في أي وجهات سيشهد قطاع السياحة أسرع نمو هذا العام؟
مع انتعاش السفر العالمي، يحدث النمو الأسرع لقطاع السياحة خارج نطاق الدول السياحية الكبرى المعتادة، من إثيوبيا إلى بوتان.
وقد سافر أكثر من 1.5 مليار سائح دولي إلى الخارج في عام 2025، ما يمهد الطريق إلى تحقيق رقم قياسي في عائدات السياحة في عام 2026.
فوفقاً لأحدث مقياس للسياحة العالمية، الذي نشرته هيئة السياحة التابعة للأمم المتحدة، نما عدد الوافدين الدوليين بنسبة أربعة في المئة على مستوى العالم، وبدأ في مطابقة متوسط النمو قبل وباء كورونا، الذي بلغ حوالي خمسة في المئة سنوياً بين عامي 2009 و2019.
بينما ظلت أوروبا المنطقة الأكثر زيارةً في العالم، حيث استقبلت ما يقارب 800 مليون زائر وسجلت نمواً قوياً بنسبة ستة في المئة.
فقد شهدت البرازيل ارتفاعاً في عدد الزوار بنسبة 37 بالمئة، ومصر بنسبة 20 في المئة، وإثيوبيا بنسبة 15 في المئة، وبوتان بنسبة 30 في المئة. حتى جزر سيشل، وهي أرخبيل صغير قبالة سواحل شرق أفريقيا، سجلت زيادة بنسبة 13 في المئة.
وقال ستيفن فيجور، الرئيس التنفيذي لشركة استشارات السفر "ريفوجريت" إن "هذه البلدان تندرج ضمن فئة الدول التي تحتل مكانة بارزة والدول التي لديها وجهات سياحية ناشئة والدول التي ليس لديها مكانة ولكن لم يستهلكها السائحون بعد".
ويضيف ستيفن فيجور: "ينجذب المزيد من المسافرين الآن إلى الثقافات المميزة والمناظر الطبيعية وإمكانيات اكتشاف أماكن جديدة، لذا فإن البلدان التي تتمتع بهوية قوية ومن السهل الوصول إليها، هي التي تربح بالفعل في جذب السائحين".
ولفهم السبب وراء هذا التحول، وكيف يدير القائمون على الوجهات تدفق السائحين، في ظل أعداد السائحين الهائلة، تحدثنا مع سلطات السياحة ومشغلي الصناعة في العديد من البلدان الأسرع نمواً.
مصر
ومع قفزة بنسبة 20 في المئة في عدد السائحين الوافدين من الخارج خلال عام 2025، برزت مصر كواحدة من أقوى الدول أداءً في الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي شهدت بعضاًَ من أسرع نمو سياحي في العالم بعد الوباء.
ووفقاً لمنظمي الرحلات السياحية، كان الدافع الأكبر هو افتتاح المتحف المصري الكبير الذي طال انتظاره بالقرب من أهرامات الجيزة.
وقال خورخي سالاس جيفارا، مؤسس شركة "نيو باثيز أكسبيديشن" :"لقد استغرق الأمر أكثر من 20 عاماً وتم الإعلان عنه عدة مرات قبل أن يتم افتتاحه أخيراً وبشكل حقيقي".
ويشير إلى أن المسافرين الذين وثقوا بهذه الإعلانات السابقة وزاروا مصر، لسنوات عديدة، عادوا إلى هناك وهم يشعرون أنهم فاتتهم واحدة من أهم معالمها المتوقعة. واختار آخرون الانتظار حتى يتم افتتاح المتحف في موعده المؤكد.
وقال "اليوم نرى المجموعتين تعملان في نفس الوقت".
وقد شهد جوني برينس، الرئيس التنفيذي لشركة "تمبكتو ترافل" السياحية، التحول الذي انعكس في بيانات الحجز، أي زيادة بنسبة 50 في المئة تقريباً في الاستفسارات من عام 2024 إلى عام 2025.
ويشير إلى أن التحسن الملحوظ في السلامة شجع المزيد من الأسر التي لديها أطفال صغار على السفر، إلى جانب ارتفاع عدد المسافرات النساء.
ويتزايد الاهتمام أيضاً قبل كسوف الشمس الذي يمكن رؤيته من مصر في عام 2027.
ولإدارة أعداد الزائرين، يشجع مشغلو الشركات السياحية بشكل متزايد التجارب الأبطأ والأكثر تنظيماً.
يوصي سالاس جيفارا باستخدام "دهبيات" صغيرة (مراكب شراعية خشبية تقليدية) على نهر النيل بدلاً من السفن السياحية الكبيرة، مما يسمح بالوصول إلى المعابد الأكثر هدوءاً وبخطوات أكثر استرخاءً.
