أين يذهب الراتب؟.. "محرقة المصاريف" تمحو ثقافة الادخار من قاموس العراقيين

أين يذهب الراتب؟.. "محرقة المصاريف" تمحو ثقافة الادخار من قاموس العراقيين
2026-08-31T21:06:47+00:00

شفق نيوز- بغداد

ينتظر الموظف والمتقاعد العراقي الراتب الشهري كما ينتظر العطشان جرعة ماء، لكن ما إن يصل حتى تبدأ "محرقة" المصاريف: إيجار السكن، اشتراك المولدة الكهربائية والإنترنت، سلة الغذاء، متطلبات العائلة، أجور التنقل أو وقود السيارة، أقساط القروض المصرفية أو السلف المالية، التدريس الخصوصي ولوازم المدرسة، الاحتياجات المنزلية، تكاليف العلاج، ومصاريف عديدة أخرى مع مفاجآت لا تنتهي.

وفي الكثير من المنازل لا يكون السؤال في نهاية الشهر "كم ادخرت من الراتب؟"، بل "كيف سنكمل المتبقي من الشهر؟"، في إشارة إلى نافد الراتب أو تبقي مبلغاً قليلاً منه لا يمكن الاعتماد عليه.

هذه المعادلة تفتح باباً اقتصادياً أبعد من مجرد ارتفاع الأسعار، لتطرح سؤالاً أكثر أهمية: هل أصبح دخل العراقي مخصصاً بالكامل لتغطية الاحتياجات الضرورية، وأين اختفت مساحة الادخار والاستثمار؟.

مصاريف "تلتهم" الراتب

يروي المواطن أبو أحمد في حديث لوكالة شفق نيوز، معاناته مع الراتب "يخلص بمجرد استلامه"، موضحاً أنه يقسم الراتب مباشرة على الالتزامات والاحتياجات الضرورية، من الإيجار والفواتير إلى الغذاء والنقل.

ويضيف أن ما يتبقى من الراتب لا يكفي للادخار، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الاحتياجات الشهرية، مبيناً أن "أي مصروف طارئ قد يربك ميزانية الأسرة".

من جانبه، يقول المواطن حسن هادي إن "تأخر صرف الرواتب كل شهر يولد ضغطاً إضافياً على الأسر، خصوصاً مع استمرار الالتزامات وعدم تأجيلها"، مبيناً أن "مصاريف المدارس والملابس والمولدات الأهلية، إلى جانب الغذاء والنقل، تستنزف جزءاً كبيراً من الدخل".

ويبين في حديث لوكالة شفق نيوز أن "تعدد هذه النفقات يجعل الأسرة تعيد ترتيب مصاريفها بشكل مستمر، فيما يصبح الادخار أمراً صعباً"، لافتاً إلى أن "أي تأخير في الراتب يضاعف الضغوط المالية ويجعل تلبية الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة".

الادخار بين 12 و15%

 المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح يقول في حديث لوكالة شفق نيوز إن "الادخار الوطني الإجمالي في العراق يتراوح، في المتوسط، بين 12% و15% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تفاوت النسبة من عام إلى آخر تبعاً لأسعار النفط والدخل ومستويات الاستهلاك والاستثمار".

ويوضح أن "جزءاً من المدخرات والسيولة يبقى خارج الجهاز المصرفي، أما الأموال الموجودة خارج المصارف فلا تمثل بالضرورة مدخرات نقدية بالكامل، إذ تشمل أيضاً أموالاً مخصصة للمعاملات اليومية والنشاط الاقتصادي".

ويشير إلى أن "زيادة حصة المدخرات التي تمر عبر الجهاز المصرفي تعزز قدرة المصارف على تعبئة الموارد المحلية وتوجيهها نحو الإقراض والاستثمار، مع أهمية تطوير الخدمات المصرفية وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية وتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني".

ارتفاع الاستهلاك

ويرى الخبير الاقتصادي هلال الطعان أن "ضعف الادخار يمثل مؤشراً اقتصادياً مهماً"، مشيراً إلى أن "نسبة الأفراد الذين يدخرون أموالهم في العراق بلغت نحو 9.7% في عام 2024، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالمتوسط العالمي".

ويعزو الطعان في حديث لوكالة شفق نيوز ذلك إلى عدة عوامل، "أبرزها انخفاض مستويات الدخول وارتفاع الاستهلاك، خصوصاً الإنفاق على الغذاء والسكن، فضلاً عن ضعف الثقة بالقطاع المصرفي وارتفاع تكاليف المعيشة".

