطفال دروسهم بين حر الصيف وبرد الشتاء، وغالباً ببطون خاوية وأجساد منهكة، إلا أن الإصرار على التعلم يظل أقوى من قسوة الواقع.
وخلف هذه المبادرات، يقف معلمون يعيشون واقع النزوح ذاته، إذ يغادرون خيام إيوائهم يومياً لتقديم الدروس رغم الظروف القاسية التي فرضها النزوح والحرب، فيما يقول المعلم معين شيخ العيد للوكالة، "نحن ندرّس ونحن نازحون، لكننا نؤمن أن وجودنا مع الأطفال يمنحهم سبباً للاستمرار".
ويواجه هؤلاء تحديات لوجستية قاسية، من انعدام الكتب المدرسية إلى ندرة القرطاسية، ما يضطرهم لاستخدام وسائل بدائية لإيصال المعلومة وتدوين الملاحظات.
ولا يقتصر التحدي داخل الخيام على الانقطاع الدراسي فحسب، بل يتعداه إلى مواجهة ظاهرة "الفقد التعليمي" الحاد، فقد بدأت تظهر مؤشرات واضحة على تراجع مهارات القراءة والكتابة الأساسية لدى الأطفال، نتيجة الصدمات النفسية والغياب الطويل عن مقاعد الدراسة.
فيما يؤكد عبد السلام، أن "بعض الأطفال نسوا الحروف، وبعضهم يخاف من مجرد سماع صوت مرتفع، فالتعليم هنا علاج بقدر ما هو معرفة".
في هذا السياق، تحولت مبادرات فردية إلى نماذج جماعية للصمود، فقد أطلق المعلم معين شيخ العيد مبادرته التعليمية من خيمة واحدة، قبل أن تتوسع تدريجياً لتشمل عشر خيام تضم نحو 800 طالب وطالبة.
ويضيف شيخ العيد، أن "المبادرة بدأت كمحاولة بسيطة لتقديم التعليم للأطفال الذين حُرموا منه، لكنها تحولت إلى مشروع يومي يستقبل أعداداً متزايدة من الطلاب".
مع مرور الوقت، أصبح المشروع يشمل تقديم دروس في المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والحساب واللغة الانكليزية، إضافة إلى أنشطة ترفيهية وتفريغ نفسي، تساعد الأطفال على مواجهة آثار الحرب والصدمات.
كما يركز المعلمون على إعادة بناء الروتين اليومي وتعليم الأطفال مهارات الانضباط في بيئة غير مستقرة، إذ يؤكد شيخ العيد: "بدأنا بإمكانيات شبه معدومة، و بأدوات بدائية، لكن إيماننا بأن التعليم حق لا يسقط بالحرب هو ما جعل المبادرة تكبر وتستمر"، مبينا أن "الأطفال كانوا الدافع الحقيقي، وغياب التعليم كان خطراً لا يقل عن القصف".
من جهته، يؤكد أحمد النجار، مدير عام العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم العالي، لوكالة شفق نيوز، أن "المشهد التعليمي في قطاع غزة يمر بأخطر مراحله التاريخية"، لافتا إلى أن "العملية التعليمية لا تزال غير منتظمة، وما نشهده اليوم هو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل حرب استهدفت الإنسان والبنية التعليمية معاً".
ويشير النجار إلى أن "أكثر من 637 ألف طالب وطالبة حُرموا من تعليم منتظم لأكثر من عامين، ما أدى إلى فقدان سنوات تعليمية كاملة، وتراجع حاد في مهارات القراءة والكتابة والحساب، إضافة إلى آثار نفسية عميقة تهدد مستقبل الأطفال".
كما أسفرت الحرب، بحسب النجار، عن "مقتل أكثر من 80 معلماً و160 أستاذاً جامعياً وأكاديمياً"، في خسارة وصفها النجار بأنها "نزيف خطير يهدد النسيج المجتمعي ومستقبل التعافي المعرفي والثقافي في غزة."
ويبين أن "الوزارة لجأت إلى إنشاء مدارس ميدانية داخل الخيام وفتح فصول مؤقتة في المباني المتاحة، إضافة إلى برامج تعليمية بديلة، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة".
ويكمل النجار بالقول: "ما نحتاجه ليس حلولاً إسعافية فقط، بل إعادة إعمار شاملة وبرنامجاً تعليمياً مستداماً يحفظ حق الأطفال".
ويشدد النجار على أن "حرمان أطفال غزة من حقهم في التعليم يمثل جريمة بحق الإنسانية وخرقاً صارخاً للاتفاقيات الدولية، مطالباً المجتمع الدولي بوقف استهداف المدنيين والبنية التعليمية، وفتح ممرات آمنة لإعادة إعمار المدارس، ودعم برامج تعليمية شاملة، وتوفير المستلزمات الأساسية من أثاث وقرطاسية ووسائل تعليمية.