"ياقوت" جبال زاگروس.. "البلالوك" كنز دفين في قلب صخور كرمانشاه
شفق نيوز- ترجمة خاصة
يعدّ "البلالوك" أو الكرز الهندي (الكرز البري) الياقوت الأحمر لصخور جبال زاگروس، والذي يمثّل إلى جانب خواصه الدوائية والعلاجية الفريدة، فرصة ذهبية لتنمية الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل في المناطق الريفية.
وبحسب تقرير لوكالة "مهر" الإيرانية ترجمته وكالة شفق نيوز، فإنه على امتداد الصخور الصلبة وبين ثنايا غابات البلوط والبطم (الحبة الخضراء) الكثيفة في سفوج جبال زاگروس بمحافظة كرمانشاه، يكمن موطن بكر لواحد من أثرى هدايا الطبيعة. إنها شجيرة برية مقاومة يعرفها السكان المحليون بأسماء محببة مثل "بلالوك" أو "برالو".
وتعرف هذه السلالة النباتية في النصوص الرسمية باسم "الكرز البري"، وهي ليست مجرد ثمرة غابية بسيطة، بل هي رمز لصمود طبيعة الجبال وجزء لا يتجزأ من هوية وثقافة والطب الشعبي لأهالي غرب البلاد.
تنمو حبات "البلالوك" الصغيرة واللامعة كالياقوت في ظروف قاسية وتربة صخرية ضئيلة العمق، متضمنة جوهر الحيوية والانتشاش الجبلي. وإلى جانب قيمتها البيئية الفريدة ودورها الهام في الحفاظ على التنوع البيولوجي في زاگروس، تتمتع هذه النبتة بإمكانيات اقتصادية وغذائية هائلة ومخبأة.
وفي عصر يتزايد فيه الاهتمام العالمي بالنباتات الطبية والمنتجات العضوية، يمكن لـ"البلالوك" -عبر تخطيط مدروس- أن يتحول من مجرد ثمرة جبلية برية إلى محصول إستراتيجي يعزز اقتصاد المجتمعات المحلية.
ورغم ذلك، فإن استدامة هذا المخزون الجيني الثمين مرهونة بالتعرف الدقيق عليه، والاستغلال المنظم، وحماية مواطنه الطبيعية. إن دمج المعارف المحلية للموروث الشعبي مع الاكتشافات العلمية الحديثة لن يماط اللثام عن الخواص الدوائية المذهلة لهذا النبات فحسب، بل سيمهد الطريق أيضا للتنمية المستدامة، وتوفير فرص العمل الريفية، ومنع انقراض هذه السلالة الأصيلة في كرمانشاه.
الشجيرة الشافية
وأوضح رئيس شؤون المراعي بالمجلس العام للموارد الطبيعية وإدارة المساقط المائية في محافظة كرمانشاه، بهزاد رستمي، الخصائص النباتية لهذه السلالة المحلية قائلاً: "البلالوك أو الكرز البري المعروف علمياً باسم (Prunus incana)، هو شجيرة لا يتجاوز ارتفاعها مترين في أقصى الحالات. يفضل هذا النبات النمو في المناطق الحصوية والصخرية من زاگروس ذات التربة قليلة العمق، والملفت أنه يتخذ أحيانا من أشجار البلوط والبطم الضخمة في الغابات الكثيفة دعامة لنموه وارتقائه".
وأضاف: "تتفتح براعم هذه الشجيرة في أواخر الربيع بلون أبيض وعطر شجي يشبه اللوز المر. أما ثمارها التي يبلغ قطرها خمسة مليمترات فتمر بمرحلة تحول جذابة؛ إذ تتغير من اللون الأخضر والمذاق الحامض أول الأمر، لتتحول في فصل الصيف إلى اللون الأصفر ثم الأحمر، وأخيراً إلى الأسود بطعم حلو ومستطاب".
تهديدات القطف الجائر
وأشار رئيس شؤون المراعي في كرمانشاه إلى مكانة "البلالوك" في الطب التقليدي، مبيناً: "وفق المعارف المحلية، يصنّف طبع هذه الثمرة بأنه بارد ويابس. ويستخدم مغلي الثمار والأوراق وحتى أغصان هذا النبات بشكل واسع كمسكن قوي لآلام المفاصل، وآلام الظهر، وتحسين وظائف الرئتين. كما أن وجود مركبات مثل الفلافونويد والتانينات في قشورها وأخشابها يمنح مشروباتها خواص مضادة للتقلصات ومهدئة، بل إن نوى هذه الثمار يعصر لاستخراج زيت يتمتع بخصائص علاجية استثنائية".
