الشورجة و"جميلة" تغلق محالها.. رفع سعر الدولار يضرب قلب العراق الاقتصادي
سوق الشورجة في العاصمة العراقية بغداد/ وكالة شفق نيوز
شفق نيوز- بغداد
أغلقت مخازن التجار والمحال في سوق الشورجة، و"علوة جميلة"، وعدداً من شركات الصيرفة والتحويلات المالية، أبوابها، يوم الأربعاء، على خلفية قيام البنك المركزي العراقي برفع سعر الصرف الرسمي الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي من 1320 ديناراً للدولار الواحد إلى 1520 دينار.
ويعد سوق الشورجة وسط العاصمة بغداد المركز الاقتصادي الأكبر والأهم لمختلف السلع والبضائع الغذائية والمنزلية والملابس والسكائر وغيرها من المتطلبات الضرورية اليومية لحياة المواطنين لبغداد والمحافظات، كما تعتبر "علوة جميلة" المصدر الأساسي للمواد الغذائية الجافة والزراعية وهي الممول الرئيسي لها للعاصمة والمحافظات المجاورة.
وأفاد مراسلو وكالة شفق نيوز بأن كبار التجار وصغارهم أيضاً اضطروا إلى غلق أبوابهم صباح اليوم في الشورجة وجميلة بعد أن فاجئهم البنك المركزي برفع سعر الدولار، ما تركهم في حيرة في كيفية احتساب سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي.
ويعتمد التجار العراقيين في عمليات البيع والشراء على عملية حسابية تتمثل بقيمة الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي الذي به يستوردون بضائعهم وتحويلاتهم المالية.
وأشار مراسلونا إلى أن قرار البنك المركزي أربك التجار والأسواق واضطرهم إلى وقف تعاملاتهم المالية إلى حين استقرار الأوضاع والتثبت مما إذا كان السعر الجديد للدولار سيستمر اعتمادهم أم سيكون هناك تراجع عنه خلال الأيام المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن الكثير من كبار التجار لديهم بضائع بمليارات الدنانير مخزنة في مخازنهم وسبق أن استوردوها قبل تغير سعر صرف الدولار اليوم، وهم سيستغلون هذا التغيير لرفع أسعار بضائعهم، بحسب ما أكد عدد من التجار الصغار وأصحاب المحال التجارية الذين التقى بهم مراسلونا.
وصباح اليوم الأربعاء، أصدر البنك المركزي العراقي تعميماً تضمن تحديد سعر صرف الدولار بـ1500 دينار للدولار الواحد كسعر شراء من وزارة المالية، و1510 دنانير للدولار كسعر البيع للمصارف، و1520 ديناراً للدولار كسعر البيع من المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية للمستفيد النهائي.
وذلك بناء على قرار مجلس الوزراء العراقي في جلسته الاعتيادية المنعقدة أمس الثلاثاء، بتعديل سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الدينار، بناءً على توصية طارئة قدمها وزير المالية ومحافظ البنك المركزي.
وبهذا يكون البنك المركزي قد رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار للجمهور بمقدار 20 ألف دينار لكل 100 دولار، بعدما كان يعتمد سعر بيع قدره 1320 ديناراً للدولار الواحد (132 ألف دينار لكل 100 دولار).
وعلى خلفية هذا القرار سجلت أسعار الذهب العراقي والأجنبي ارتفاعاً كبيراً في الأسواق المحلية بالعاصمة بغداد، وفي أربيل عاصمة إقليم كوردستان.
وامتدت تداعيات القرار إلى قطاع العقارات، حيث أكد الخبير في مجال العقارات بمدينة أربيل، سردار آزاد، أن الارتفاع الأخير في أسعار صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار العراقي أدى إلى حالة من التجميد في سوق العقارات، متوقعاً أن يتبعه ارتفاع في أسعار الوحدات السكنية الاستثمارية.
وقال آزاد لوكالة شفق نيوز، إن "الارتفاع المفاجئ لسعر صرف الدولار وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها الأسواق، أثرا بشكل مباشر على القطاع؛ إذ أديا بدايةً إلى توقف تام في حركة البيع والشراء، وسيؤديان لاحقاً إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية التي تُنشئها الشركات الاستثمارية".
وأوضح أنه "في اليوم الأول لارتفاع سعر الصرف، لم تُسجل أي عملية تداول أو معاملة عقارية في مدينة أربيل، نظراً لضبابية المشهد وعدم اتضاح الرؤية للمواطنين والمتداولين في السوق".
وأضاف أزاد أن "الارتفاع المرتقب في أسعار الوحدات السكنية قيد الإنشاء يعود إلى سببين رئيسين؛ الأول هو أن جميع المواد والمستلزمات الإنشائية المستخدمة في بناء المشاريع تُعرض وتُباع بالدولار الأمريكي مما رفع من تكاليفها، أما السبب الثاني فيعود إلى أن الوحدات المباعة بنظام الأقساط أصبحت تترتب عليها تكاليف إضافية، مما ينعكس مباشرة على السعر النهائي".
بدوره طالب اتحاد المقاولين العراقيين، رئيس الوزراء علي الزيدي بالتريث في تطبيق قرار سعر صرف الدولار مقابل الدينار، محذراً من تداعياته المالية على عقود ومشاريع القطاع الحكومي.