كما أن التحول نحو السفر الأبطأ، يخلق مساحة لطرق جديدة لتجربة البلاد.
إذ أطلقت شركة "بوت باسك توزر" ، التي تقدم جولات في جميع أنحاء أوروبا منذ ما يقرب من 50 عاماً، أول خط سير لها في مصر والنيل هذا العام، وهو الأول من نوعه في البلاد.
ويسلك الجائلون طرقاً "أقل نشاطاً" عبر القرى وبساتين النخيل، وينضم إليهم علماء المصريات.
وقال لورنس وينكل، الرئيس التنفيذي للشركة: "إن السفر النشط يزدهر في الوقت الحالي، والسفر بالدراجة أمر جديد تماماً في مصر".
وأضاف: "ما زلنا نزور المعابد والآثار والأهرامات في القاهرة، ولكننا نصل إلى هناك بوتيرة تتيح لنا استيعاب كل شيء على أكمل وجه".
البرازيل
ولم تسجل أي وجهة زيادة أكبر على أساس سنوي أكثر من البرازيل، التي سجلت ارتفاعاً بنسبة 37 في المئة في عدد الوافدين الدوليين في عام 2025.
وكان جزء كبير من هذا النمو مدفوعاً بسياسة متعمدة.
ففي عام 2024، أطلقت الوكالة البرازيلية لترويج السياحة الدولية، "إمبراتور"، التي تدير برنامج "فيزيت برازيل"، برنامجاً لجذب رحلات جوية دولية جديدة من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص مع شركات الطيران والمطارات، ودعم الترويج لطرق جديدة.
وقال مارسيلو فريكسو، رئيس شركة "إمبراتور": "إن تحقيق أهداف النمو للسياحة الدولية في البرازيل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاتصال الجوي".
وأضاف: "لا فائدة من الاهتمام الدولي المتزايد بالتعرف على البرازيل، إذا لم تكن هناك رحلات جوية مباشرة أو اتصالات قصيرة بسعر تنافسي".
ويُرجع أيضاً ماركو أمارال، نائب رئيس العمليات والتطوير في فنادق ماينور، الفضل إلى التحول في كيفية يُنظر إلى البلد عالمياً.
فقد ساعدت الأحداث الكبرى، بما في ذلك الألعاب الأولمبية في ريو، وكأس العالم لكرة القدم، وسباق الجائزة الكبرى في ساو باولو العام الماضي، وكأس العالم للسيدات المقبلة في عام 2027، في رفع مستوى الوعي، في حين برزت ساو باولو كمركز عالمي للثقافة والموسيقى وتناول الطعام.
كما يساعد أيضاً الملف الشخصي الذين يزورون بلد في تغيير النظرة التي يُنظر إليها عالمياً.
وقال أمارالك "الآن بعد أن أصبحت الصحة والوقت والطبيعة والأوقات ضمن الأولويات القصوى للجميع، تشهد البرازيل وصول نوع جديد من السائحين: السائح الذي يعي الرفاهية ويسعى إليها.
ويسافر المسؤولون التنفيذيون لعائلاتهم ويمددون إقامتهم، كما أنه هناك ارتفاع في أعداد السائحين الذي يسعون إلى التواصل مع المجتمعات المحلية.
وقد أدى سعر الصرف التنافسي إلى وضع البلاد، كوجهة سياحية، في مكانة أعلى.
ففي حين أن البلاد على دراية بأعداد السياح الهائلة، إلا أنها تواجه أيضاً عقبات محددة.
وقال أمارال إن "القضايا المتعلقة بأعداد السائحين الهائلة، ليست مثل تلك الموجودة في أوروبا".
إذ تتمتع البلاد بأكثر من 9,000 كيلومتر من السواحل، بالإضافة إلى مساحات داخلية شاسعة، لذا فإن التحدي الأساسي هو تنويع الوجهات السياحة بعيداً عن المراكز الرئيسية مثل ريو دي جانيرو وساو باولو.
وقالت جيزيل أبراهاو، المؤسسة والرئيسة التنفيذي لشركة "جلوبال فيجين أكسس"، ومبادرة "برازيل دي أن أيه": " كوننا متأخرين كان في صالحنا".
وأضافت: "هناك نهج أكثر تجزئةً وأكثر دراسةً وتأهيلاً، داخل الصناعة، يركز على الترويج للوجهات والتسويق لها وكذلك التجارب والتسويق لها بوعي أكبر.
وقد بدأت الوجهات المعرضة لخطر السياحة المفرطة في اتخاذ إجراءات بالفعل، مع إعطاء الأولوية لمشاركة أكثر جدوى وإيجابية مع المجتمعات المحلية".