وحذر رستمي من المخاطر التي تهدد هذا النوع الثمين، قائلا: "الموطن الرئيسي للبلالوك هو المناطق الجبلية البكر، بما في ذلك مرتفعات أورامانات. وبما أن هذه الشجيرة تنمو بريا وتجددها في الطبيعة يتطلب وقتا طويلا، فإن القطاف غير الرسمي والجائر قد يهدد أعداد هذا النوع بشكل جدي، وتتطلب حمايتها اهتماما خاصا من المجتمعات المحلية".
بنك جيني ثمين لمقاومة النباتات
من جانبه، أكد المعاون الفني للمجلس العام للموارد الطبيعية وإدارة المساقط المائية بمحافظة كرمانشاه، هوشنغ زنكنه، على الأهمية البيئية للكرز البري قائلا: "تنتمي هذه السلالة إلى الفصيلة الوردية، وتحتاج لنموها الأمثل إلى برودة الشتاء، وأشعة الشمس الكاملة، وتربة جيدة التصريف. ويتراوح العمر الإنتاجي لهذه الشجيرة نفضية الأوراق بين 25 و35 عاماً، وتنتشر عادة على حفاف الغابات والمواطن الجبلية شبه المفتوحة بالمحافظة".
وأضاف: "لا تقتصر أهمية البلالوك على خواصه العلاجية فحسب؛ بل إن هذه السلالات البرية تمثل بنكاً وخزاناً جينياً غنياً لتطوير النباتات بفضل قدرتها العالية على التكيف مع الإجهادات البيئية كالحديث والجفاف والبرد الآفات. كما تعد الطبقة الزغبية على أوراقها ميكانيكية طبيعية للحد من النتح ومواجهة أشعة الشمس القوية في المرتفعات".
"معجزة طبيعية"
وأشار المعاون الفني للموارد الطبيعية بكرمانشاه إلى الوصفات العلاجية المدونة لهذا النبات بين السكان المحليين، موضحاً أن "مزيج ثمار البلالوك ونواتها المطحونة مع السمن الحيواني يشكل معجوناً فريداً لعلاج قرحة المعدة، ومشاكل الأمعاء، والإمساك المزمن. كما أن طحن هذه الثمرة مع الزعتر الجبلي وغليها يساعد في علاج اضطرابات وسواس وتقوية الذاكرة".
واختتم زنكنه تصريحه بالإشارة إلى استعانة أخرى مذهلة بهذا النبات: "من الاستخدامات المدهشة لهذا النبات أيضا خلط مغليّه مع زهور البابونج والسنجد (الزيتون الروسي)، والذي يعتبر دواء قويا لإزالة التهابات وعفونة الكلى ومشاكل المثانة؛ وكل هذه الخواص تظهر مدى الأهمية والمكانة الخاصة التي يمكن أن يحتلها مشروب البلالوك في السلة الصحية للأسر".
إن التنوع البيولوجي في زاگروس والكنوز مثل "البلالوك" هي هبة إلهية لمحافظة كرمانشاه، يمكن أن تؤسس لاقتصاد أخضر ومستدام في المنطقة. ونظراً للخصائص الدوائية والغذائية المثبتة لهذه الشجيرة، فقد حان الوقت لتقوم الجهات المعنية كوزارة الزراعة ومراكز أبحاث الموارد الطبيعية باتخاذ خطوات عملية ومحددة لنقل هذه السلالة البرية إلى مرحلة "الاستئناس" و"الزراعة المحمية أو الحقليّة".
إن إنشاء ورش معالجة المحلية، وتصنيع المشروبات المعيارية، والاستخلاص العلمي للزيوت من النوى، يعد مطلباً ملحاً لن يمنع بيع المواد الخام وانقراض هذا النوع في الطبيعة فحسب، بل سيفتح آفاقاً واسعة من الأمل، وتوفير فرص العمل، والتمكين الاقتصادي لسكان القرى والمراعي في كرمانشاه، وفقاً للتقرير.