وقال الاتحاد، في كتاب موجه إلى رئيس الوزراء، ورد لوكالة شفق نيوز، إن شركات المقاولات ما تزال تتحمل آثار التعديل السابق لسعر الصرف بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (301) لسنة 2021، فيما لم تُصرف حتى الآن المستحقات المالية المترتبة عن ذلك التعديل.
وأشار إلى أن تداعيات قرار رفع سعر الصرف لا تقتصر على العقود القائمة، بل تشمل أيضاً العقود التي لا تزال في مراحل الدراسة أو الإحالة ولم تدخل حيز التعاقد، ما قد يؤدي إلى إبرام عقود لا تتناسب مع الكلف الفعلية للتنفيذ.
كما حذر خبراء اقتصاديون من تداعيات القرار، حيث قال الخبير الاقتصادي محمد الحسني، لوكالة شفق نيوز، إن هذه القرارات "تضر جميع شرائح الشعب"، مبيناً أن الموظف يخسر، وفق تقديره، 30% من قيمة راتبه، فيما ترتفع خسارة المواطن في القدرة على شراء المواد إلى أكثر من 70% بسبب التعرفة الكمركية وتكاليف النقل.
وبالتالي، فأن المواطن يخسر، وفق تقدير الحسني، نحو 50% من دخله شهرياً، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل استقطاعاً من دخول المواطنين، ومحذراً من تداعياتها على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
من جانبه، حذر الخبير الاقتصادي علي دعدعوش، عبر حديثه لوكالة شفق نيوز، من ارتفاع سعر الصرف في السوق، قائلاً إن السعر "بدأ حالياً بالارتفاع"، ومعتقداً أن الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية سيزداد.
وأضاف دعدعوش أن القرار سيؤثر في السوق المحلية، متوقعاً "تضخماً جامحاً وكبيراً" وارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية، داعياً الحكومة إلى اتخاذ قرارات للحد من ارتفاع الأسعار، ومنها تقليل الرسوم الجمركية، بهدف تحقيق التوازن ومنع ارتفاع الأسعار في السوق المحلية.
في السياق، توقع أحد التجار، تحدث لوكالة شفق نيوز، أن يرتفع سعر الدولار في السوق الموازية إلى ما بين 190 و200 ألف دينار لكل 100 دولار، عازياً ذلك إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية، ولا سيما من أشخاص لديهم التزامات مجبرة على السداد.
وقال التاجر الذي لم يشأ ذكر اسمه، إن الحكومة، عندما تتخذ قراراً برفع سعر الدولار الرسمي، عليها أن تتحمل أيضاً مسؤولية السيطرة على السوق الموازية، مبيناً أن القرار لا يتوقف عند سعر الصرف على الورق، بل ينعكس مباشرة على الأسعار ومعيشة المواطن.
وفي السياق،
حذر مرصد "إيكو عراق" الاقتصادي، في بيان ورد لوكالة شفق نيوز من اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وما يترتب عليه من زيادة تكاليف الاستيراد وتراجع القوة الشرائية وانعكاس ذلك على أسعار السلع والخدمات، داعيًا إلى ضبط المضاربات وتعزيز تدفق العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية.
بدورها حذرت غرفة تجارة بغداد في بيان ورد لوكالة شفق نيوز، في بيان رسمي، من أن أي تغيير في سعر الصرف يمثل "عاملاً مؤثراً" بصورة مباشرة في كلف الاستيراد وأسعار السلع والخدمات، ولاسيما أن شريحة واسعة من التجار ترتبط بالتزامات مالية وعقود تجارية مع شركات وموردين خارج العراق، مؤكداً أن الأمر يتطلب توفير بيئة مستقرة وواضحة تمكن القطاع الخاص من التخطيط واتخاذ قراراته على أسس اقتصادية سليمة.
وأضاف الحمداني، أن المرحلة الحالية تتطلب دراسة الآثار المترتبة على القرار بصورة شاملة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أوضاع الأسواق المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن الالتزامات المترتبة على التجار والمستوردين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وعلى إثر ذلك، تحركت أوساط نيابية لعقد جلسة طارئة لبحث قرار رفع سعر صرف الدولار وإلزام الحكومة بالتراجع عنه، وسط تحذيرات من تداعيات القرار على المواطن والسوق العراقي.
وقالت عضو مجلس النواب ابتسام الهلالي، في تصريح ورد لوكالة شفق نيوز، إنها ترفض قرار مجلس الوزراء تغيير ورفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، مشيرة إلى أن القرار ستكون له تداعيات وتأثير مباشر على الاقتصاد والسوق العراقي.
وأضافت الهلالي أن الحكومة، إذا كانت تريد معالجة الأزمة المالية، كان يفترض أن يكون سعر الصرف عند 1400 دينار للدولار الواحد أو أقل، للسيطرة على السوق والحد من تأثيره على أسعار المواد الغذائية، بما ينعكس بشكل مباشر على المواطنين.
من جانبها، قالت النائبة سوزان السعد لوكالة شفق نيوز، إنها تقدمت برفقة عدد من النواب، بطلب "عاجل" إلى رئاسة مجلس النواب لمناقشة قرار رفع سعر صرف الدولار.
وطالبت السعد، بتخصيص جلسة مجلس النواب اليوم الأربعاء، لمناقشة القرار وتداعياته الاقتصادية، ولا سيما تأثيره على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الأسواق والأسعار، مؤكدة ضرورة الوقوف على حيثيات القرار وانعكاساته على الوضع المعيشي والاقتصادي في البلاد.