ولتحقيق هذه الغاية، يشجع قادة الصناعة الزوارعلى الاستكشاف خارج المراكز الرئيسية.
ففي مدينة بليم البرازيلية، يجذب سوق فيرو- بسو التاريخي المفتوح وعرض أكلات الطعام الناشئة التي تعتمد على مكونات من غابات الأمازون، بدءاً من النمل الصالح للأكل وصولاً إلى التوابل الفريدة من نوعها، السائحون العالميون.
كما قال أمارال إنه "بمجرد زيارتك لمدينتين برازيليتين مختلفتين، ستدرك أن هناك العديد من "النسخ البرازيلية".
وأضاف، قائلاً "التعرف على أي منهما مغامرة حقيقية".
إثيوبيا
سجلت إثيوبيا زيادة بنسبة 15 في المئة في عدد الوافدين الدوليين في عام 2025، ما ساهم في زيادة القارة الأفريقية بنسبة ثمانية في المئة، وهو أقوى نمو إقليمي على مستوى قياسات معدلات نمو القطاع السياحي.
ويأتي هذا الانتعاش بعد سنوات عدة من انخفاض الأعداد المرتبطة بالصراع في منطقة تيغراي بإثيوبيا، وقد استؤنفت الرحلات الجوية في الشمال في عام 2023، وشهد عام 2024 زيادة في الاهتمام بالسفر.
ومنذ ذلك الحين، استثمرت البلاد كثيراً في تحسين الوصول للمسافرين وكسب ثقتهم، بما في ذلك إطلاق منصة "زوروا إثيوبيا" في عام 2025.
كما ساعدت الفنادق الجديدة والخدمات المُحسنة في إنعاش معدلات الطلب.
ويقول سالاس جيفارا إنه "ونتيجة لذلك، فإننا نشهد اهتماماً مُتجدداً من مسافرينا القُدامى، بجانب عودة ثابتة للزوار الذين أجلوا خططهم لسنوات عدة"، مُشيراً إلى أن إثيوبيا كانت الوجهة الأولى لشركة "نيو باث إكسبيديشنز".
وأضاف جيفارا: "نحن نتلقى أيضاً اهتماماً مُتزايداً من الجمهور الأصغر سناً الذي يبحث عن وجهات سفر تكون في أماكن مفتوحة بالهواء الطلق".
يقول برنس إنهم شهدوا زيادة بنسبة 40 بالمئة في الاهتمام من عام 2024 إلى عام 2025.
وأوضح، قائلاً: "كما هو الحال في مصر، هناك تحسن ملحوظ في السلامة، وبدأ الضيوف في العودة".
وأضاف: "لقد حجزنا رحلة لمجموعة مدرسية تزيد عن 20 شخصاً لزيارة إثيوبيا هذا العام، ما يوضح هذا الطلب الجديد على السفر".
يصف سالاس جيفارا إثيوبيا، بأنها واحدة من أغنى الوجهات في العالم لتجربة علم الآثار والأنثروبولوجيا والتاريخ الطبيعي على نطاق واسع.
ويوصي باستكشاف تراث مملكة أكسوم في الشمال، والذي يشمل الكنائس المحفورة في الصخر في مدينة لاليبيلا البرازيلية، وعمارة مدينة غوندار الإثيوبية في العصور الوسطى.
وتوفر جبال سيمين بإثيوبيا، مساحة قريبة لمشاهدة الحياة البرية، وخاصة فصيلة قرد غيلادا النادرة، والذي لا توجد في أي مكان آخر في العالم.
أما في الجنوب، يظل وادي أومو وطناً للمجتمعات التي حافظت على تقاليد ثقافية متميزة لعدة قرون.
سيشيل
سجلت سيشيل ارتفاعاً بنسبة 13 في المئة في عدد الوافدين حتى عام 2025، ما يجعلها من بين الدول الأقوى أداءً في أفريقيا.
وتُرجع وزارة السياحة في البلاد الفضل إلى التعاون القوي بين القطاعين العام والخاص والتسويق المُستهدف والالتزام بالجودة.
وقالت شيرين فرانسيس، السكرتيرة الرئيسية للسياحة في سيشيل، في بيان لاستعراض النتائج التي تحققت خلال العام: "إن تجاوز هدفنا لعام 2024 هو نتيجة لجهودنا المشتركة والشراكات القوية التي نواصل بناءها".
ويُرجع قادة الصناعة الفضل إلى تنامي الانجذاب نحو الوجهة السياحية، إلى ما هو أبعد من السفر التقليدي لقضاء شهر العسل.
وقال ناجي إستا، المدير العام لفيلات "أنانتارا مايا سيشل" و"منتجع أفاني+ باربارونز سيشل": "يُمكن للزوار الاستمتاع بأكثر من مجرد التخبط على الشاطئ".