ويوضح أن "المشكلة لا تتعلق بحجم الراتب فقط، إذ إن ارتفاع الأسعار يلتهم جزءاً متزايداً من دخل الأسرة، فيما يؤدي الاعتماد الكبير على الوظيفة الحكومية وضعف تنوع مصادر الدخل إلى تقليص القدرة على تكوين المدخرات".

ويؤكد الطعان أن "تعزيز الادخار يحتاج إلى تحسين مستويات الدخول وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، بما يمنح الأسر مساحة أكبر للاحتفاظ بجزء من دخولها بدلاً من توجيهه بالكامل نحو الاستهلاك".

100 تريليونات دينار خارج المصارف

وتكشف بيانات البنك المركزي العراقي حجم الاعتماد الكبير على النقد في الاقتصاد، إذ بلغ إجمالي العملة المصدرة 111.189 تريليون دينار في نهاية حزيران/ يونيو 2026.

وبلغ صافي العملة خارج المصارف 101.966 تريليون دينار، مقابل 9.223 تريليون دينار موجودة لدى المصارف، ما يعني أن نحو 91.7% من إجمالي العملة المصدرة كانت خارج الجهاز المصرفي.

ولا يعني هذا الرقم أن كامل الأموال الموجودة خارج المصارف تمثل مدخرات لدى الأسر، إذ تشمل هذه السيولة الأموال المستخدمة في المشتريات والتجارة وتسوية المعاملات اليومية، لكنه يعكس في الوقت نفسه حجم الاعتماد الواسع على التعاملات النقدية المباشرة بدلًا من القنوات المصرفية.

الودائع تتراجع

وتشير بيانات القطاع المصرفي إلى أن إجمالي الودائع في المصارف العاملة انخفض من 133.50 تريليون دينار في 2023 ليصل إلى 122.88 تريليون دينار في 2024، بتراجع بلغ نحو 10.6 تريليون دينار.

وفي المقابل، ارتفع الائتمان المصرفي من 95.66 تريليون دينار إلى 102.24 تريليون دينار خلال الفترة نفسها، ما يعكس أهمية تعزيز قدرة المصارف على جذب المدخرات وتوفير مصادر تمويل أكبر للنشاط الاقتصادي.

التضخم يأكل القوة الشرائية

ويشير الأكاديمي في جامعة ذي قار، نجم عبد طارش، إلى أن "جزءاً كبيراً من الرواتب يذهب إلى تغطية الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الإيجار والتعليم والصحة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم التي أدت إلى تآكل القيمة الحقيقية للدينار".

ويوضح في حديث لوكالة شفق نيوز أن "للدينار قيمة نقدية وقيمة حقيقية، قيمته النقدية قد تبقى ثابتة، لكن قدرته على شراء السلع والخدمات تتراجع مع ارتفاع التضخم".

ويضيف أن "التضخم المرتفع وغير المسيطر عليه يؤدي إلى تآكل المدخرات، بالتزامن مع زيادة متطلبات المواطنين، الأمر الذي ينعكس على مستويات الادخار والاستثمار".

ضعف الادخار يضغط على المصارف

بدوره يقول الخبير الاقتصادي، ضرغام محمد علي، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "ضعف الادخار يؤدي إلى تراجع التعامل مع المصارف، ما ينعكس على مستوى الشمول المالي ويحد من قدرة المصارف على الإقراض ودعم النشاط الاقتصادي والتنمية".

ويؤكد على أن "معالجة هذه التحديات تتطلب دعم تجربة الدفع الإلكتروني وتوسيع استخدامها، خصوصاً في عمليات الاستهلاك الصغيرة، إلى جانب زيادة نقاط البيع وأجهزة الإيداع والسحب في مختلف الأنشطة التجارية، بما يشمل محلات التجزئة ووسائل النقل العام والخاص".

وتشير هذه المعطيات إلى أن معركة العراقي مع الراتب لا تنتهي عند ارتفاع الأسعار أو تعدد الالتزامات، بل تمتد إلى هيكل الاقتصاد نفسه؛ فحين يذهب الجزء الأكبر من الدخل إلى الاستهلاك والاحتياجات الأساسية، تتقلص قدرة الأسر على تكوين مدخرات، بينما تبقى نسبة كبيرة من السيولة خارج الجهاز المصرفي.

وبينما تجاوزت العملة خارج المصارف 100 تريليون دينار، يبقى التحدي أمام القطاع المصرفي هو تحويل جزء أكبر من هذه السيولة من أموال مخصصة للتداول اليومي إلى مدخرات وودائع وتمويل استثماري، بما يساعد على تحريك الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد المفرط على النقد والنشاط الاستهلاكي.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon