محمد بن سلمان في باريس: شراكة تتجاوز العلاقات الثنائية في زمن الحرب
تستقبل فرنسا ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في زيارة رسمية تستمر يومين، تبدأ الأحد، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الشرق الأوسط.
وبحسب قصر الإليزيه، تعكس الزيارة ما وصفها بـ "حيوية الحوار" القائم بين السعودية وفرنسا، كما تشكّل فرصة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ومن المقرّر أن يعقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمير محمد بن سلمان أوّل اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي السعودي، حيث سيناقشان ملفات اقتصادية واستراتيجية وقضايا إقليمية، في وقت ترى فيه باريس أنّ التنسيق مع شركائها الخليجيين ضروري لتعزيز الاستقرار والسلام في المنطقة.
كما سيشارك ماكرون وولي العهد السعودي في حفل اختتام كأس العالم للرياضات الإلكترونية، الذي يقام في باريس للمرّة الأولى خارج المملكة العربية السعودية منذ إطلاق البطولة.
وأشار قصر الإليزيه إلى أنّ استضافة هذا الحدث العالمي الكبير تعكس تنامي جاذبية فرنسا كوجهة للأحداث الرياضية الدولية، خصوصاً بعد النجاح الذي حققته دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية في باريس 2024.
من شراكة تقليدية إلى علاقة متعدّدة الأبعاد
تعود أوّل زيارة رسمية لمحمد بن سلمان إلى فرنسا إلى يونيو/حزيران 2015، عندما كان يشغل منصب ولي ولي العهد ووزير الدفاع، بدعوة من الحكومة الفرنسية.
أما أوّل زيارة له بعد توليه منصب ولي العهد، فكانت في أبريل/نيسان 2018 بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون. واكتسبت هذه الزيارة أهميّة خاصّة لأنّها شهدت أول اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، الذي أُسّس بهدف توسيع التعاون بين البلدين في مجالات السياسة والدفاع والأمن والاقتصاد والثقافة والتعليم.
وفي يونيو/حزيران 2023، عاد محمد بن سلمان إلى باريس للمشاركة في مؤتمر "من أجل ميثاق مالي عالمي جديد."
وخلال السنوات الأخيرة، اتّسعت العلاقات السعودية الفرنسية لتتجاوز مجالات التعاون التقليدية في الدفاع والطاقة. ففي زيارة ماكرون إلى السعودية في ديسمبر/كانون الأول 2024، أكّد الجانبان عزمهما توسيع التعاون في مجالات الدفاع والأمن، والتحوّل في قطاع الطاقة، والربط الاقتصادي والتكنولوجي، والثقافة والسياحة، فضلاً عن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
العُلا والثقافة: الوجه الجديد للعلاقة
شهدت العلاقات الثنائية أيضاً زيارتين بارزتين للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السعودية، الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والثانية في ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما زار مدينة العُلا التراثية وأطلق مشروعاً ثقافياً مشتركاً. ويقود الوكالة الفرنسية لتطوير العُلا السياسي الفرنسي جان إيف لودريان، الذي شغل سابقاً مناصب عدّة، من بينها وزير الدفاع والمبعوث الفرنسي إلى لبنان.
يمثّل مشروع العُلا أحد أبرز رموز التحوّل في العلاقات السعودية الفرنسية، إذ يجمع التعاون فيه بين مجالات الآثار والتراث والسياحة والثقافة والاستثمار ونقل الخبرات، ما يمنح فرنسا حضوراً طويل الأمد في أحد أكثر المشاريع طموحاً ضمن رؤية السعودية 2030.
وبذلك، فإذا كان التعاون الدفاعي يمثّل أحد الأركان التقليدية للعلاقة بين البلدين، فإن العُلا تجسّد بعداً مختلفاً يقوم على الشراكة الثقافية والاقتصادية طويلة المدى، ويربط بين خطط التنمية السعودية والخبرة الفرنسية في مجالات التراث والسياحة والصناعات الثقافية.
الرياضات الإلكترونية: من مشروع سعودي إلى منصة عالمية
تحمل مشاركة ماكرون ومحمد بن سلمان في حفل اختتام كأس العالم للرياضات الإلكترونية أبعاداً تتجاوز الجانب الرياضي.
فقد أُطلقت البطولة بمبادرة من ولي العهد السعودي في أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضمن أهداف رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى ترسيخ مكانة المملكة كمركز عالمي للرياضات الإلكترونية.
وأقيمت النسخة الأولى في الرياض عام 2024، بينما تستضيف باريس نسخة عام 2026 بين 6 يوليو/تموز و23 أغسطس/آب في مركز معارض باريس بورت دو فرساي، لتكون أوّل نسخة تُنظّم خارج السعودية. ويشارك في المنافسات أكثر من 2000 لاعب يمثلون أكثر من 200 نادٍ من أكثر من 100 دولة، في مؤشر على تحوّل البطولة من مشروع وطني إلى منصة عالمية.
وبالنسبة لفرنسا، تمثّل الاستضافة فرصة لتعزيز مكانتها كوجهة للفعاليات الرياضية الكبرى، فيما تمنح السعودية هذا الحدث الذي انطلق على أراضيها بعداً دولياً متزايداً. لذلك وصف الإليزيه استضافة البطولة بأنّها انعكاس لتعمّق العلاقات الفرنسية السعودية، خاصّة في المجالين الثقافي والرياضي.
الدفاع ولبنان وحل الدولتين
يبقى البعد السياسي والأمني الأكثر حساسية في العلاقات بين البلدين، إذ تتقاطع مواقف باريس والرياض في عدد من الملفات الإقليمية، من أمن الخليج والبحر الأحمر إلى القضية الفلسطينية ولبنان.
وفي الملف اللبناني، تتعاون فرنسا والسعودية في دعم مؤسسات الدولة والجيش اللبناني، وتنسيق الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار والإصلاحات وترسيخ سلطة الدولة. كما تحدّثت الخارجية الفرنسية عن تعاون وثيق مع الرياض للتحضير لمؤتمر لدعم الجيش اللبناني، بالتوازي مع مسار يهدف إلى دعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، تلقّى الرئيس اللبناني جوزاف عون دعوة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في اجتماع تحضيري تنظّمه فرنسا والأردن في باريس يوم 17 سبتمبر/أيلول، تمهيداً لعقد مؤتمر دولي يهدف إلى تعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن في لبنان. وتشير المعلومات إلى توقّع مشاركة رؤساء أركان فرنسا والأردن والولايات المتحدة والسعودية، إلى جانب ممثلين عن عدد من الدول الأخرى.
أما القضية الفلسطينية، فقد أصبحت إحدى أبرز ساحات التنسيق بين البلدين. ففي يوليو/تموز 2025، استضاف مقر الأمم المتحدة في نيويورك مؤتمراً دولياً رفيع المستوى بشأن تسوية القضية الفلسطينية وتنفيذ حلّ الدولتين، برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا. وأسفر المؤتمر عن اعتماد "إعلان نيويورك" بأغلبية 142 صوتاً دعماً لمسار إقامة الدولة الفلسطينية.
لماذا الآن؟
تكتسب الزيارة أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ تشهد المنطقة توتّرات متصاعدة على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما نتج عنها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز وضغوط على أسواق الطاقة وحركة التجارة.
وفي هذا السياق، تلتقي مصالح السعودية وفرنسا عند ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار والتنسيق. فالرياض معنية مباشرة بأمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة ومنع اتساع نطاق المواجهة، فيما تسعى باريس إلى الحفاظ على دورها كقوة أوروبية فاعلة في المنطقة وقادرة على التواصل مع شركائها الخليجيين.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارة محمد بن سلمان إلى باريس على مستويين متوازيين: الأول يتمثّل في تعميق شراكة ثنائية تتوسّع اقتصادياً وثقافياً ودفاعياً، والثاني في تعزيز التنسيق السياسي خلال مرحلة تشهد إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
وبالتالي، وفي ظلّ التطوّرات الراهنة، لم يعد الحوار بين باريس والرياض مجرّد شأن ثنائي، بل بات جزءاً من شبكة أوسع من الاتصالات والجهود المرتبطة بأمن المنطقة ومستقبلها.
- هل تستفيد السعودية من حرب إيران؟
- https://www.bbc.com/arabic/extra/bXJSGfsahH/mohammed_bin_salman_arabic
- السعودية تقود تحالفاً دفاعياً في البحر الأحمر، ماذا نعرف عنه؟