وأضاف: "عندما تأتون إلى سيشيل ستجدون سحراً ورفاهية وجاذبية متأصلة، في الثقافة بدءاً من المشي لمسافات طويلة إلى الشلالات والغطس والمأكولات الكريولية (مزيج ثقافي غني يدمج بين المطبخ الفرنسي، الإسباني، الأفريقي، والكاريبي)، أو الانغماس في رقصة موتيا حول النار".
في حين تظل رحلات الأزواج عاملاً أساسياً في سوق السياحة، ويلاحظ إستا ارتفاعاً في أعدد العائلات والمسافرين الذين يركزون على الصحة.
و قال إيستا مازحاً لقد قدمت أنانتارا مايا، مؤخراً قائمة طعام نباتية، وعلى الرغم من ذلك "سنرى ما إذا كانت ستحظى بشعبية مثل الكاري الكريول".
وضعت سيشيل نفسها كدولة رائدة في مجال الحفاظ على الحياة البحرية، حيث تحمي 30 بالمئة من أراضيها المحيطية.
وتفتخر الجزر لاحتوائها على شواطئ عامة، مع عدم وجود شواطئ خاصة في أي مكان في الأرخبيل.
وقال إستا: "تظل الجزر مكاناً متاحاً للجميع، ويُقدر السكان المحليون جمالها تماماً كما يقدر المصطافون".
ويشجع إستا الزوار على دعم المُصنعين المحليين، مثل أخذ جلسة يوغا صباحية في "فالي دي فروي" ، وهي مزرعة فواكه عضوية وصديقة للبيئة، أو حضور ورشة عمل في بيليشيه، حيث يتم تصنيع المنتجات الطبيعية يدوياً على يد رائد أعمال محلي.
بوتان
فتحت مملكة بوتان، وهي مملكة معزولة منذ فترة طويلة، حدودها لأول مرة أمام السياحة في السبعينيات، لكنها دوماً ما اتبعت نهج "القيمة العالية والحجم المنخفض".
وقد تبدو زيادة عدد الوافدين بنسبة 30 في المئة في عام 2025 متعارضة مع هذا التقييد على سياسة التوسع، لكن بوتان عملت على جعل نموها مُستداماً، بما في ذلك فرض رسوم التنمية المستدامة الليلية على السياح (حالياً 100 دولار أمريكي)، لتمويل المرافق والبنية التحتية والخدمات للمقيمين والزوار على حد سواء.
وقال رئيس الوزراء السابق للبلاد عن الرسوم: "إن الحجم المنخفض لا يعني الحد من عدد الزوار".
وأضاف: "سوف نقدر كل من يزورنا حتى يقدر قيمنا، بينما نتعلم أيضاً الكثير منهم".
واشتهرت البلاد منذ فترة طويلة بتركيزها على معدل السعادة الوطنية الإجمالية، والتي بدلاً من ذلك تعيد صياغة القياس الاقتصادي النموذجي للناتج المحلي الإجمالي حول الرفاهية.
وقال ييشان جويل، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "هيماليان أكوس" للسفر: "أصبحت بوتان العلاج لإرهاق السفر الحديث".
وأضاف، قائلاً: "تجذب بوتان المسافرين الذين يشعرون أنهم رأوا العالم بالفعل ويبحثون عن شيء أعمق".
ويوصي جويل الزائرين بالبحث عن تجارب أكثر هدوءاً، مثل الجلوس مع راهب كبير خلال جلسة خاصة، أو قضاء الوقت مع نساج نسيج، مارس حرفته لأجيال، أو مشاركة وجبة في مزرعة نائية في الوادي.
وقال: "إنها غالباً ما تترك انطباعاً أعمق من المعالم الرئيسية، كما أنه يفضّل استكشاف بوتان بالدراجة النارية.
وأشار إلى أنها "واحدة من أكثر الطرق عُمقاً لاستكشاف حجم البلاد وعزلتها"، مشيراً كذلك إلى أن المشي لمسافات طويلة أمر ضروري بنفس القدر.
والأهم من ذلك، كما يقول، هو أنه يجب على الزائرين استكشاف طبيعة البلد المتغيرة.
ويوضح: "إنه يوفر للزائرين فرصة نادرة للتوقف والتأمل، وهو في النهاية ما يسعى إليه العديد من المسافرين الذين يأتون إلى هنا، حتى لو لم يدركوا ذلك في البداية".
- كيف أصبح "البحر الوهمي" من أهم المناطق التي تجذب السائحين لجزر المالديف؟
- هل تجعل محطة التلفريك الجديدة السياحة في جبال عجلون الأردنية صديقة للبيئة؟
- كيف تعمل أمستردام على تشجيع السياحة المستدامة؟